الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

اكتشاف بقايا قصر أثري أمازيغي بولاية النعامة

الباحث: احمد عقون

 

بجانب واحة نخيل وارفة الظّلال، عند السّفح الجنوبي لجبل شماريخ شرقا، تستقر أطلال أحد أقدم قصور الأطلس الصّحراوي في منطقة الجنوب الغربي الجزائري، والذي لا تزال ذاكرة بعض الشيوخ تحتفظ باسمه البربري : قصر “تونزمر”.
تقع “تونزمر” غرب المحطة المعدنية حمام عين ورقة بحوالي 12 كلم، بوادي “تونزمر”، الذي يعتبر فاصلا طبيعيا بين جبل شماريخ وجبل بولغفاد. في منطقة جبلية يصعب الوصول إليها مما يجعلها حصنا طبيعيا منيعا، محاطا من جهة الشمال بجبل شماريخ وبولغفاد، وشرقا ضلعة الشماريخ، غربا ضلعة بولغفاد، وجنوبا جبل المدوَّر.

آثار القصر المكتشف

يبعد قصر تونزمر عن قصر عسلة بـ 50 كلم شمالا، وعن قصر بوسمغون بـ 31 كلم من ناحية الشمال الشرقي، وعن قصر تيوت بـ 30 كلم ناحية الشمال الغربي و35 كلم عن مغـرار غربا. تقع واحة تونزمر على ضفاف وادي تونزمر، والذي ينبع من جبل شماريخ، حيث يتواجد عدد معتبر من أشجار النخيل على مسافة تقدر بكيلومتر واحد، ومساحة تقدر بـ 17 هكتار، فبالإضافة إلى النخيل، لا تزال آثار بعض البساتين باقية إلى اليوم، والتي كانت المصدر الرئيسي للأهالي لتوفير حاجياتهم من المزروعات، والتي كان يتم سقيها بمياه السد أو الحاجز المائي الذي كان متوفرا ساعتها، هذا وتعتبر وفرة المياه عاملا حيويا ساهم في استقرار الإنسان وازدهار نشاط الزراعة، فالحصول على منتوج زراعي هو حاجة الإنسان الأولى التي يتوخاها من الموقع الذي يسكنه، ويعني هذا وجود مصدر غذائي ثابت يساعد على الاستمرار، فقصر “تونزمر” كتجمع سكني على غرار باقي القصور المجاورة له، قد أوجد لنفسه مع مرور الزمن علاقة قوية مع زراعة النخيل، الأمر الذي تعكسه شساعة الواحة التي تعد مصدر غذاء ثابت لسكان القصر، باعتبار زراعة النخيل تتلاءم وطبيعة المنطقة، كما تعتبر مادة جد مهمة للبيع والشراء سواء مع المناطق التلية أو أقصى الجنوب، بالإضافة إلى أنها تعتبر موردا هاما للتموين بمواد البناء المحلية من خشب وكرناف.

مكان القصر المكتشف

وليس ببعيد عن الواحة فوق أعلى الرّبوة المطلة على الوادي، تتواجد أطلال قصر طمست معظم معالمه، إلا أنّ بعض أثاره لا تزال تقاوم عوامل والزّوال الاندثار، يرجح تاريخ بنائه بين القرن العاشر والحادي عشر للميلاد على يد أمازيغ زناتة، وبقي القصر قائما إلى أن هُجر واختفت معالمه مع هجرة قبائل بني عامر إلى شمال البلاد، وبعد أن تم القضاء على آخر معاقل مذهب الخوارج بقصور الجنوب الوهراني على يد “البوبكرية”. وفي أواخر القرن الثامن عشر ميلادي قام الأشراف العلويون أبناء مولاي محمد بن عبد المالك، باستيطان منطقة “تونزمر” بعد هجرتهم من منطقة تافيلالت بالمغرب على إثر صراع على السلطة هناك.

رغم أن بنايات القصر تعرضت للانهيار كلّيا، إلاّ أن أساساته لا زالت قائمة تقاوم عوامل الاندثار والفناء، تاركة للباحث إمكانية دراسة النمط المعماري الذي بني عليه القصر، ومعرفة طريقة بنائه والمواد التي استعملت في ذلك.

بني قصر تونزمر على مساحة إجمالية تقدر بـ 4000 متر مربّع، على الضّفّة الشّرقية لمجرى الوادي، حيث تم تشييده على هضبة مرتفعة على سطح الأرض تقدر من أسفل الهضبة إلى أعلاها بـ 08 أمتار، وذلك بهدف تجنّب الانجراف والسّيول، وتسهيل مهام الحراسة والمراقبة.

واحة القصر

فبقايا السور الخارجي تدلّ على الشّكل المتعرّج الذي بني عليه الجدار، والذّي يلامس حواف الهضبة التي شيد فوقها بشكل ملتفّ، الأمر الذي جعل سيول الأمطار تجرف منه أجزاء كبيرة، نتيجة لعدم تصريف مياه الأمطار حول حواف الهضَبة.

أما جدران القصر فقد بنيت بالحجارة الجيرية المعروفة محليا باسم “الكَدَّانْ” وذلك من دون أن يتم تشذيبها أو صقلها، ويظهر أن بعض جدران القصر كانت تغطيها لياسة طينية في أسفل الجدار، أما أزقة القصر فهي شديدة الضّيق ومساكنه متّصلة بالسّور الخارجي مباشرة، في حين تغطٍّي معظم وحدات القصر الدّاخلية حجارة البّناء المنهارة بطريقة توحي إلى تعرّضه في فترة من الفترات لعملية تخريب شاملة.

بعض آثار القصر

لا شك أن دراسة أثريّة تحليليّة دقيقة لما تبقى من آثار قصر تونزمر، كفيل بإلقاء الضّوء أكثر على تاريخ هذا القصر وباقي القصور الأخرى التي على نمطه، والتي لا زال يكتنفها الكثير من الغموض، مع الإشارة إلى أنّ هذا الموقع الأثري يتعرض للتّلف المستمرّ، والتّدهور المنذر بالاضمحلال والزّوال جرّاء عدّة عوامل طبيعيّة وبشريّة. وحتى نوفّيها حقّها من الدّراسة والبحث فإنّ الأمر يتطلب تضافر جهود باحثين ومختصين يعملون بصفة جماعية من تخصّصات عدّة كالآثار والأنثروبولوجيا والعمران والهندسة المعمارية، من أجل العمل على دراسة هذا النّوع من القصور التي هي الآن في طريق الزّوال على شاكلة قصر ملك سليمان بالبنود، قصر تصلح وحجاج شمال تيوت، قصر فندي وبويعلي جنوب بني ونيف ..إلخ، كون هذه المعالم تختزل هويّتنا وثقافتنا المادّية، بـدل مـن أن نرثيها ونبكي على أطلالها، ويبقى لكل مجتهد نصيب.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى …

الثورة التحريرية وخدماتها الصحية المتطوّرة

صدر حديثا، عن دار “هومه” للنشر بالجزائر، كتاب تاريخي، يحمل عنوان : “الخدمات الصحية أثناء …