الخميس، 13 ديسمبر 2018

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية

كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى علي صديق مغربي تحية، ملوحًا لي بيده، في اللحظة التي استوى فيها على كرسيه في مقهى (Le coin des artistes)، بمدينة مراكش. وبدأ صديقه الذي بجانبه يعزف بغيتاره ألحان أغنية الشّاب خالد: روحي يا وهران. سرعان ما ابتسمت له ورديت عليه التحية، ليبدأ بعد لحظات في إطرابنا بهذه الأغنية الجميلة التي نحبّ الاستماع إليها من ضمن أغاني ألبومات ملك الراي.

يقول كمال داوود متحدثا عن وهران في روايته “معارضة الغريب”: هنا في وهران يتمسكون بالأصول. “ولد البلاد” هم أبناء المدينة الحقيقيون. والكلّ يريد أن يكون الابن الوحيد لهذه المدينة، الأول والأخير والأقدم. كلّ واحد يحاول أن يثبت أنه كان الأصل، هو أو أبوه أو جده، وأنه أقام هنا وأن الآخرين غرباء، فلاحون لا أرض لهم، رفعهم الاستقلال إلى مرتبة النبل كيفما كان.

إن الحديث عن وهران يقودنا إلى الحديث عن تاريخ عريق وامتداد زمني ضارب في الماضي. فقد وطئ أقدام الكثيرين هذه الأرض من بربر، عرب، أتراك عثمانيين، فرنسيين وإسبان.. وكلّ واحد منهم ترك بصمته على طريقته، مما جعلها في النهاية مزيج حضارات متنوعة. لكن وهران اليوم غير وهران التي كانت بالأمس. لذلك يضيف كمال داوود: “هنا في وهران أو في أية مدينة أخرى، تحس أن الناس ناقمون على المدينة […] المدينة غنيمة يراها الناس عاهرة شمطاء تُشتم وتُساء معاملتها وتُرمى بوجهها القذارات وباستمرار يقارنون بينها وبين القرية النقية الطاهرة التي كانتها فيما مضى.” فنجد أن الناس تبحث عن وهران القديمة لا عن وهران الجديدة، يبحثون في أزقتها على عطر الشوارع القديمة ولا يريدون تقبل هذا التجديد. لذلك يقول الشاب خالد: “روحي يا وهران.. روحي بالسلامة.. القلب لي كان يبغيك أنا نكويه.” فهو يُخاطب في هذه الأغنية وهران معاتبا فيها قلبه وحبّه لها، ويجد نفسه ببساطة بين مطرقة “المودرن” والتجديد كداء أصاب هذه المدينة وبين سندان حبه وعشقه لها من خلال بساطتها وعراقتها عندما كانت “قرية نقية”. ويسلط الشاب خالد الضوء في أغنيته على الفساد الذي طال المدينة ويستنكر تصرفات بعض المواطنين ويشير إلى بعض أحياءها التي كان لها حظ كبير من التمدّن وفي نفس الوقت الانفلات: حتى الحمري ولا شيكاغو! (الحمري أصبح يشبه شيكاغو)، دلالة على الفساد الأخلاقي الذي طال هذه المنطقة.

لا يسعنا أن نتحدث عن مدينة وهران دون أن نتطرق للحديث عن السياحة في الجزائر بصفة عامة ونطرح تساؤلات عديدة. “فكيف لبلاد كبيرة مثل الجزائر بحجمها وتنوعها وامتدادها وامكاناتها و”بترولها” ألا تكون سياحية؟ تتساءل صديقة تركية. ونفتح قوس للإجابة على هذا التساؤل بنقطتين، فالإشكال الأول في تصوّري يكمن في العقلية التي يملكها الجزائري بصفة عامة، وإن كان هذا المعيار في الحقيقة ليس مضبوطًا إلا أنه بالإمكان أن نشرح أكثر ونتصالح مع أنفسنا ونعترف أنه من الصّعب قليلا للجزائري أن يتقبل اختلافات الآخرين، ومن الصعب أن يتقبل كون الأخرين ليسوا مثله.. بنفس تناقضاته وتقلباته.. وفي هذا الصدد يمكننا أن نوجه أصابع الاتهام نحو المنظومة التربوية والإعلامية التي أنشأت جيلا لا يثق في نفسه وفي نفس الوقت جعلته يعتبر نفسه أنه هو الذي على حق طوال الوقت، ناهيك عن كون الوانتوثريست يعمل على جعل نفسه محطّ أنظار العالم ويسعى للشهرة وإن كان ذلك على حساب أيّ شيء، وقد أدى هذا إلى نتائج وخيمة تتمثل في تركيب صورة مغلوطة في أذهان الآخرين (السّياح) تحمل في طياتها كون هذا البلد غير آمن.

ونضيف أنه حري على السياح في الجزائر أن يكونوا مسلمين. فألا تكون مسلما يعتبر من الشذوذ في فكر الجزائري جزاؤه أن ينبذك وألا يتقبلك. فنحن حقا في حاجة إلى سنوات عديدة لنعالج فيها فكرنا، ونحتاج إلى زمن طويل لنفتح فيه أبواب بلدنا على السياحة، على الأقل بعد أن نتخلص من الكبت المتواجد بصدورنا وعلى الأقل بعد أن نروّج لثقافة تقبل الآخرين وأن محاكمة الآخرين ليس وظيفة من اختصاص البشر، ونتيقن أننا بني البشر أيضًا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا.

وهران دوزيام باري (Deuxième Paris)، أو نسخة باريس الثانية.. العبارة التي جعلت الكثير من الجزائريين وغير الجزائريين ينسجون أحلاما وتوقعات كبيرة في ما يخص مدينة وهران، سرعان ما تحطمت بعد أول زيارة لها، ولا أعتبر نفسي متطرفا ولا متشددا حين أفصح أن هذا التعبير مبالغ فيه جدا، لأنه ببساطة نحتاج أولا إلى أن نضع خلافاتنا واختلافاتنا على جنب، ثم نتكاتف لنجعل من وهران وغيرها من المدن الجزائرية صالحة لأن تكون سياحية، وبعدها علينا أن نطهر فكرنا وشوارع مدننا وهذا من خلال اعتناق فكر وسطي معتدل، يقوم على احترام الغير دون أن نلجأ إلى استخدام عبارات مغالطة تجعل الآخرين يحملون أفكار مغلوطة عن واقعنا المعاش وبذلك نجد أن شوارعنا هي الأخرى قد تطهرت وتجملت. وحري علينا أن نفند العبارة التي أُلقيت على مسامع محمد شكري لحظة مغادرته وهران حين قيل له: النّاس تُهاجر إلى وهران.. وأنت تهجرها..؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …