الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

حبيبة العلوي

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة للصوت، وتحجز لهم المقاعد المخمليّة الأولى في أي قاعة.. أولئك الذين يتأخّر افتتاح أي مهرجان على الأقل ساعة في انتظار وصولهم المكلّل بازدحام مروري في شوارع “أيّها الناس”!

تنويه ثانٍ: أتممت كتابة هذا المقال، قبل أن يظهر وباء الكوليرا في الجزائر، وقبل أن ينشر الزاوي مقاله عمّا فعله البدو بحواضر الغرب.

  1. في انتظار دعوة جديّة .. المقاطعة الصّامتة!

في ديسمبر 2014.. دعاني المخرج الصديق “محمد دراجي” لحضور فيلمه الجديد “ابن بابل”، المبرمج في إطار أسبوع السينما العراقيّة في الجزائر، الذي كانت تنظّمه آنذاك “الوكالة الجزائريّة للإشعاع الثقافي”، عندما وصلت لقاعة السينيماتيك بالعاصمة، وجدت الدرّاجي يحرّك ساقيه في ارتباك واضح، وهو يعدّ بعينيه الضيقتين، على غير العادة، عدد الحضور في تلك القاعة العريقة ..

كنت أعدّ وراءه في حرج وأنا أعلم أنّ العدد لن يتجاوز 12 متفرّجا.. قلت له: “لا تعتقد أنّ الأمر شخصيّ يا محمّد، الأمر لا يتعلّق بفيلمك، فالعاصميون يقاطعون الثقافة الرسميّة..”. وأضفت: “ثمّة مقاطعة صامته للجماهير في العاصمة للتظاهرات الثقافية الرّسمية”.

قلت ذلك بعد أن فرغت إحدى مسؤولات الوكالة من إحصاء الحجج غير الكفيلة بتبرير غياب الجمهور، عن تظاهرة بهذه الأهميّة، كان من بين حججها البليدة أنّ الأسبوع تزامن ومهرجان الفيلم الملتزم الذي احتضنته القاعة المجاورة..

همس لي الدرّاجي: طيب مو معقول أنّ مدينة عدد سكّانها أربعة ملايين لا تملأ قاعتي سينما.. الأكيد أنّ الأمر أعقد من سوء برمجة”..!

أجبت: “لهذا السّبب يا محمّد نُطالب منذ سنوات بسياسة ثقافيّة جديدة للجزائر”..

لم أكن يومها في الواقع أستغل موقفا مربكا للوزارة لصالح قضيّة أرافع عليها.. ولكن كنت أحاول أن أتخلّص من الإرباك الجمعي الذي طالني كجزائريّة أمام هكذا واقع، حتّى وإن كنت غير مسؤولة مباشرة عليه.

مازلت أذكر هذا الموقف وأذكر تماما الغصّة التي علقت بالدرقيّة، وأنا أستمع لتلك المسؤولة السعيدة بإنجازها وهي تتشدّق على العاصميين الذين تحاذيهم: “إن العاصميين لا يستأهلون الدلال يا محمّد.. ندلّلهم كثيرا كما ترى.. كل الفعاليّات تبرمج في العاصمة وأنت ترى كيف يعزفون عن حضور البرامج الثقافية التي تقدّم لهم مجّانا.. يتعلّلون بالازدحام المروري وعدم وجود أماكن لركن سيّاراتهم ليبرروا هجرهم للثقافة.. انتظر.. انتظر سترى كيف يكون الإقبال على فيلمك في تلمسان وباتنة و.. دوك تشوف جمهور الثقافة الحقيقي أين يوجد في الجزائر”.

لم أعثر على لغة أجيب بها عن هكذا لغة غير الصمت.. كميتها في نفسي إلى اليوم، ولم أجرأ من يومها أن أسأل الدرّاجي عن مدى إقبال جمهور الولايات الأخرى على الفيلم؛ لأنّ الأمر سيتعلّق في باقي الولايات بتظاهرة يتيمة في السّنة!

ليس بعيدا عن ذلك التاريخ، نظّمت الوكالة ذاتها أسبوع السينما اليابانيّة بالجزائر.. توجّهت بحسن نيّة وفرح لحضور إحدى الأفلام المبرمجة، التي حصدت العديد من الجوائز العالميّة تماما كفيلم “ابن بابل “..

غير أنّ إيجابيّتي يومها اصطدمت بوجه عامل القاعة النّحيف والآسف، وهو يعتذر مني مضطرًا أن يلغي عرض الرابعة مساء ويعوضني عن ثمن التذكرة، بعد أن جاءه هاتف يأمره بأن يلغي العرض مادام عدد الجمهور هو 01 فقط لا غير!

من يومها وأنا أتساءل عن مدى صحّة مقولة مقاطعة العاصميين للثقافة الرسميّة، وعن مدى أمانتي وأنا أعلق تهمة الانصراف عن قاعة السينيماتيك كذلك بسوء تسيير وكالة الإشعاع الثقافي لتظاهراتها، وفشل خطّتها الترويجيّة التي تجعل المارين على شارع بن مهيدي لا يعلمون بأي حال عن وجود جواهر سينمائيّة تعرض بالقاعة المجاورة إلاّ بمحض الصّدفة..

إلى غاية اليوم الذي كنت فيه من بين الحضور الذين غصّ بهم مسرح “بشطارزي” في عرض “طرشاقة”، الذي عرف كيف يسلب العاصميين ويقنعهم بأن يتصالحوا وقاعات المسرح على الرغم من مزاج المقاطعة؛ بفضل خصوصيّة وجرأة نصّه، وجهود فريقه الإعلامي الشّاب والمستقلّ.

ومن اليوم الذي صار فيه جمهور “مسرح الجزائر الوسطى” يصطف في طوابير ليدفع ثمن تذكرة عروض فرق مستقلة وفتيّة، لم تحظ لا بمليارات دعم ولا بترسانات من التغطيات المأجورة.. من يومها صدّقت الفرضيّة وتأّكّدت أنّ مقولة المقاطعة لم تكن تجانب الصواب، بل كانت ممارسة تبنّاها جمهور العاصمة عن سابق استنكار وترصّد!

فهل كان العاصميون يقاطعون الثقافة.. أم كانوا ينتظرون دعوة جديّة وملّحة لحضور عرض يقنعهم..؟!

جانب من جمهور مسرحية طرشاقة
جانب من جمهور مسرحية طرشاقة
  1. في انتظار النزول إلى الشّارع.. الفشل من أول خطوة..!

في فيفري 2016، أطلقت وزارة الثقافة: “موعد مع الرواية”، فعاليّة أسبوعيّة تحتفي بالسرد الجزائري، تحت إدارة الروائي الجزائري سمير قسيمي، لقد كان سقف طموح قسيمي كبيرا، وهو يعد بأن يستضيف هذا المحفل أكثر من مائة وخمسين روائيّا؛ ليعد بذلك باستمرار موعده على الأقل ثلاث سنوات وبأن تكلل نهاية كل شهر بتشريف اسم كبير في عالم الرواية العالميّة..

وبحسن نيّة مشوب بحذر، حضرت اللقاء الأوّل من هذا الموعد الذي احتضنه “قصر الثقافة مفدي زكرياء”، والحقيقة أنّني منذ البداية انقبضت من الفضاء الذي اختير لفعاليّة كهذه يفترض أنّها تهتم بالرواية والنّاس؛ خاصّة وهي تختار كتيمة أولى للقاءاتها تجربة الكتابة عن العشريّة السوداء: قاعة تحتيّة وجانبيّة ومظلمة في قصر يضمّ وزارة الثقافة؛ يفصله عن القرّاء والأبطال الحقيقيين للرواية تليفريك عريق.. ومسافة من الغربة والالتباسات المترسبة منذ عهود عن كلّ ما هو “قصر” وكل ما هو “ثقافة”..!

حضر اللقاء مجموعة من الإعلاميين وثلاثة طلبة على الأكثر، من المقرّبين من الساحة الثقافيّة؛ أي من الذين كان يمكن أن يصلهم خبر تنظيم النشاط بحكم العلاقات، وعلى أهميّة الموضوع والضيوف، بدا الموعد إن استمر على ما هو عليه أقرب إلى الندوة الصحفيّة من الموعد الثقافي المفتوح للجمهور..

وبصبر كبير ومقاومة لشعور الاختناق الذي طالني من انغلاق الفضاء، بقيت حتى نهاية اللقاء..

أذكر أني قابلت لدى بوابة القاعة وأنا أستعد للمغادرة الإعلاميّة الصديقة زهيّة منصر، قلت لها:

“ألم يجدوا مكانا غير هذا؟.. لن يحضر اللقاءات غير نخبة النخبة”.

ردّت زهيّة في إيجابيّة:

“المهم أن توفّر فرصة للقاء حبيبة..”.

كانت زهيّة ربّما تفكّر في القطرة التي قد تسعف الصّحراء، وكنت أفكّر يومها في ابتعاد القطرة عن الصّحراء. لم تستطع زهيّة أن تسرّب إيجابيتها إليّ، كنت شبه مقتنعة بأنّ هكذا شكل من الفعاليات سيفشل بحكم تقليديّة التسيير المرتبط بالفضاءات الضيّقة للثقافة..

كنت على وشك أن أكتب مقالا يترجم قلقي على مصير هذه التظاهرة الهامّة، غير أنّ صديقا آخر أثناني عن ذلك.. قال لي كمال قرّور: “دعي التظاهرة تأخذ حظّها من التجربة”.. بدا كمال مقنعا وهو يشير عليّ بالتروي في الحكم على تظاهرة فتيّة..

فاحتفظت برأيي المبدئي لنفسي..

لم تمرّ أكثر من ثلاثة أشهر ليعتذر قسيمي عن إدارة موعد وعد أن يستمرّ ثلاث سنوات، وبعيدا عن الأسباب الذاتية والموضوعيّة التي حلّت هكذا موعد.. لم تكن هذه التظاهرة من وجهة نظري تمتلك أسباب نجاحها، حتّى ولو استمرّت السنوات الثلاث؛ وهي منزوية في أعالي مدينة لا تعرف أبناءها!

السؤال الذي بقي معلّقا بالرأس:”هل العاصميون/ الجزائريون هم من يقاطعون الثقافة الرسميّة أم أنّ الثقافة الرسميّة هي من تقاطعهم؟!”

من ندوات موعد مع الرّواية
من ندوات موعد مع الرّواية
  1. من الصّمت إلى الصّوت.. ورقلة 2018 .. “الغوغاء” تنتفض.. و”المثقف” يشتم..!

مفردة “الغوغاء”هذه حتى لا أقول مصطلح أطلقها مثقف وجامعي، على جماهير ورقلة المحتجّة أخيرًا على تنظيم حفل موسيقي في مدينة تحترق..!

لا يتعب هذا “المثقف” من التسلّي بوصف هذه الجماهير الغاضبة بالرعاع والغوغاء والدواعش؛ ولأني هنا لست في مقام التجريح أو التشهير وإنما في مقام الإدانة، أتحفّظ عن ذكر اسمه خاصّة وأنّه ليس في هذا يتيما ولا يمكن بأي حال عدّ سلوكه من باب الشّاذ الذي لا يُقاس عليه.

لقد اعتبر غير قليل من النخب القديمة، التي كانت في الأصل طرفا في الأزمة التسعينيّة الجزائريّة، احتجاجات ورقلة عودة للإرهاب الأصولي واستحضروا في لفتة موحّدة للوراء حوادث على شاكلة محاولات مناضلي “الفيس” توقيف حفلات الأطلس المقابلة لجامع التقوى في باب الوادي.

لم يتمهّل هؤلاء النخب – الأكاديميّون والإعلاميّون والكتّاب – ولم يحاولوا فهم خلفيّات ما حصل.. أبعاده.. أو مبرّارته، اعتمدوا على ذاكرتهم القصيرة وتعاملوا مع صور المصليّن المعرقلين لانعقاد الحفل كقرائن ودلائل إدانة وحكم نهائي على ثقافة منطقة جزائريّة بأكملها.

لم يطرحوا أسئلة ساذجة كهذه: لماذا سرّبت هذه الصّور بالذات عن احتجاجات ورقلة؟.. ولماذا غزت صور المصلّين من المحتجّين وسائط الإعلام الاجتماعي بما تحمله من ثقل إيديولوجي في بلد أنهكه التقاتل باسم الدين..؟

تعاملوا مع الخبر بمنطق ردّة الفعل السريعة، التي يمكن أن تبرّر عندما تصدر من الجماهير التي ينعتونها بالجهل والسّفه.. والتخلّف..!

حتّى أنّهم لم ينتهبوا أنّ مسلسل تجنّد مواطنين لمقاطعة الحفلات بدأ في قسنطينة وبجاية، ولم يدشّنه أبناء ورقلة الذين أرهقهم الاحتجاج الاجتماعي المكتوم منذ 2015، فاتخذوا من المناداة بمقاطعة الحفلات الموسيقيّة المنظّمة في مدينتهم وسيلة للترويج لمطالبهم؛ لقد شرح “قادر الجابوني” في فيديو بثّه عبر وسائط التواصل الاجتماعي كيف أنّ جماعة من المحتجين اعتذروا له، وشرحوا له أنّه لم يكن مستهدفا شخصيّا لا هو ولا فنّه، وإنما القصد كان وصول صوت الاحتجاج عبر مقاطعة حفله، لقد كان “الجابوني” في تفاعله مع الأزمة أذكى من “رضا سيتي 16″، الذي التحق بالنخب الشاتمة من وراء الفضاء الأزرق.. اختار الجابوني أن يروّج لاسمه كفنّان وابن للشعب واختار “رضا سيتي 16” أن يكون ابنا لمن يدفع أكثر.

وبغضّ النظر عن مدى صحّة أقوال “الجابوني”، تبقى تصريحاته الموثّقة شهادة من قلب الحدث حتّى وإن أدرجت في باب الماركيتينغ..

شهادات أخرى يمكن أن تدرج في هذا المقام، قادمة من ورقلة نفسها، التي رأى بعض مواطنيها أنّ صورة الاحتجاج الأخير التي صنعت الجلبة كانت الأقلّ عنفيّة، فكثير ما اتخذت احتجاجات شباب ورقلة تمظهرات أعنف على شاكلة تحطيم فضاءات عموميّة، وقطع للطريق العام واعتداء على السيّارات؛ على غرار ما يمارسه مناصري كرة القدم في غير قليل من ولاية جزائرية كمظهر من مظاهر الانتحار الجمعي غير المنظم.. يحدث هذا في ظل تعتيم إعلامي عن حقيقة ما يحصل ويتأجّج في جنوبنا الكبير..

فهل قاطع الورقليون الثّقافة أم استندوا إلى مقاطعتها لإيصال صوتهم إلى الجزائر العاصمة/ المركز…؟!

لن أتجرّأ هنا على الحسم في الإجابة عن هكذا سؤال.. وإنما سأكتفي بالإشارة إلى ضرورة طرحه.

ولا يمكننا في هذه الباب أن نغض الطّرف عن تجاوب جماهير ولايات أخرى على غرار سيدي بلعباس، مع نداءات بمقاطعة حفلات المليون متفرّج التي بشّر بها وزير الثقافة، ولا عن الخطاب الإسلاموي الذي غلّف أحيانا هذه النداءات، كصور من صور استحواذ تيّارات سياسيّة على مطالبات شعبيّة، لتلوينها بصبغة تطهيريّة تصادميّة تقاطب بين الصلاة والغناء.. كممارستين تنتميان لضفاف متنابذة حتما وأصلا!

  1. صلاة vs غناء

لقد صُدِّرت صور إقامة الصلاة جماعة خلال احتجاجات ورقلة كممارسة لا ثقافيّة مجابهة ومضادّة لممارسة ثقافيّة بامتياز هي الغناء، لقد تمّ التّركيز على هذه الممارسة الدينيّة التي نقلت روايات أنّها تمتّ بطريقة عفويّة حين حضور وقت الصلاة، بوصفها وسيلة – بل سلاح – طرد وعرقلة لإقامة الحفل بحكم قدسيّة الممارسة التي تتقاطب في لاوعي الجماعة مع ممارسة كالغناء، ثم جرى تداول التحاق ولايات أخرى بحملات المقاطعة بانتهاج الممارسة ذاتها، بطريقة مقصودة هذه المرّة ومبرمجة، كحجّة دامغة على التوجّه الأصولي للاحتجاجات عامّة..

لقد اعتمد وعمد أغلبيّة المثقفين المتهمين للمحتجين بالأصوليّة والتطرّف على إذكاء تقاطبيّة راسخة في لاوعي جزائري جريح من ذاكرة العشريّة السوداء، التي صار أي تمظهر ديني زائد فيها يقابل بانتفاء الحياة وبالتّالي الثقافة. وكحصيلة ثقيلة لاستحواذ تيّارات سياسويّة متطرّفة على الدين في الجزائر.. صار المثقّف – بحكم أنّه كان أولّ مستهدف بالنفي منها – أوّل مرعوب من أي عودة لاستظهار الممارسات الدينيّة الجماعيّة في الشارع، حتّى وإن كانت في الأصل بنية من البنى الأصيلة للثقافة الجزائريّة قبل أن تتلوّن بأي صبغة أيديولوجيّة..

غير أنّ السؤال الذي أودّ أن أطرحه على هذا “المثقف المرعوب” اليوم: إلى متى سيتواصل التعامل مع الممارسات الدينيّة في الجزائر، على كونها ملكيّة خاصّة للتيّارات المتطرّفة لا شكلا من أشكال التعبير الثقافي، ثم نشتكي من استحواذ التيّارات المتطرّفة على الشارع والذوق العام؟!

شخصيّا أعتقد أنّ ما حدث في ورقلة وما سيلحقه من تبعات كفيل بأن نعيد فتح سؤال/ جرح علاقة الديني بالثقافي في الجزائر..!

لماذا سرّبت هذه الصّور بالذات عن احتجاجات ورقلة؟
  1. الجامع vs البار 

لقد تداولت الجماهير المحتجة على إقامة الحفلات في عدد من المدن الجزائريّة شعارات تصنيفيّة تطهيريّة، تُطالب بتنزيه الفضاءات الثقافيّة العموميّة من أنماط ثقافيّة قادمة من فضاءات، لطالما اعتبرت من الهامش المنبوذ جماهيريّا: “البارات”، معتبرة أنّ هذه الأنماط لا ثقافيّة ولا ترتقي للذائقة التي يفترض أن يروّج لها جماهيريّا..

والواقع أنّ هذا الخطاب الذي يقاطب بين فضاءات مقدّسة وفضاءات مدنّسة ليس جديدا.. فعلى امتداد قرون كاملة تنابذت هذه الفضاءات، غير أنّ أيّا منها تمكّن من نفي الأخر بشكل نهائي وقاطع.. يتجدّد هذا الصّراع كلّ فترة وفترة، وقد عرفته الجزائر على امتداد تاريخها المأزوم، حتّى أنّ عددا من الكتّاب خلّدوا هذا الصراع في أعمالهم لينتصروا لفضاء على حساب فضاء..

غير أنّ رأيا ثالثًا يمكن أن يقول أنّ الاحتجاجات الأخيرة عندما عبّرت عن رفضها للترويج للثقافة المنحدرة من فضاء البار، كانت تطالب بنفس الوقت بالترويج لنمط ثقافي لا يتصادم وفضاء المقدّس؛ الذي تقدّر هذه الجماهير أنّه وحده يفترض أن يخترق حرم العائلة، متناسية أنّ حرم العائلة قد اتسع منذ سنوات وربّما أجيال لأشكال تعبير تطوّرت في الأصل من فضاءات مدنّسة في لاوعي الجماعة..

والواقع أنّ المترصّد لحركيّة الثقافة عبر التاريخ، يعي أنّ وحدها التجاذبات بين المقدّس والمدنّس تسمح بخلق أشكال تعبير ثقافيّة جديدة تحاول أن تنتزع مكانها ومكانتها في عزّ الصّراع بين معطى الحرام ومعطى الحريّة..

ومع ذلك، ومن زاوية نظر أخر، فإنه يتوجّب علينا تذاكر أنّ كلّ بلاد العالم، تخصّص فضاءات لأنماط ثقافيّة تراها أحيانا راقية أو نخبويّة أو عريقة أو رفيعة.. وفضاءات لأنماط ثقافيّة قد تسميّها تخفّفا أو تفهّما: شعبيّة أو جريئة أو شبابيّة أو حتّى حمراء.. والمعوّل في كلّ هذا هو على إبداعيّة خلق فضاءات تستوعب كل أشكال التعبير التي تخلقها مجتمعاتنا المتناقضة تناقض النفس البشريّة!

إدارة ميهوبي في مأزق
  1. مقاطعة الثقافة أم مقاطعة الفساد الثّقافي؟

في عهد المليارات المتدفّقة.. بحّ صوت عدد من الفاعلين الثقافيين المستقلين في الجزائر، مندّدا بإهدار المال العام على تظاهرات ثقافيّة كبرى لا تستقطب الجمهور الجزائري بقدر ما تستقطب الرّأي العام العالمي، الذي لم يكن يهمّه في الواقع أن تصدّر له صورة عن الجزائر الآمنة والمنفتحة والمتصالحة، وهو لا يعدم طريقة يستقي بها أخباره ويصنع بها توجّهاته.. والحقيقة أنّ حبرًا غزيرًا قد أهدر في سبيل تفطين السلطات لمدى فشل هذه السياسة، التي لم تنجح إلاّ في شقّ مزيد من خنادق الغربة بين المواطن وفضاءاته الثقافيّة، التي شكت أغلبها من انصراف الجمهور باعتراف الوزارة الوصيّة نفسها، التي كانت ترجع أحيانا هذا السلوك إلى غياب الحسّ الثقافي لدى الجزائريين كنتيجة حتميّة لسنوات الدم والدمار. غير أنّ المتتبع لواقع المشهد الثقافي منذ سنة 2002 يدرك أنّ العواصم الثقافية المنظمّة في الجزائر، على سبيل المثال، لم تضع نصب أعينها إرضاء ذوق المواطن وتقريب المنتجات الثقافيّة المحليّة والعالميّة لمحيطه اليومي، بقدر ما حرصت على رعاية ضيوف الخمس نجوم، ممّا خلق ردّة فعل عمليّة لدى الجزائري: الانصراف و”التطنيش”..!

لم يكن المواطن الجزائري في الواقع، خلال هذه السنوات، على غفلة من الفساد المالي والإداري الذي أحاط بعمليّة تسيير ملايير الدعم العمومي للثقافة، سواء من خلال مراقبته المباشرة أو من خلال الإطلاع على عدد من المقالات والملفّات الإعلاميّة التي تجرّأت على كشف ورصد عديد التجاوزات، بل إنّ تقارير مجلس المحاسبة وهو أكبر هيئة رقابيّة على الأموال العموميّة في البلاد جاءت لتدعم هذا الواقع المرصود بالعين المجرّدة، بشهادتها على التجاوزات العديدة التي سجّلت في تسيير هذه التظاهرات مع ضعف مردوديّتها على المواطن..

كما أن المواطن نفسه لم يشهد خلال هذه السنوات أي عمليّة محاسبة للمسؤولين على هذا الإهدار للمال العام بدعوى دعم الثقافة، ولم يكن أمام الحكومات المتعاقبة على الجزائر أمام تزايد الأصوات المنتقدة للوضع إلاّ تمرير حقيبة الوزارة من اسم إلى اسم، كاعتراف ضمني بفشل السياسة المنتهجة لتسيير الثقافة.. غير أنّ تغيير الأسماء لا يكفل حتما تغيير السياسات المرتجلة والفوقيّة والمتسرّعة لتسيير قطاع استراتيجي كقطاع الثّقافة.

ولأنّ “ميهوبي” كان وزير الثقافة الأقل حظّا منذ تولّي بوتفليقة الرئاسة، بما أنّه وصل لقصر مفدي زكرياء في عهد الانهيارات المنتظمة لميزانيّة الثقافة، فإنه كان أمام ضرورة تبنّي خطاب قريب من مطالبات المجتمع المدني داع لانفتاح القطاع لمساهمة الخواص، ومروّج لفكرة جزأرة المهرجانات كبديل يتذاكى على واقع فقر الخزينة، بالتزلّف إلى الفنّان الجزائري الأقل تكلفة من النجوم الذين دُرِج على تدليلهم..

غير أنّ إدارة ميهوبي وقعت في مأزق أخطر.. وأخطر بكثير من المآزق التي واجهت سابقيها:  أول نداء “شعبي” بمقاطعة  تظاهرات ثقافيّة رسميّة!

فهل كان نداء “خلّيه يغنّي وحده”، بيانا “سياسيّا/ شعبيّا” يستنكر حصيلة عشريتين من الفساد الثقافي بالجزائر؟ أم شكلا من أشكال معارضة السياسات الماليّة في الجزائر بصفة عامّة؟ أو مجرّد استلهام لموضة مقاطعة كلّ ما هو رسمي، التي دشّنت عندنا بمقاطعة سوق السيارّات المركّبة في الجزائر؟!

لقد أقدمت عديد من الأصوات النخبوية في الجزائر، على اعتبار هذا النداء استقواء على القطاع الثقافي، واستعراض لعضلات “العامّة” على قطاع ضعيف أصلا.. مهدّد دوما بالغبن والتهميش، خاصّة وأنّ النداء طالب بتحويل أموال دعم الحفلات الموسيقيّة إلى مشاريع تنمويّة محليّة، رافعت تلك الأصوات على حق قطاع الثقافة من الخزينة العموميّة، وانتقدت مطالبات الجماهير المحتجّة بإسقاط حقّها في التنشيط الثقافي أمام أولويّة تلبية حقوق رأت تلك الجماهير أنّها أكثر ضروريّة.. وفي خلال معارضة هذه الأصوات لحملات المقاطعة التي بدأ مدّها يتصاعد ويقلق ويحرج المؤسسة الرسميّة، تذكرت بأنّه يفترض أن ينهل القطاع الثقافي في أي بلد بنسبة لا تقل عن 1 % من الميزانية العامة، غير أن الأصوات ذاتها صمتت بشكل مريب عندما أقرّت الحكومات المتعاقبة على الجزائر منذ سنة2016   خفض ميزانيّة الثقافة إلى أقل من 0, 25  %  من الميزانيّة العامّة، للمبرّرات ذاتها التي دفعت الجماهير المحتجّة إلى المطالبة بإلغاء الحفلات: ترشيد النفقات والأولويّة التنمويّة.. !

والسؤال الذي يظل يطرق بالرأس: لماذا تصرّ النّخب الثقافيّة في الجزائر على تسفيه آراء من يسموّنهم بالـ”عامّة”.. مع مناداتهم بضرورة التغيير الذي وحده يكفل تحقيق النقلة الحضاريّة للجزائر..؟!

شخصيّا لا أعرف الخلطة السحريّة التي تدفع ببلد إلى التغيير، ونخبه يديرون ظهورهم للجماهير؛ التي يفترض أنّها ستتبنّي أي مشروع تغييري تطرحه النخب..!

لقد نجحت احتجاجات ورقلة في إرغام وزير الثقافة على تقديم كشوف لحساباته، ففي أكثر من مناسبة إعلاميّة تبرّأ ميهوبي من “تهمة” صرف ميزانيّته على الحفلات! وكأنه يقرّ أنّه ليس من مهام الميزانيّة العموميّة تمويل الحفلات محلّ الخلاف، فلا مجال إذن إلى تبرير مطالبات محتجي ورقلة بتحويل هذه الأموال إلى مشاريع تنموية؛ خاصّة وهي مشتطرة من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، أي أنّها من مستحقّات الفنانّين لا من مستحقّات عموم المواطنين، غير أنّ ميهوبي وهو يُرافع على مدى عقلانيّة صرفه لميزانيته نسى أنّ مواطني ورقلة ومن لحق بهم من محتجي الولايات الأخرى، لم يكونوا أصلا على علم بهكذا مستوى من تفاصيل لم تجر العادة على تداولها جماهيريّا، ممّا يعني أنّ هذه الاحتجاجات عوّلت على محاسبة الهيئة الوصيّة بأثر رجعي!

نعم .. يبدو أنّ ساعة الحساب قد حلّت.. ولست أدري إلى أي مدى نحن مستعدّين جميعا – باختلافاتنا وخلافاتنا – للتعامل مع حرج هكذا لحظة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …

جنس جماعي.. وكتب من التراث العربي الإسلامي

بثينة سرمدة يمثّل الجنس الجماعي أحد أهم مرتكزات الايروتكية العربية ، تعود جذوره إلى عصور …