الخميس، 20 سبتمبر 2018

الثورة التحريرية وخدماتها الصحية المتطوّرة

صدر حديثا، عن دار “هومه” للنشر بالجزائر، كتاب تاريخي، يحمل عنوان : “الخدمات الصحية أثناء الثورة التحريرية 1954-1962″، لصاحبه الدكتور دردور سمير نور الدين (1968-) ؛ الكتاب يقع في 160 صفحة ومن الحجم المتوسط، يسلط الضوء، بالصوّر والوثائق، على الخدمات الصحية التي وفرتها الثورة الجزائرية خلال حرب التحرير؛ وقد مرت بمرحلتين، كانت في بدايتها عبارة عن خدمات بسيطة ، في حدود الإمكانيات المتاحة؛ لكنها تطورت بعد ذلك بشكل كبير، جعلها تستجيب لمتطلبات الحرب في علاج الجرحى من المجاهدين، بل وفي توفير رعاية صحية شاملة للسكان الجزائريين في القرى والأرياف، والذين تركهم الاستعمار، عن تعمد وسبق إصرار، عرضة للأوبئة والأمراض.

غلاف الكتاب

في مقدمة الكاتب، يعطي المؤلف فكرة تاريخية عن المنظومة الصحية قبل حرب التحرير، مع بداية الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، لم يكن في الجزائر آنذاك، أي نظام صحي بالمعنى الحديث، ماعدا بعض المعالم العثمانية المتمثلة في مصحّات، كانت موجهة لتغطية حاجيات الجيش العثماني، والتي أسسها بعض أطباء ورجال الدين المسيحيين، المرافقين لقوات الاسبانية الذين وقعوا يومها في قبضة البحرية الجزائرية؛ وقد عمل بهذه المصحّات العديد من الأطباء الأوروبيين المحجوزين لدى البحرية الجزائرية، مقابل الحصول على حرياتهم.  وقد كان العلاج الموجه للسكان الجزائريين يعتمد على الطرق التقليدية، في العهد العثماني وما قبله، لم تكن هناك مرافق خاصة بهم، بينما كان اللجوء إلى الطب الحديث، فقط حين يتعلق الأمر بجهاز الحكم التركي، وأسلاك الجيش البري والبحري للقوات العثمانية.  أمام مع بدء الاحتلال الفرنسي فكان التكفل الطبي في بداية الأمر متعلقا بالجيش الفرنسي والكولون، وبعض العائلات الجزائرية القليلة “المتحضرة”، حسب تعبير المستعمر؛ ولم تتسع رقعة التكفل الصحي للسكان الأصليين الجزائريين إلاّ عندما بلغت الأوبئة والأمراض المعدية ذروة عالية في الانتشار.

في الكتاب فصل خاص عن الدور الحاسم للمرأة الجزائرية الطبيبة والممرضة؛ استعرض بعضهن بالأسماء والصوّر: حسيبة بن بوعلي، د. نفيسة حمود، مليكة قايد، د. زبيدة ولد قابلية، مسيكة زيزة، مريم بوعتورة، مريم سعدان، رزقية نبوزيد، انيسة بركات درار، حسيبة عبد الوهاب.

د. دردور سمير نور الدين

كما استعرض قائمة بأسماء الأطباء والممرضين، منهم من استشهد ومنهم من عاش بعد الاستقلال، ذكر من بينهم : الشهيد بن عودة بن زجرب، د. لخضر عبد السلام بن باديس، د. علي آيت ايدير، د. يوسف دمرجي، د. يسعد خالد، د. بكير قدي، د. يحيى فارس.

كما خصص كذلك فصلا مهما، عن الأطباء والممرضين الذين ساهموا في الثورة، وهم من أصول أوروبية وعربية (خاصة من السوريين) من بينهم: الدكتور بيار شولي، د. جان ماسبو، فرانز فانون… ومن السوريين : د. نور الدين الاتاسي، د يوسف زعين، واخيرا د. ابراهيم ماخوس (1925-2013) وقد قرر الاستقرار في الجزائر، حيث اشتغل طبيبا عاما بمستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة.

في خلاصة الكتاب، يذكر المؤلف أن الثورة التحريرية، أولت القطاع الصحي، اهتماما كبيرا، من خلال تلبية حاجيات الكثير من نواحي ومناطق الولايات التاريخية، بالممرضين والمسعفين عبر التكوين الشبه الطبي في مدارس جيش التحرير الوطني، والتخطيط للقيام بالفحوصات الطبية لفائدة وحدات الجيش، والتكفل باللاجئين الجزائريين على الشريطين الحدوديين، التونسي والمغربي،  إلى جانب إعداد خارطة تحويل المرضى والجرحى، إلى القواعد الخلفية والخارج، وقد استشهد في سبيل تحقيق ذلك عدد كبير من الأطباء والممرضين الشهداء، وعدد لا يستهان به من نساء الجزائر؛ ولأن الثورة الجزائرية، ثورة احتضنها أحرار العالم، شارك فيها أطباء من أوروبا ومن العالم العربي، خاصة من سوريا.

يتضمن الكتاب في آخر صفحاته إلى جانب الإشارة للمصادر المعتمدة في البحث، وهي مصادر متنوعة باللغتين العربية والفرنسية، ملحقا يحوي بعض الصور لطبيبات وممرضات وأطباء شهداء، يمارسون مهامهم، ونسخا من بعض الوصفات الطبية.

كتاب “الخدمات الصحية أثناء الثورة التحريرية 1954-1962” كتاب تاريخي مهم، يستحق القراءة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جرائد السّمن والعسل في الجزائر

جريدة “الحوار” الجزائرية تُعلّمنا، كلّ يوم، دروساً كنّا نجهلها، تذكّرنا بمصائب الدّنيا ومحاسن الآخرة. وتُحيلنا …

من يؤم الرّافضين للفنّ في الجزائر؟

لم تعد الصّلاة مُجرد عبادة، يتقرّب بها المسلم إلى الله، بل أيضاً لغة احتجاج، وأسلوبا …