الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

التّنمية الثقافية أو “أنسنة” مشاريع التّنمية العربية

بن ساعد قلولي

بالمعنى التّاريخي، هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التّغاضي عن إشعاعها الثّقافي والعلمي، على مرّ الأزمنة. ولا عن مكوناتها التّاريخية والسوسيولوجية والإنتروبولوجية، ناهيك عن تمثيلها الوجودي الموغل في أعماق التّاريخ العربي.

وللأسف الشديد أن هذا الكبرياء التاريخي لهذه المدن (قسنطينة/ تلمسان/ الجزائر/ عنابة/ وهران) على سبيل المثال لا الحصر، سرعان ما تحوّل  في وقتنا الرّاهن على صعيد الفعل الثقافي المدني إلى مجرد ظلال باهتة لم تعد موجودة إلا بين تجاويف كتب التاريخ والجغرافيا وبين طيّات بعض الأعمال الروائية العربية  كنوع من ” التقاطبات المكانية” بتعبير لوري لوتمان، التي كان يود الروائي العربي تفكيك أبنيتها وأسسها الزمانية المكانية والرّمزية والتّاريخية والسوسيولوجية  واستقراء آثار الإنسان فيها، حتى  ولو حاولت بعض القرارات الصّادرة عن بعض القمم العربية اختيار بعضها كعواصم للثقافة العربية والنتيجة طبعا كانت هزيلة ودون المستوى المنتظر منها ومن إرثها الحضّاري والتّاريخي.

وفي مقابل ذلك، انبثقت مدن أخرى من العدم هي أشبه “بالقرى المنتفخة” حسب تعبير الطاهر وطار. في الزمن الكولونيالي كانت مجرد قرى ومراكز عبور لثكنات عسكرية تحصّنت بها قوات الاحتلال ولازالت لحدّ الساعة في طور التشكل والبناء وسواء تعلق الأمر بالمدينة الكولونيالية أو بالمدن الحديثة النشأة أو “المدن الصامتة” بتعبير غرامشي، فهي – أي المدينة –”قبل أن تكون بناء معماريا فارغا أو شكلا هندسيا باردا هي جملة من العلائق الديناميكية والأعراف المتطورة ” (01) وليست مجرد “صحراء تكنولوجية”، كما جاء في إحدى قصائد أدونيس.

ورغم ما عرفته من تنمية وعمرانية متزايدة خلال مرحلة ما بعد جلاء الاستعمار الأوربي عن بعض بلداننا العربية، فإن هذه التنمية العمرانية لم ترافقها بكل أسف تنمية قاعدية تختصّ ببناء الإنسان على الصعيد الثقافي والتربوي والحضاري لأنه لا يمكن من الناحية النظرية والثقافية التعويل على تنمية عمرانية دون “أنسنة” مشاريع التنمية العربية وإعطائها البعد الثقافي الأقصى الكفيل باستدماج الفرد والمجتمع في قلب الحداثة والمعاصرة للفرار من إرادة الخطاب السياسي الرسمي المولع بلغة الأرقام الرسمية وبتلميع و”مكيجة” واجهة مدينية، تخفي داخلها الكثير من الفجوات والنقائص المستفحلة لتجاوز ما سماه المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي  أزمة “فاعلية صورة العمران البشري ببعديه الفعلي والرمزي النظام السياسي والنظام التربوي وذروتهما الجهاز الأكاديمي والبحث العلمي” (02) والقطع نهائيا مع ما تولده آثار “صدمة المدينة” على الصعيدين النفسي والسوسيولوجي في لاوعي الإنسان العربي الذي لا تجبره المدنية والسلوك المدني   على  التخلص من القيم الإيجابية لبداوته، ولكنها تفترض فيه ترقية حسّه الحضاري للانسجام مع وضعه المديني وصناعة محلول تنصهر في وجدانه عملية هي أشبه بالمطابقة القائمة بين البداوة والحضارة وبين قيم المدينة التي تتأسس عليها الأطر الكفيلة “بتبيئة” ما يسمى بالتعددية الثقافية، بوصفها “الفضاء الخصب لتشكل الأهواء والإرادات” (03)، بما يعني “بنينة المدينة”، بتعبير الباحث المغربي عبد العزيز بومسهولي، أي “إعادة تشكيل علاقات القوى داخلها وفق ما سماه سيبونوزا مقتضى العقل” (04).

إذن فنحن إزاء جغرافيا جديدة هي “الجغرافيا الثقافية”، كما تتردد صريحة في بعض أدبيات حقل الدراسات الثقافية أو الأقلمة  الثقافية إذ جاز لنا أن نستخدم المفهوم الذي قام بنحته الباحث السوري عمر كوش بشيء من التعديل ونعني بذلك ما يسميه بأقلمة المفاهيم عبر كتابه “أقلمة المفهاهيم، تحولات المفهوم في إرتحاله”.

ولذلك لا ينبغي أن ينصرف الذهن إلى البحث عن “المدينة الفاضلة” كما حلم بها الفارابي أو “مدينة الشم” كما تتجلى في منظور الفيلسوف الإيطالي توماسو كامبانيلا، بوصفها حلما هو أشبه بما سمته الدكتورة خالدة سعيد “يوتوبيا المدينة المثقفة”، بقدر ما يعني أن استفحال بعض الممارسات السلبية على أرض الواقع البعيدة عن أسباب التحضّر والتمدّن حتى بين نخب الأمة ومثقفيها وممثلي الواجهة السياسية في حواراتهم ولقاءاتهم الموسمية نابع في تصوّرنا من ذلك الغياب الفادح لسياسة ثقافية أو مشروع ثقافي وطني يعنى بالتنمية القاعدية وبالفلسفة التي تقوم عليها معضلة بناء الإنسان المشروع، الذي لم تنجزه الحكومات المتعاقبة منذ لحظة الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية الكفيل بتحرير المشهد الثقافي والأدبي من مظهره الكرنفالي المناسباتي، الموجّه ومن الرقابة الرسمية والتوجيه الإيديولوجي المتناغم مع خطاب السلطة الذي هو ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه.

عمار بلحسن
عمار بلحسن

وهنا أتذكر بأسف شديد مدونة مشروع ثقافي وطني كان قد تقدم بها سنة 1988 الباحث السوسيولوجي الجزائري المرحوم عمار بلحسن بوصفه في تلك الفترة عضوا في ما كان يُسمى آنذاك المجلس الوطني الثقافة والفنون إلى حكومة مولود حمروش الإصلاحية، وذهب أثر ذلك المشروع الذي لم ينجز بذهاب حمروش وحكومته. هذا هو حال المؤسسة الثّقافية الرّسمية في كافة البلدان العربية وليست الجزائر استثناء، التي لها أجندتها ومسلماتها وسياسة عملها ولا تقبل مطلقا بأي اختراق لمفاهيم الثقافة النمطية التي أنشأتها السلطة لتسهيل مراقبتها وتوجيه مساراتها وبالتالي فهي تختار نوعا خاصا من “المثقفين” وتحديدا تريد في صفوفها مثقفا تابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي  وممارساته وأن ما ينتجه هذا المثقف/ التابع  ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض وأن يتجنّب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا “السلطة المرئية” بتعبير ميشيل فوكو أو “السلطة الرمزية”، بمفهوم بيار بورديو، التي تتشكل من كتّاب ومثقفين تسكنهم “عقيدة” الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الابن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو “الطغيان الميتافيزيقي” وفقا لأطروحة نيتشه، محوّلا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي، بما يعني الاقتراب  من السقوط المذل في وحل “العبودية المختارة” كما وقف عليها  إيتيان دي لا بويسيه أو “الزواج النسقي” بتعبير الغذامي وفي كل زواج كما هو معروف عقد وهذا العقد هو “العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة  الثقافية بذلك “(05) إن أراد أن يكون تحت تصرف السلطة أو رهينة لها، يجسد في مساره  ما وصفه الناقد المغربي يحي بن الوليد في كتابه “الوعي الملحق، إدوارد سعيد وحال العرب”، بالوعي الملحق” أو وعي “المثقّف المقاول”، حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب. يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجّهة يتقاضى مقابلها تشريفات موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له.

هذا هو “الإبداع العظيم” الذي تكرس له المؤسسات الثقافية الرسمية لدينا ومشتقاتها الجمعوية والمدنية، انطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية، تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية، هي ثابت من ثوابت استقطاب المثقّف وتدجينه والذي هو في الأساس تعبير عن سلوك هيمني يبرز اسما على آخر ويضاعف من مفعول “الطبقية الثقافية”، بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النّقد الثقافي من خلال  إعادة فرز طبقات  المثقفين حسب درجة الولاء والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السّائد لا غير. الأمر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى إبدال وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف وفقدان مشروعيته النقدية كمنتج للقيم الرمزية والفكرية طبقا لمفهوم المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي “السلم الألسني”.

شتان بالطبع بين المثقف الحرّ وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا، وعندما ينتقد المثقف الحرّ غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة واحترام يقال له هذا من نتائج انسحابك من الشّأن السياسي.

لقد كان إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كلّ حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع. وقبله كان سارتر قد بشر بميلاد “المثقف المزعج الذي يحشر أنفه “، لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذود عن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الاجتماعي ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ما تراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية. وهذا مأزق آخر أو “مأزق نسقي” بتعبير الغذامي، يحدّ من إمكانية العمل بمنظور السوسيولوجي المرحوم عمار بلحسن القاضي “بتثقيف السياسة” بدلا من “تسييس الثقافة” وتدجين المثقف والتعامل معه بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور.

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

ولا ينبغي هنا أن يغيب عن أذهاننا مطلقا اعتبار خصوصية التجربة التاريخية لبعض بلداننا العربية مثالا للتفهم ولإعادة بناء الثقة المفقودة أو “الاعتماد المتبادل”، بمفهوم علي حرب أو “التفاوض”، بالمفهوم الذي تقترحه الناقدة الهندية ما بعد الكولونيالية غياتري سبيفاك بين سلطتين: سلطة فعلية وأخرى مرئية. فقد  كان مفهوما ومبررا اعتبار الشأن الثقافي شأنا سياسيا أو هو جزء من السياسة في السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الكولونيالية بالنسبة لدول عربية حديثة العهد بالاستقلال وفي حاجة ماسة لطاقات جميع أبنائها ومن الأمثلة على ذلك أن المستشرق الروسي فلاديمير ماكسيمنكو  ينقل عن ميرسكي ما يسميه “تآكل الأنتيلجانسيا من فوق”، وهو تعبير غير دقيق لا يُراعي خصوصية التحولات البنيوية للمجتمعات حديثة العهد بالاستقلال أو تلك التي هي في طور البناء المؤسساتي وإذن فهو واجب يمكن التأشير له بمفهوم ماركس “الحتمية التاريخية”. غير أن ميرسكي  نفسه يحذر مرة أخرى من “تآكل الأنتلجنسيا من تحت”، أي بعد سنوات بناء مؤسسات الدولة واستتباب الأوضاع وشيوع الفكر الديمقراطي. إن تآكل الأنتلجانسيا من تحت معناه “بقرطة الوظيفة الفكرية المرتبطة بالاستعمال المنفعي للمهن الأنتلجانسية وتحويلها إلى مناصب مريحة ” (06)، كما هو الحال بالنسبة للمثقف الأكاديمي المنعزل داخل المخبر أو الجامعة، غير مكترث بما يجري حوله من تحولات تشهدها الثقافات المعاصرة والمجتمعات السائرة نحو تجديد رؤيتها الثقافية وأنماط تجلياتها السياسية والإيديولوجية، الأمر الذي حال دون بروز “كتلة تاريخية”، بتعبير غرامشي أو على الأقل أنتلجانسيا محدودة كما لاحظ ذلك  الدكتور عبد القادر جغلول، الذي نفى وجود أنتلجانسيا بالمعنى الدقيق وكل ما هو موجود في نظره “مجموعة من الأفراد بدون أي نسيج فكري أو ثقافي يربط بينهم ” (07). هذا ما جعل عمار بلحسن في كتابه الذي نشر بعد رحيله “كشف الغمة في ثقافة الأمة”، يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا. الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو “صعلكة الأنتلجانسيا”، على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة “الهامشية والذيلية”، على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الالتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو التحقوا متأخرين جدا، فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية “عمليا  نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد التحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور  فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة” (08).

وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية، ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان “الدكتور لمين دباغين، المثقف والثورة “، رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش “منظّر حزب الشّعب”، كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر.

ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا  أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكّل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والانعتاق من نير العبودية والاستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والابن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثّوري والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية، وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد ما بعد الكولونيالي، بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميّزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي انخرطت في معركة التحرير، تحرير الأرض والإنسان  كلّ من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لمحاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها باعتباره فردا من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والاستبداد من “ليل الاستعمار”، بمفهوم فرحات عباس، بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للاستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ. تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة والقطع مع رواسب القهر التي ميّزت المجتمعات العربية الهشة أو “القابلة للاستعمار”، بتعبير مالك بن نبي للحدّ من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد امتدت إليها فعلا. وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي: “هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بنقيضه   … ؟ ” (09).

عبد الله العروي
عبد الله العروي

لقد نسينا أو كدنا ننسى أن الفلاسفة والنّقاد هم موظفو الإنسانية  على ما يرى أدموند هوسرل، الذين تقع عليهم مهمة بناء الإنسان بالمعنى الذي يمكن استنتاجه عندما يربط رولان بارت بين البناء اللغوي والثقافي بالاعتماد على الكلام الاجتماعي  لتجاوز أزمة “الكتابة في درجة الصّفر وخلق كتابة بيضاء متحررة من كل عبودية لنظام لغوي ملحوظ” (10). وبالطبع كان رولان بارت يتحدث عن ذلك البناء الثقافي والفكري  الذي ساهم في إرساء أسسه المفهومية مع غيره من النقاد الفرنسيين الذين يعرفون بجماعة (telquel)، المجلة الأدبية الفرنسية التي أخذت على عاتقها بناء خطوط المعرفة النقدية ضمن معطيات المنظومة الثقافية السائدة في ذلك الزمن بالاعتماد على جهود عدد من النقاد والمنظرين على غرار تودوروف وكريستيفا وجيرار جينيت  وغيرهم  خارج السوربون، الحصن العتيق للمأسسة الأكاديمية التي كان قد شبهها ميشيل فوكو بالعجوز البرجوازية في عصر هو العصر الذي عاش فيه بارت قبل أن يختطفه الموت إثر حادث سيارة أليم سنة 1980.

وما بين عصر بارت وعصرنا مسافة طويلة وهي مسافة حضارية بالطبع لا يمكن أن تُقاس فقط بعدد السنوات التي لم نحقق للأسف الشديد منها شيئا. فلا نحن شيّدنا بناء ثقافيا ولا نحن نجحنا على الأقل في التأسيس لبناء الإنسان كمقدمة ضرورية للبناء الثقافي المأمول. والبناء الوحيد الذي لا يحقّ لنا أن نفخر به وحده هو بناء الجدران الصّماء والهياكل الفارغة والمؤسسات الخاوية على عروشها، الخالية من فاعلية “رأس المال الرمزي” من حيث أن “العمل الذي يبذله الإنسان ليس فقط مجهودا عضليا لكنه أيضا قيمة ثقافية وتعبير عن ذهنية ” (11).

فلا يمكن – يقول الدكتور سعيد يقطين –”تطوير القيم الثقافية للمجتمع من دون إيلاء القضية الثقافية ما تستحق من المشاريع والإصلاحات الممكنة أو المحتملة” (12). ورغم أني لست متأكدا من وجود مؤسسات للتنمية البشرية في العالم العربي ولو أن وجودها من عدمها سيان فبالنظر لحالات البؤس المعرفي والثقافي السائدة بالعالم العربي فهي إن وجدت لا تقدم للمواطن العربي وللباحث العربي الأرقام الحقيقية، بعيدا عن الحسابات الظرفية والحساسيات الرسمية للنخب السياسية الحاكمة في العالم العربي عدد الكتب الصادرة في الوطن العربي بتعداد سكانه الذي يفوق تعداد سكان  أكثر من ثلاث قارات في العالم  في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والتربوية لأنها ببساطة لا تعتبر التنمية الثقافية هي أساس التنمية البشرية وأساس بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات والهياكل المفرغة من جدواها وهذا أمر بالطبع  يعقد كثيرًا من مهمة السوسيولوجيين والخبراء المتخصصين في حقول سوسيولوجيا القراءة، الذين يبحثون عن حلول جادّة لتنمية فعل القراءة في الأوساط الاجتماعية للوصول بها إلى آفاق بناء “مجتمعات القراءة” بل “مجتمعات المعرفة”، التي تحيلنا لما أصبح يسمى “المواطنة الثقافية” الناجمة عن صدمة اكتشاف الحرية ودمقرطة الحياة السياسية والثقافية كمفهوم يتجاوز كل أشكال المواطنة القانونية التي عادة ما تختزلها السّلطة في بعض الحقوق الضئيلة، خاصة تلك المتعلّقة ببعض المواعيد الانتخابية وغيرها بوصفها، أي المواطنة الثقافية، على ما يرى أحد الباحثين “ممارسة دنيوية إطارها العام نظام ثقافي نشأت عنه وتستمر باستمراره لكون أن الثقافة أسبق من السياسة والحكم هذا فصلا على أن جميع المؤسسات هي نتائج لدينامية اجتماعية “(13). وهو الأفق الذي وصلت إليه المجتمعات المتقدّمة في الغرب ذات التقاليد الثقافية العريقة المؤمنة بأهمية وجدوى فعل القراءة في حياة الفرد والمجتمع  ولا علاقة لذلك بعدد الهياكل الإدارية والمكتبية الخاوية على عروشها والمؤسسات الجامعية المنتشرة في صحراء “الثلث الخالي” ولا بعدد الطلبة المتخرجين كل سنة بشهادات لا تعكس بالطبع المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه بناء الإنسان البناء الثقافي والحضاري الذي لا يزول وبالطبع المهمة ليست سهلة ولا هينة بالنظر لعمق الفداحات القائمة في صلب المجتمع والثقافة والتربية والسياسة الناشئة عن سحر الخطاب الأحادي و”العنف الرمزي” بتعبير بيار بورديو والاستبداد السياسي والأبوي الذي هيمن طويلا على لاوعي الإنسان العربي منذ أن كان فردا في قبيلة الإنسان، الحامل لجملة من المفاهيم والقيّم المتوارثة للحياة والوجود والذود عن النظام الأبوي الرمزي المتمأسس مع أسئلة الكفاح والسلطة والتملك ولذلك تراكمات تاريخية وسوسيو ثقافية ليس من السهل اختراقها أو القفز عليها في الوقت الرّاهن مهما حاولنا التحرر منها ومن متعالياتها الضمنية منها أو المعلنة لكن من الممكن معالجة هذا القصور بمزيد من الحوار الفكري والتعلم والنهل من عيون المعرفة المعاصرة وتربية الأجيال الجديدة على قيم القراءة والمعرفة وحثهم على عدم الاكتفاء بالمقررات المدرسية وكافة الآفاق المهنية البعدية لفعل القراءة لإعطائها بعدها الوظيفي لتهذيب الذوق وبناء الإنسان لتجاوز حالات الشلل الثقافي والذهني القائمة داخل فضاءاتنا التربوية والثقافية والجامعية  لكنها أيضا ليست مستحيلة إذ خلصت النوايا.

لقد كان “نبي العالم الثالث” فرانز فانون بحسب توصيف سارتر له يرى أن التحرير “هو بناء أرواح جديدة وليس مجرد استبدال شرطي أبيض بآخر أسمر أو أصلاني” (14)، وهي العبارة العزيزة جدا على أدوارد سعيد الذي ظل يكررها ويستشهد بها في عدد من كتبه التي خصصها للنقد الثقافي ما بعد الكولونيالي خاصة منها ” الاستشراق” و”الثقافة والإمبريالية “، لكون أن فرانز فانون قد وضع يده على كبد المعنى مثلما يقال بالنظر لكل ما حدث ويحدث من تراجعات لدى أغلب البلدان العربية التي تحررت من الاستعمار القديم لكنها لم تتحرر بعد من آثاره الباقية وعجزت كل مشاريع التنمية البشرية في أبعادها الثقافية والتربوية والإنسانية عن بناء الإنسان الجديد، الذي بشرت به وبالمثل واليوتوبيا المفقودة كلّ أدبيات المقاومة والنضال العربي المحموم ضد كافة آليات السيطرة والهيمنة الغربية على مقدرات الشعوب الضعيفة. الشعوب التي لا زالت تعيش عند عتبة الفقر وبلغة فرويد أنها لم تتجاوز “المرحلة الفمية للحضارة “، وهي الحلقة المفقودة في مسار التحرر السياسي الذي لا زال ناقصا أو مبتورا ولا يستقيم دون وجهه الآخر، الوجه القائم في حل معضلة بناء الإنسان الجديد كما تمناه الشّهداء عندما قدموا أنفسهم ودمائهم فداء لأوطانهم كنتيجة طبيعية “لدولة الإستقلال السياسي”، بحسب منظور الباحث السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن التي ظهرت كما يقول “أشبه بآلة لتحديث الاقتصاد وإدماج التكنولوجيا وأشكال التنظيم الصناعية و العصرية بدون حداثة الثقافة التي غيّرت فقط المجتمع و قيمة الأخلاقية والاجتماعية لكنها فككت أنماط عيشه وبنياته الرمزية و الدينية والأنتروبولوجية بدون أن تسمح له ببنائها”(15).

 

إحالات

(01) مدخل إلى شعرية المدينة في الخطاب الشعري الحديث، قادة عقاق مجلة آمال وزارة الثقافة الجزائر، ص 95 العدد 64، سنة 1996.

(02) أشياء من النقد والترجمة أبو يعرب المرزوقي، ص 15، دار جداول للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى بيروت 2012.

(03) المدينة والمعرفة الفضاء المشترك لتدبير التفكير وفن العيش، عبد العزيز بومسهولي، مجلة أنفاس بتاريخ 18 / 12/ .2015

(04) نفس المصدر المدينة والمعرفة الفضاء المشترك لتدبير التفكير وفن العيش.

(05) النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، عبد الله محمد الغذامي، ص 194، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 2005.

(06) تسييس الأنتلجنسيا، فلا ديمير ماكسيمنكو، ترجمة عبد العزيز بوباكير، مجلة الثقافة السلسلة الجديدة، العدد 01، ص 23 الجزائر.

(07) حوار مع عبد القادر جغلول، أنتلجانسيا أم مثقفون، أجرى الحوار محمد بلحي، جريدة جزائر الأحداث، أعاد نشره عمار بلحسن ضمن كتابه “أنتلجانسيا أم مثقفون في الجزائر، ص 54، دار الحداثة بيروت .1986

(08) حول الأزمة، خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي، علي الكنز،  ص32،  دار بوشان، 1990 الجزائر.

(09) الإيديولوجيا العربية المعاصرة صياغة جديدة، عبد الله العروي، ص 204، المركز الثقافي العربي بيروت/ الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1999.

(10) الدرجة الصفر للكتابة، رولان بارت، ترجمة محمد برادة، ص 107، منشورا ت دار العين القاهرة 2009.

(11) الأدب والمؤسسة والسلطة، سعيد يقطين، ص07، المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/ بيروت الطبعة الأولى 2000.

(12) نفس المصدر، ص 07.

(13) أنتروبولوجيا الهوية الدين والمواطنة الثقافية، مبروك دريدي، ص118 ضمن ملف بحثي جماعي بعنوان “الدين والهوية بين ضيق الانتماء وسعة الإبداع “، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ص 13، ماي 2016.

(14) الثقافة والإمبريالية، إدوارد سعيد، ترجمة كمال أبوديب، ص 09، دار الآداب بيروت الطبعة الرابعة 2014.

(15) من تسييس الثقافة إلى تثقيف السياسة، عمار بلحسن، مجلة التبيين، ص07 و08، العدد الرابع،1991 الجزائر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن

عمار بلحسن: نموذج المثقف النقدي المستنير

  خمس وعشرون سنة تنقضي على رحيل الكاتب والباحث عمّار بلحسن، الذي قدّم أعمالا إبداعية …

عمار بلحسن

شعرية القصّ في مملكة السرد عند عمار بلحسن

عبد القادر ضيف الله الحديث عن الشعرية عند عمار بلحسن، هو حديث عن جمالية عالم …