الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

كاتب ياسين مدافعاً عن اللغة العربية

جلال الدّين سماعن

كاتب ياسين

في مارس الماضي، نشر غي دوغاس (Guy Dugas) في مجلة (Continents manuscrits)، مقالاً تحت عنوان: “عشر سنوات في حياة كاتب ياسين، من المُناجاة إلى نجمة”، حاول فيه التّأريخ لحياة الكاتب من 1946 وإلى غاية 1956.

1946، لأنها السّنة التي نشر فيها مجموعته الشّعرية الأولى “مُناجاة” وهو لم يبلغ بعد السّابعة عشر، مما لفت إليه أنظار الحاكم العام للجزائر، شاتينيو، ليستفيد من منحة إلى باريس ويلقي محاضرة في قاعة Sociétés Savantes تحت عنوان: عبد القادر واستقلال الجزائر؟؛ أما اختيار سنة 1956 فلأنه نشر خلالها روايته العالمية نجمة.

المميّز في المقال هو احتوائه على بعض الوثائق التي تُنشر لأول مرة ومعظمها رسائل تبادلها الكاتب مع بعض من أصدقائه الفرنسيين. ولكن أبرز ما سيكتشفه القارئ وخاصة ذلك المتعوّد على سماع أشياء سلبية، متحاملة ومغلوطة عن علاقة كاتب ياسين باللغة العربية وبالثقافة العربية عموما (أولئك الذين يختزلونه في عمله: محمد، خذ حقيبتك دون أن يقرؤوا المسرحية حتى) هو افتخاره الكبير بهذا الانتماء قبل أن يتم تشويه هذا الجانب فيه.

يكتشف قارئ مقال غي دوغاس رسالة كان قد خطّها كاتب ياسين إلى صديقه غابريال أوديزيو (إطار سام وواحد من الناشطين البارزين في الساحة الثقافية الجزائرية – الفرنسية في تلك الفترة) في جانفي من سنة 1948، وفيها يحدّثه عن نفسه، يقول فيها بأنه ولد يوم 26 أوت 1929 (ولا أدري لماذا يكتب في مواقع النت بأنه ولد يوم 6 أوت؟) من والدين “عربييّن”، من سوق أهراس، يحدّثه عن جده من أمه، سي أحمد الغزالي كاتب، والذي كان يُعتبر واحدا من كبار شعراء اللغة العربية في شمال إفريقيا. أما جده من أبيه، كاتب صالح، فقد كان لغويا معرّبا فذا، ونفس الحال مع أفراد آخرين من عائلة والده الذين امتلكوا ناصية اللغة العربية فدّرسوها، كتبوا بها وترجموا إليها.

الوثيقة الثّانية التي تؤكد علاقة كاتب الوطيدة بانتمائه هو ذلك الرد الذي نشره في 22 أكتوبر 1948 على صفحات جريدة (La République Algérienne) على مجموعة من المقالات كان قد نشرها أوديزيو في مجلة (Combat) متحدّثا فيها عن الهوية الجزائرية والمسألة البربرية. في هذا الردّ المقتضب والقويّ والذي شكل تهديدًا لعلاقة الصّداقة التي نشأت آنذاك بين الشخصين، يظهر كاتب ياسين فخورا بانتمائه إلى ثقافة عربية من أصل بربري (سيبتدع ياسمينة خضرة لاحقا مصطلح عربربرية – Araberbère – للحديث عن هذا الانتماء)، يُدافع عنها ويُطالب صديقه أوديزيو ومن ورائه فرنسا باحترام هذا المكوّن الأساسي للشعب الجزائري.

وفيما يلي ترجمة لردّ كاتب ياسين الذي رفضت (Combat) نشره فاضطر بعد انتظار دام ثلاثة أشهر إلى نشره في جريدة (La République Algérienne):

“باسم مثقفي الجزائر، ألتمس من الفرنسيين بأن يُطالبوا معنا بالاعتراف الرسمي باللغة والثقافة العربيّة. من جهة، يرفض السيد أوديزيو أن يقبل بوطنية ثقافتنا ومن جهة أخرى ينصحنا بأن نواصل النهل من مصدرين وبأن لا نتخلى لا عن الثقافة الفرنسية ولا عن ثقافتنا نحن. أوافقك. لكن ماذا ستكون ثقافتنا إذا لم تكن عربية وبدرجة أكبر بربرية؟

تسعة مليون جزائري يجهلون اللغة الفرنسية بعد مرور 117 سنة من الاستعمار وبالرغم من كلّ مخطّطات التعليم، ولا أستثني المخطط الأخير. لم يفقد الجزائريون تواصلهم مع الثقافة العربية – حتى سكان القبائل أنفسهم – والتي تُعتبر الثّقافة الشّعبية الوحيدة في شمال إفريقيا. استقبلوا اللغة العربية وعبقريتها مع الإسلام. جعلوا من العربية لغتهم، عبقريتهم وثقافة شمال – إفريقية محضة. الفلكلور القبائلي الذي لا يمت بالكثير لجون عمروش، امتزج بقوة مع فلكلورات جزائرية أخرى ولم يكن يوما عدوا للثقافة المشتركة. هو شاهد على تنوّع شعبنا لا على عدم ملائمة أعراقه المختلفة. لا يخفى على السيد أوديزيو بأن اللهجة القبائلية ومع مرور الزمن قد “عُربت” بشكل ملموس، في الوقت الذي صُبغت العربية بصبغة “بربرية”. وهو ما يشكل ظاهرة معبّرة عن التمازج التدريجي للهجات البربرية مع العربية. ومن المؤكد أنه ولا لهجة قد اندثرت. ما لا شكّ فيه هو أن البربر والعرب قد امتزجوا في الجزائر منذ أربعة قرون على الأقل”.

لكن السؤال المطروح هو لماذا قال غي دوغاس في بداية مقاله فيما معناه بأن كاتب ياسين سعى بعد سنوات مما كتب “لأن يتنكّر لهذه الفترة من حياته وللأفكار التي كان يُدافع عنها”؟ وهو ما يمكن تكذيبه حين نقرأ، مثلا، شهادة احميدة عياشي في سيرته “رسائل إلى أميرة” عن أن كاتب ياسين كان يعاني من عقدة عدم إتقانه للغة العربية وتمنّى لو أنه كان كذلك. كما أن مكتبته كانت تحوي “بعض الدواوين الشعرية والكتب الصوفية للأمير عبد القادر ومحي الدين بن عربي ومحمود درويش المترجم من طرف الطاهر بن جلون والنسخة الفرنسية المترجمة من رسالة الغفران […] وكان كاتب يحتفظ بنصف تمثال صغير للأمير عبد القادر، فلقد كانت هذه الشخصية ذات تأثير عميق على شخصيته، خاصة كتاباته الشعرية والصوفية واكتشفت كتاب الأمير “المواقف” مترجما إلى الفرنسية عن منشورات لو ساي في مكتبة ياسين..”.

ثم أن توجه كاتب ياسين إلى المسرح المكتوب باللهجة الجزائرية دليل آخر على وفائه لأفكاره الأولى وعلى افتخاره الدّائم بالحمولة البربرية – العربية والإسلامية لهذه اللهجة بالرغم من موقفه المعروف حيال المسألة الدينية والإيمان بصفة عامّة. فلقد كان ضدّ الإيديولوجية الدّينية وضدّ التّوظيف السّياسي للدّين وليس الدين بحدّ ذاته واحترامه الشديد لعقائد الأشخاص وإيمانهم هو الذي دفعه، مثلا، إلى كتابة مقالة في جريدة لوموند الفرنسية ينتقد فيها سلمان رشدي وروايته “آيات شيطانية”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّنمية الثقافية أو "أنسنة" مشاريع التّنمية العربية

التّنمية الثقافية أو “أنسنة” مشاريع التّنمية العربية

بالمعنى التّاريخي، هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التّغاضي عن إشعاعها الثّقافي والعلمي، على مرّ …

عمار بلحسن

عمار بلحسن: نموذج المثقف النقدي المستنير

  خمس وعشرون سنة تنقضي على رحيل الكاتب والباحث عمّار بلحسن، الذي قدّم أعمالا إبداعية …