الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

جرائد السّمن والعسل في الجزائر

سعيد خطيبي

جريدة “الحوار” الجزائرية تُعلّمنا، كلّ يوم، دروساً كنّا نجهلها، تذكّرنا بمصائب الدّنيا ومحاسن الآخرة. وتُحيلنا إلى مفهوم جديد في الصّحافة، غفلت عنه قلوبنا.

فقد اعتقدنا، وكوّمنا أوزراً، أن الجريدة، في تعريفها الأصلي، هي حبل من الأخبار ومن الآراء، يتّجه إلى المواطن، أنّها حيّة تسعى، في الحارات المظّلمة، بحثاً عن قُراء لها، لمنافسة أخواتها من الجرائد الأخرى، إلى أن جاءت “الحوار” وقلبت الآية، أزالت الغشاوة من أعيننا، وأدركنا أن الجريدة يمكن أيضاً أن تصير كومة من الورق يهمّها ابتسامة من وزير أو غمزة من مسؤول ما.

إنّها أمّ الجرائد، يعنيها محبّة أصحاب البطون المتدليّة، ورضاهم عنها، وعلى القارئ أن يبحث عن همومه وصورة له في جرائد أخرى. إن جريدة “الحوار” تُريد مُحاورة علية القوم، لكن آذاننا مسّها صمم، ولا تهمّها زفرات المطحونين، في الأسفل، وقد كسبت، لحدّ الآن، رهانها، ولا عزاء للمُدافعين – بعضهم مات وآخرون ينتظرون – عن حرية الرّأي.

في وقت تعيش فيه الصّحافة العربية أزمتها الأسوأ، مما اضطرّ بعض العناوين العريقة للالتحاق بالمتاحف، تنتعش بعض الصّحف في الجزائر، وتتطاول في عدد الصّفحات، وفي تلوينها، مستفيدة من سخاء الخزينة العمومية، ولم تجد جريدة “الحوار” من حرج في تسلّق حائط الإشهارات العمومية، لكن دون أن تغفل عن قواعد اللعبة، فقد اختارت، من اليوم الأوّل، خطاً افتتاحياً واضحاً وشفافاً، “من المسؤول وإلى المسؤول”، متّكئة على حكمة أولئك الذين باعوا واشتروا، وقت الغفلة، القائلة: “ادهن السّير يسير”.

إطلالة سريعة على الصّفحات الأولى، من هذه الجريدة، ستمحو نظريّات الإعلام السّابقة؛ صور مكبّرة لوزراء وولاة، وعدد من المقربين من السّلطان، مع تصريحات لهم، بالبنط العريض. من يهمّه أن يقرأ كلامهم هذا؟ طبعاً المواطن ليس معنياً بالأمر، فهو لا يدفع من جيبه الإشهار، وليست له مقدرة على فتح حنفية الدّعم أو غلقها، إنّها جريدة أصحاب المعالي، ولا غفر لها لمن أساء الظنّ بهم أو دعا عليهم، في السرّ أو في العلن.

ولجريدة ” الحوار” من ذكاء والدّهاء ما يعجز عليه ثعلب في مُطاردة فريسته، فهمت أن الأمر سينقلب عليها، وأنها ستفقد بريقها، مع الوقت، لهذا راحت تراوغ، وتلعب على خطوط التّماس، من دون أن تقع في تسلّل، لذلك ابتكرت الحيلة الأرقى، وهي إصدار “مجلة الحوار”.

كيف نستطيع استصدار جريدة ومجلة في آن، ونحن نسمع كلّ يوم خطابات الجوع والتّقشف، ونقص في المال والثّمرات؟ ليس المستحيل من قاموس “الحوار”، لقد وهبها خالق السّماوات من الحكمة ما لم يهبه لسليمان وجنده. هكذا نابت المجلة، جزئياً، عن الجريدة، وضربت بيد من حديد، بصور(للأسف ينقصها الإبداع، نتمنّى أن يتداركوا الأمر) أقرب إلى البوسترات، لمسؤولين، تتصدّر الافتتاحيات: المدير العام لبنك البركة، المدير العام للجوية الجزائرية، وزيرة التّضامن، وزير الاتّصال، مدير عام كوندور، إلخ. هؤلاء الصّفوة من المسؤولين ومن تواضعهم وصبرهم نزلوا إلى الدّرك الأسفل وقبلوا إجراء حوارات، وأن تنشر صورتهم، ولكن ليس في أي مكان: بل فقط في الحوار، وما أدراك ما الحوار! دون أن ننس جوقة كتّاب المقالات، الذين تقوم عليهم المجلة، وتستأنس بهم، على غرار أسامة وحيد، الذي يعجن كلامه على الأرصفة، فهو لا يقرأ كتباً، والعياذ بالله، فقراءة الكتب من فعائل الزّنادقة ومن تبعهم من علمانيين، أكرم الله سمعكم.

هكذا إذاً تعيش “الحوار” في السّمن والعسل، تقدّم خدمات لم تدخل بعد قاموس الإعلام، فقد ربطتنا، في عددها الأخير، مع واحد من الرّقاة الشّرعيين، بل إنها نشرت رقم هاتفه، لمن يشكّ في أن الجنّ يقاسمه زوجته، في الفراش. ولكي ينطبق الاسم على المسمّى، افتتحت الجريدة “خيمة” سمّتها فوروم الحوار، سمعنا فيها، قبل أشهر، رجلاً بلحية رمادية، وهو يصيح أمام الباحث المُحترم سعيد جاب الخير: إن الأرض ستزلزل، ومنذ ذلك اليوم ونحن نتهيأ للزّلزال كي لا يُباغتنا، في صحونا أو نومنا، لكنه لم يصلّ. هل تتكرّم الجريدة بنشر رقم الشّيخ أيضاً كي نسأله عن موعد الزّلزال؟

هذه الجريدة، التي لا تتأخّر عن القيام بواجبها، في تذكيرنا بالحسنات والموبقات، بنشر ما تيسّر من الذّكر الحكيم ومن أحاديث القرون الماضية، والتي كانت نزيهة في خيارها أن تكون جريدة رقاة وشيوخ يحذّروننا من زلزال، وجريدة أصحاب المعالي والسّيارات الفاخرة، هي درس، يستحق أن يتوقّف عنده كلّ شخص يؤمن – عن سذاجة – أن الصّحافة هي تلك التي وجدنا عليها أبناءنا: سعيد مقبل، الطّاهر جاووت وعمر أورتيلان.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ما فائدة السيلا؟

ما فائدة السيلا؟

نشر أمزيان فرحاني (وهو واحد من كبار الصّحافيين الجزائريين المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي) في جريدة …

خالد في فيديو "سربي.. سربي"

سَرْبي.. سَرْبي.. الكأس والرّاي وما بينهما

لو ألقينا نظرة سريعة على ريبرتوار الرّاي، سنجد أن كثيراً من المغنين المعروفين ذكروا الخمر …