الخميس، 20 سبتمبر 2018

ورقلة، الصلاة وضِباع التّطرّف

د.عمار كساب

تسارعت الأحداث، في الأيام الماضية، بخصوص ظاهرة جديدة، تتمثّل في الاحتجاج على تنظيم حفلات غنائيّة.

من ورقلة إلى سيدي بلعباس، مرورًا ببشار، كان المطلب واحدًا، وهو إلغاء هذه الحفلات لأن الأولوية – بحسب السّكان المحليين – هي التّنمية.

أثار المحتجون غضب السّلطات وكذا عدد من المثقفين، ولكن ما يلفت الانتباه هو أن السهام اتّجهت بصورة حصرية نحو سكان الجنوب الجزائري. مع العلم أن العديد من الاحتجاجات لإلغاء حفلات موسيقية كانت قد سُجلت من قبل في شمال البلاد، بعضها لأسباب غير مقبولة، ولكن دون أن تتسبب في إطلاق حملات مُناهضة لها من طرف السلطة ومن بعض المثقفين كما كان الحال في أحداث ورقلة.

في الفاتح من نوفمبر 2017، وفي أعقاب حملة احتجاجات عبر مواقع التّواصل الاجتماعي ضدّ “المثلية الجنسية” لمغني الراي هواري منار، منع والي قسنطينة مشاركة المغني ذاته في حفل موسيقي، وذلك بدعم من وزير الثقافة. في شهر ماي الفارط، في بجاية هذه المرّة، ألغى متظاهرون حفلا موسيقيّا كانت ستنشطه مجموعة من المغنيين في دار الثقافة، وذلك بحجّة “سوء أخلاقهم وارتكابهم للفاحشة”.

ولكن سكان الجنوب الجزائري هم من اختارت السلطة المركزية وبعض المثقفين التهجّم عليهم. ففي ورقلة، عندما حضر وقت الصلاة، أقام بعض المتظاهرين الصّلاة أمام الخشبة التي كان سيقف عليها مغني الراي “قادر الجابوني”، فأُلغي الحفل. الكاتب كامل داود، في مقاله “قادر الجابوني هو المشكلة، الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي الحلّ”، نعت محتجّي ورقلة بـ “الآلهة الصّغيرة التي ترعبنا”، لقد استطاعوا حسبه إلغاء الحفل باستعمال “شعارات عباسي مدني” وبذلك قاموا بـ “الجهاد جلوسًا، للذّهاب إلى الجنة، لإظهار شجاعة المتستر، والعودة إلى الجبال”. من جانبها، الصّحافية حدة حزام، مديرة جريدة “الفجر”، وفي مقالها “بين ورقلة تيفردود”، نعتت جميع سكّان الجنوب الجزائري بـكونهم غارقين “في التعصب وفي الفكر الأصولي المعادي لكل ما يمت للفن والثقافة بصلة”. وبنفس الشراسة جاءت ردة فعل النظام على لسان رئيس الحكومة أحمد أويحي.

بدلاً من البحث عن الأسباب الجذرية لظاهرة الاحتجاج على الحفلات الغنائية للمطالبة بالتنمية في جنوب البلاد، انطلق مثقفون في ممارسة الإدانة الموجّهة، بإطلاق النّار على مواطني منطقة فقيرة ومهمّشة رغم أنها تحوي أكبر آبار البترول والغاز. ولم تشفع لهم وضعيتهم البائسة للحصول على تعاطف من يقتاتون على فضلات التطرّف، فنعتوا جميع سكان الجنوب بالإرهابيين. لكن طبعًا، من السّهل مهاجمة من يتواجدون في أسفل سُلم الهيمنة.

احتجاجات سكان ورقلة، ولو كرهت “ضِباع التطرف”، سمحت للسكّان بالحصول على تخفيض ﺑ 65٪ في فواتير الكهرباء، كما أعلنت وزارة الطاقة.

إنّ احتجاجات سكان ورقلة شرعية، ولقد سمحت بلفت انتباه الرأي العام حول ظروفهم المعيشية المزرية، ومع ذلك يمكن إدانتها بما أنها طالبت بإلغاء حفلات غناء، خاصة أن اختيار الصّلاة أمام المسرح ليس له أي تبرير. ولكن لكي نكون صادقين في موقفنا ضدّ الأصولية والتعصّب، لا يجب أن يكون هناك انتقائية في الشّجب، بين بجاية، قسنطينة أو ورقلة. وإلا فإن ذلك سيعدّ مسألة استهداف لمجموعة معينة من السكان، في محاولة لمنعها من المطالبة بحقوقها الأساسية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عن الدّخول الأدبي مرّة أخرى

عن الدّخول الأدبي مرّة أخرى

تم الإعلان عن الدّخول الأدبي في فرنسا، كالعادة مع النّصف الثّاني من شهر أوت، على …

جرائد السّمن والعسل في الجزائر

جريدة “الحوار” الجزائرية تُعلّمنا، كلّ يوم، دروساً كنّا نجهلها، تذكّرنا بمصائب الدّنيا ومحاسن الآخرة. وتُحيلنا …