الأربعاء، 15 أغسطس 2018

الشاطئ للجميع: سباحةٌ جمهورية

صلاح باديس
صلاح باديس

“رايحين مع الڨروب؟”، سألتنا امرأة أربعينية ونحن نقطع موقف السّيارات المكتظ. تبادلت النّظرات مع صديقتي، ولم نفهم. لكننا تبعناها.

كنت أبحث عن مجموعة أصدقاء أتوا للسّباحة في هذا الشاطئ الذي أرتاده منذ الطّفولة، ولكنهم حدّثوني عن مجموعة تشكّلت على الفايسبوك، تتفّق كلّ عطلة أسبوع على الالتقاء في نقطة معيّنة لتنعَم بشيءٍ يُمكن وصفه بـ”السباحة الجمهورية”.

وكما كان الحال، وصلنا إلى المكان الصّحيح، جلسنا جنب المجموعة فيما جلست المرأة على بُعد شمسيةٍ منّا. نزعت النظارات الشّمسية، ونظرت من حولي، كانت الشمسيات ملتصقة ببعضها بشكل لا يدع سوى ممرّات رملية ضيّقة، وتحت كّل شمسية كانت هنالك مجموعة فتيات وأولاد –تتراوح أعمارهم بين نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات – يجلسون بمايوهاتهم، مستريحين تحت الشمس أو الظّل، ويبدو أنّهم قصدوا الالتفاف حول نواةٍ لا مرئية في تلك الزّاوية من الشّاطئ.

لن أسمي الشاطئ هنا، ولا اسم الڨروب الفايسبوكي، لكني سأقول أنني أسبح فيه منذ طفولتي، بحكم أنني أسكن في الضاحية العاصمية القريبة منه.

زُرت الشاطئ مع عائلتي، ومع أصدقائي الذكور في سنوات الليسي، عندما كنا نذهب في الحافلة، ثم لاحقاً مع صديقات وصاحبات وأصدقاء، جزائريين وأجانب.

دائماً ما كانت هنالك فسحة في المكان للثّنائيات، ومجموعات الأصدقاء المختلطة. وبقي الشاطئ كآخر الأمكنة العمومية –في العاصمة – التي يمكن للسابحين أن يلبسوا فيها مايوهاتهم سواء كانت بيكيني أو بوركيني، هذا بالإضافة إلى جمال المياه والرّمال.

لكني لم أكن أعرف بحكاية الڨروب الفايسبوكي هذا، أخبروني في آخر لحظة، واكتشفت تفاصيل الأمر عند جلوسي واستقراري مع صديقتي تحت شمسية حمراء قديمة تحمل علامة شركة لم تعُد توجد سوى في الذاكرة الجمعية للجزائريين وأرشيف العدالة: “الخليفة للطّيران”.

أول شيء شدّ انتباهي، بعد سؤال السيدة التي تبعناها، هو حركة الأحاديث والسلامات كيف تتحرّك بين الشمسيات؛ كل تلك العلاقات الافتراضية التي نشأت في الڨروب الفايسبوكي انتقلت إلى أرض الواقع، وتماماً مثلما يحدث في الرحلات والنّزهات التي تُنظّم في الغابات أو القصبة، يبدأ الأفراد بالتّعارف وإعادة النّكات التي قيلت في الڨروب والسؤال عمّن غابوا. ثم هنالك تواطؤ مُحبَّب جعلني أضحك، عندما دعاني رجل كان مع زوجته وابنه الرّضيع إلى أخذ مكانه لأنه سيذهب، قائلاً أن المكان هنا جيّد ووسط المجموعة، بدل أن أبتعد عنها.

ومثلما يسبح الڨروب الفايسبوكي في فضاء افتراضي، شكّلت تلك الشمسيات وأصحابها أرخبيلاً بحدودٍ افتراضية تفصلهم عمّا حولهم. وعندما أستعمل عبارة “عمّا حولهم” هنا لا أقصد أن السابحين من حول المجموعة – والتي وجدت نفسي وسطها – كانوا ذئاباً تختفي وراء هويّات زائفة مثلما قد يكون الحال في الفايسبوك. لكن رغم ذلك، فقد كانوا خارج المجموعة، لا يعرفون شيئاً عن هذا التجمّع الغريب لحوالي عشرين شمسية من الشّباب والبنات، والمايوهات الملوّنة.

ثم امتدّ التواطؤ المُحبّب إلى عبارات مثل “ما تخافوش، كي تعوموا رانا هنا نعسّوا حوايجكم”، فسِرتُ مع صديقتي حتى نهاية “الإقليم الجمهوري” ودخلنا في الماء، نسبحُ مطمئنين على حوايجنا. وتذكّرت أنّ حركة الشاب الجزائري الأولى في شاطئ عامّ، عندما يكون مُرافقاً بفتاة تلبس بيكيني، هي البحث عن شمسياتٍ بيكينية يستطيع أن ينصب شمسيته أمامها، حتى يتفادى إحراج الشمسيات “العائلية” (في هذا البلد المخصّص للعائلات)، بل وخاصة الشمسيات الذكورية التي قد تزعجه وتُفسِد سباحته ويومه.

من هنا جاءت فكرة الڨروب الفايسبوكي ربما، خاصة بعد الصيف الماضي حيث حدثت ضجّة إعلامية كبيرة حول لبس البيكيني من عدمه، وانتشرت أخبارٌ عن سباحةٍ بيكينية حدثت في مدينة عنابة احتجاجاً على رأي الرافضين للبيكيني. حيث يُعرّف الڨروب نفسه على الفايسبوك بأنّه يضمّ الجميع، بيكيني وبوركيني، نساء ورجال، وكل من يرغب في سباحة هادئة ومن دون مشاكل… لكن ما شدّ انتباهي أيضاً هو استعمال عبارة “شاطئ عمومي”، والذي يُعتبر تفصيلاً مهماً حيث أن الفقرة الصّغيرة تُوضّح أن المصطافين “تعبوا” من دفع أقساط ومبالغ كبيرة حتى يسبحوا في “شواطئ خاصة” هُيِّأت بطريقة بدائية لم تمنع من جعل أسعار دخولها والاستهلاك فيها غالية جداً.

هنا خطر في بالي وصف “جمهوري/ Républicain”، سباحةٌ جمهورية… تضمُّ الجميع… في شاطئ عام. صحيحٌ أنّه لم يكن هنالك بوركينيات في مجموعتنا الصّغيرة، وهذا راجع أيضاً لكون هذا الأخير مثل أنواع أخرى من المايوهات ليس صعباً عليه أن يندمج في الشواطئ العامة بالعاصمة، لكن كانت هنالك عائلاتٌ صغيرة سواء آباء وأبنائهم أو خالات وعمّات تُرافقن بناتٍ وشابات، كل هؤلاء كانوا يشعرون بأنّهم داخل “مجموعتهم”.

الشاطئ للجميع: سباحةٌ جمهورية
الشاطئ للجميع: سباحةٌ جمهورية

لا يُمكنني أن أنكر تعرّضي لمُضايقات مع صديقة أو صاحبة في الشواطئ العمومية من قبل، تماماً مثلما هو الحال مع شاب يُرافق بنتاً جميلة في الطريق، لأنّه – ورغم أن الفتاة هي من تتحمّل ثِقل وسفالة التحرّش كاملاً – لا يجب أن ننسى أن الشّاب المُرافِق يقعُ في الإحراج وتوضع ذكورته محلّ مُساءلة من طرف “الذّكور الآخرين” أو المتحرّشين، ويحتار بين التّجاهل المُذِل بمنطق الشارع والتدخّل الذي قد يكون مجازفة غير مضمونة؛ لذلك كان من الجيّد أن يجلس الواحِد في مكان عامّ (وأركّز على كلمة عامّ هنا) ويعلم أنّه لن يتعرّض للمضايقة.

لكن المُمتع في الأمر أيضاً، هو مراقبة سلوكات من رسموا معالم البوتقة الافتراضية وسط الفضاء العام، وبما أن الصحافة الجزائرية الفرنكوفونية (كتابةً وكاريكاتيراً) قضت سنواتٍ وهي ترسمُ بورتريهات للمُتشدّدين والإسلاميين، حتى صارت تخلط بينهم وبين كلّ شخص يُريد ألا يُمّس الفضاء العام بشيء غريب عن “عادات وتقاليد المجتمع”، لا بأس أن أُكمِلَ وصف بعض ما شاهدت، خاصة أن الكتابة هنا هي لمُحاولة الفهم أكثر منها للحكم على الآخرين.

أغلب السابحين كانوا، مثلما قلت، في سنّ العمل، أي أنّهم وبحسبةٍ صغيرة عاشوا نهايات الحرب الأهلية (أو العُشرية السوداء)، أو حتى بداياتها بالنسبة للبعض. أي أنّهم شهدوا المرحلة التي صودِرَ فيها الفضاء العام، من الإسلاميين ثم من الدولة ثم من رُعب التفجيرات التي طالت المُدن، ثم المرحلة الأقسى ألا وهي ما بعد الحرب الأهلية، والتي استمر فيها خنقُ الفضاء العام من طرف الدولة من جهة ومن طرف العين الحارسة والفم الشّاتم لمزيج من العادات الدينية والذكورية، لفئة كبيرة من الناس تسميها الصفحات “النسوية” و”العلمانية” الجزائرية على الفايسبوك الأنّوش المدعوش.

المفيد، أي أنّ كل السابحين عانوا بشكل أو بآخر من انغلاق الفضاء العام، بدءاً من الحيّ والشّارع وحتى الشاطئ، وليس هنالك ما هو أبلغ من الشاطئ – حيث تنكشف الأجساد – كي تُخاض حسابات من يُسيطر على الفضاء العام.

لكن المثير في الأمر، هو اللّغة التي يستعملها أعضاء الڨروب وعموم الداعمين لمبادرات “جمهورية” أو “علمانية”، سواء في الفضاء الافتراضي أو في المناقشات الحيّة، هي لغة تتّكئ على إرث شبه “المجتمع المدني” الذي كان موجوداً قبل الحرب الأهلية، تلك المجموعة الصّغيرة التي ضمّت مثقفين وسياسيين وصحفيين وناشطين (قبل أن يعرف العالم كلمة ناشطين، وكانت تُستعمل كلمة مناضلين) مدنيين. كل هؤلاء الذين قتلتهم الحرب، أو دفعتهم للهجرة، أو رفع السلاح كباتريوت، أو دفعت بهم لمناصب سياسية في أعقاب الحرب مثل خليدة مسعودي، وزيرة الثّقافة السّابقة، وسعيد سعدي الذي ظلّ لسنوات يشغل منصب معارضة رخوة قبل أن يستقيل من على رأس حزبه الأرسيدي.

تلك الفترة التي خرج فيها هؤلاء وآخرون، من حركات سياسية يسارية، بعضها معتدل وبعضها متطرّف، مُطالبين بأن تحيا الجمهورية وتبقى وتدوم ضدّ قوى الظّلام، لم يبقَ منها سوى بعض المبادئ والشعارات والصحفيين ورسّامي الكاريكاتير (الذين جلبتهم تلك الفترة أيضًا في زخمها وفوضاها) والذين لا زالوا يُحيون شيئاً من تلك المبادئ الجمهورية، والتي صارت بعد قرابة الثّلاثين عاماً كلمات خاوية وبائسة في أغلبها، ولم تنجح في تجديد نفسها وطرح نقاشات قوية وبأدواتٍ حديثة بخصوص الدّين والجسد والمجتمع.

لا أنكر استمتاعي بيومي، وبالصّحبة الطيّبة للمجموعة، وبالبحر خاصةً، إلاّ أنّ كل ملاحظاتي الساخرة كانت نتيجة شعوري بوجود هذا الخطاب “الجمهوري” وراء كل الحركات والأحاديث، مُتخفّياً بطريقة أو بأخرى تماماً مثل تلك الصديقة التي تفاجأت بها (أعلم أنّ أغلب القرّاء سيتّهمونني باختراع المشهد) تقرأ وهي مُمدّدةٌ تحت الشمس كتاب “جزائرية واقفة” والذي صدر بالفرنسية سنة 1995 عندما كانت خليدة وجهاً لـ “النسوية والديمقراطية” قبل أن تصير لاحقاً وزيرة للثقافة في أكثر من حكومة لبوتفليقة؛ مازحتُ الفتاة بشأن قراءتها، وحاولت أن أربط بينها وبين المكان الذي نجلس فيه ثم تركتها لكتابها مُفكّراً بأنّ هذه الجزائرية “المُمدّدة” تحت الشمس، هي وأصدقائها، أذكى بكثير من أولئك الواقفون القدامى.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيار مونسات: ستقيم باريس تمثالا لأودان في مقبرة العظماء

                              …

جوزيت أرملة موريس اودان: بالنسبة لي الجزائر تبقى دائماً بلدي

جوزيت أرملة موريس اودان، لا تزال وهي الآن في 87 من العمر، تناضل من أجل …