الأربعاء، 15 أغسطس 2018

قراءة في رواية ” شيفا.. مخطوطة القرن الصّغير”

ليندة بن عبّاس

عبد الرزاق طواهرية
عبد الرزاق طواهرية

“شيفا” هي رواية يمتزج فيها الواقعي بالخيالي، الأسطوري بالعجائبي إذ غلب عليها الطّابع الغرائبي أكثر، من خلال تصويرها لقضايا مختلفة تكسر أفق التّوقع لدى المتلقي وذلك بجعله يصدّق أن كل ما يقرأه حقيقة.

وهذا راجع إلى استناد الروائي على نظريات علمية وفيزيائية دقيقة وحتى بيولوجية؛ كقضية الاستنساخ، والمسوخ وكذا التّلاعب بالجينات، التخاطر والطّاقات الداخلية البشرية، والحضارات الكونيّة، كما تحدثت الرواية أيضًا عما يعرف بالحكمة الأصيلة والعلوم الغنوصيّة الممنوعة، وأسرار السّفر عبر الزمن من البوابات النجميّة وتكنولوجيا الأطباق الطّائرة بمختلف أنواعها وأحجامها، والولوج إلى باطن الأرض المجوّفة لزيارة طبقاتها التي تضمنت كائنات ذكيّة.

يعد أدب الخيال العلمي من الأنواع الأدبية الجديدة والقليلة، سواء من حيث الكتابة أو الدراسة النقدية على المستوى العربي، كونه يرتكز على جانبين هامين هما العلم والخيال، واللذان من الصعب الجمع بينهما وإن حدث وحصل ذلك فإنه يكون طفرة، ذلك أنه يتطلب خيالا واسعًا وقدرات معرفية واسعة، وهي أمور برزت في شخصية الروائي الشاب عبد الرزاق طواهرية.

قراءة في الغلاف الأمامي

تميز غلاف الرواية الأمامي بتصميم خاصّ، يبعث على الفضول والتساؤل، لأنه صمم بطريقة غريبة لا تقل غرابة عن العنوان والمضمون، تجلت فيه مهارة الروائي وقدرته على التصميم والإبداع لأنه من تصميمه الخاص.

أول ما يلفت الانتباه في هذه الواجهة من الغلاف هي الألوان والصّور التي اختيرت بعناية والتي حاول الروائي من خلالها تقديم بعض المفاتيح التي تسمح بالولوج إلى عالمه الرّوائي وكذا إثارة شهية القارئ للاطلاع على مضمونها.

حملت الواجهة الأمامية صورة امرأة تتوسط فضاءها، امرأة غريبة المظهر، مختلفة عن النساء العاديات، شعرها مجعّد عند نهايته تجلى رمز الشيطان باللون الأحمر كما طبع جبينها بحلقة دائرية مشعة تشبه العين وكأنها مفتاح للولوج إلى دماغها، عيناها رسمتا بطريقة مرعبة فقد كانتا مضيئتين وبارزتين.

وبالعودة إلى مضمون الرواية نجد أن هذه المرأة لم تكن تمثّل إلا صورة أنثوية لآلهة القسوة والتدمير الهندوسية شيف، التي كانت تتلقى قرابين بشرية، وقد غلب على الصّورة والغلاف ككلّ اللون الأزرق القاتم والمعروف أن اللون الأزرق عادة ما يوحي بالصفاء والاسترخاء إذ كثيرا ما يرتبط بالبحر لكن الروائي أعطاه دلالة مختلفة ترتبط أكثر بالمضمون حيث عبر به عن تلك الفترة التي تحدث بين الليل والنهار، وهي فترة تكون فيها السّماء ظلماء وزرقاء توحي بأن منظمة (سيرن) أو قرن الشيطان تعمل في الخفاء.

تضمن الغلاف كذلك عنوان الرواية “شيفا” وقد كان مكتوبا بخط عريض بارز لجذب القارئ أكثر، وبلون أبيض تتخلل ثناياه خطوط زرقاء ما يبرز أن منظمة(سيرن) هي من قامت بكتابة مخطوطة شيفا التي رمز لها باللون الأبيض(الصّفحة) والأزرق(القلم). وقد جاء أسفل صورة المرأة ليفك لنا شفرتها ذلك أن هذا العنوان “شيفا” يرتبط بدرجة كبيرة بآلهة الدمار الهندوسية، تلى هذا العنوان الرئيسي عنوان آخر فرعي كان مكتوبا بلون وحجم مغاير تماما للعنوان الرئيسي معنون ﺑ”مخطوطة القرن الصّغير”. وقد كتب بلون أصفر ذهبي ليبيّن من خلاله أن هذا هو الجزء الأهم في الرواية ككل والذي ستدور الأحداث في فلكه.

الغلاف الخلفي للرواية

فضل الروائي إعطاء هذه الواجهة اللون الأسود المصاحب للون الأبيض، إذ أن كلّ ما كتب داخل على الغلاف جاء بالأبيض ليبين أنها هي العناصر الأساسية التي سترتكز عليها الرواية، بدء بتلك الكتابة الغريبة التي اعتلت رأس الغلاف والتي لم تكن إلا ترجمة للعنوان “شيفا” ولكنها كانت بلغة سكان(أجارثا)، بعد ذلك أورد الروائي ترجمة للفظة بالعربية تحت مصطلح “شيفا” باللون الأبيض ليكون أكثر بروزا دخل الإطار الأسود كما أبقى الروائي على العنوان الفرعي “مخطوطة القرن الصغير”.

أضاف الروائي فيه كذلك مقطعا من روايته “شيفا” حاول من خلاله تقديم ملخص عن مضمون الرواية الذي يدور في مجمله حول مخطوطة” شيفا” وعلاقتها بآلهة الدمار الهندوسية، كما أشار إلى “سيرن” بشعارها الرسميّ أسفل الغلاف الخلفي، ملفتًا انتباه القارئ لأمر هذه المنظمة، ليختم الروائي غلافه بتوقيع اسمه وكذلك إشارة إلى عمله الروائي السابق (شياطين بانكوك)، وكذا اسم دار النشر والمعلومات المتعلقة بها.     

قراءة في المضمون

جاءت أحداث هذه الرواية فيما يقارب (301) صفحة، موزعة على ستة عشر فصلا، دعمت بصور لوثائق سرية عالج من خلالها الروائي قضايا مختلفة، وتحدّث فيها عن أقوام غير التي نعرفها منها قوم النورديك وأيضًا الرماديين.

بدأ الروائي أحداث قصّته من نقطة النهاية على غير المعتاد لينتقل بعد ذلك إلى سرد الأحداث التي أدت إلى تلك النهاية، في محاولة منه لكسر الرتابة وإشراك القارئ في عملية القراءة من خلال الربط بين الأحداث.

دارت أحداث الرواية في مدينة ” تيومين” الروسية، بطلها شاب يدعى إسحاق جميلي.. شاب في العقد التاسع والعشرين من العمر، ولد بمدينة تيومين الروسية من أم روسية وأب جزائري، كان مهتما بدراسة الظواهر الطبيعية الغامضة الأمر الذي جعله يقرر دراسة الجيولوجيا بجامعة “قازان” الفيدرالية، ونتيجة لحصوله على درجات عليا قرر مواصلة البحث من خلال انضمامه إلى فرقة العلماء والباحثين الروس في رحلة بحث واستكشاف نحو القارة الجنوبية ” أنتاركتيكا” بعد توسط والده له مع السيد “دالوفيتش”، رئيس البعثة العلمية الذي منحه في الأخير الموافقة بعد إجراءه بعض الفحوصات الطبية خاصة من الناحية النفسية كونه سيتعامل مع مخلوقات ذكية وهو الأمر الذي اخفي عنه في البداية، ليتضح في الأخير أنه قد اختير كعينة وهو ورفيقته في البعثة الطبية “تانيا”، إذ منحت له مهمة إحضار نسخة من مخطوطة شيفا التي تقع داخل الأرض المجوفة الثانية وبالضبط داخل المختبر البيولوجي المظلم، وقد اصطدم هذا الأخير بسلسلة من المغامرات المثيرة والصعّبة، التقى خلالها بكائنات بشرية وغير بشرية، سمحت له بالتزوّد بمجموعة من المعلومات والمعارف التي كان يجهلها على السّطح أو بالأحرى تمّ تزييفها، وهي المعارف التي وثقتها الملفات السّرية التي رافقت فصول الرواية، كما طاف عوالم غريبة انبثقت جميعها من عدة نظريات علميّة حديثة.

الشّخصيات في رواية شيفا

نوّع الروائي من الشخصيات في روايته فبالإضافة إلى الشخصيات الإنسانية العادية والتي تمثلت في (أساك، أنيا، دالوفيتش)، وظّف الروائي كذلك شخصيات عجائبية تجلّت في شخصية المستنسخين كشخصية الآنسة “شارون”، وغيرها من الشخصيات التي ساهمت في تفعيل حركة السّرد داخل الرواية.

البنية المكانية والزمانية في الرواية

تميّز المكان في هذه الرواية بالغرائبية إذا لم تجرَ أحداث الرواية على السطح كما هو في المعتاد بل اختار الروائي جوف الأرض مسرحا لها.

ومن الأماكن البارزة أيضا في هذه الرواية نجد المختبر البيولوجي الذي يتم فيه إجراء تجارب على البشر والقيام ببعض العمليات الممنوعة قانونيا، نجد كذلك أرض  panotti القوطيين التي يتميز سكانها بأكل لحم البشر، وقد استعمل الروائي في تنقل شخصياته عبر هذه الفضاءات المختلفة الأطباق الطائرة.

أما عن الزمان فقد جاء مفارقا للزمن العادي إذا سافر الروائي بشخصياته إلى زمان بعيد عن زماننا بمئات السنين وذلك في نظرة استشراف منه  للمستقبل، الذي يحتمل أن تكون عليه البشرية بعد سنوات وهو ما نصت عليه مخطوطة القرن الصغير.

لغة الرواية حملت الطابع العلمي أكثر من الأدبي كونه ارتكز على نظريات وأسس علمية حاول من خلالها أن يقدّم بعض الحقائق التي نعيشها بأسلوب علمي مشوّق وصعب في نفس الوقت، كما أنه غلب على الرواية الحوار المباشر بين الشخصيات وذلك لإضاءة فكرة الرواية أكثر.

عموما لقد تميزت رواية “شيفا” مخطوطة القرن الصغير” بالعديد من المميّزات التي برزت فيها براعة الروائي وقدرته على تصوير بعض الحقائق العلمية بأسلوب علمي يتخلّله الخيال الأدبي الذي يبعث على الجمالية ومتعة القراءة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أين تذهب النّسوة إذا كانت "بلاصتهم ماشي في الكوزينة"؟

أين تذهب النّسوة إذا كانت “بلاصتهم ماشي في الكوزينة”؟

يتساءل أحدهم: أين يذهب الظّلام حين نُشعل النّور؟ يُردّد الغرابيب البيض.. في صمت: أين تذهب …

لماذا لا يوجد أدب البحــر عندنا ؟

في الأدب الجزائري قديما وحديثا، لا يوجد أدب يُعنى بالبحر؛ لا توجد رواية جزائرية واحدة، …