الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

“مصحّة فرانز فانون”.. أو الجنون الذي تخلّفه السّياسة في الشّعب

وسيلة سناني

تشرّح رواية “مصحّة فرانز فانون”، لعبد العزيز غرمول، وضعا مزريا للمرحلة الحالية للجزائر، التي لم يجد لها الرّوائي معادلا موضوعيا سوى توصيف الجنون، الذي وضعه في تأرجح على كفي ميزان.

وأنت تقرأ هذه الرواية، يصبح الجنون عقلا والعقل جنونا، أين يمكن تسريح كلّ مجانين هذه المصحّة وإخراجهم إلى المجتمع، كما يمكن لكلّ النّاس خارج هذه المصحة الدّخول إليها، فلا فرق بين من هو بداخلها ومن هو بخارجها.

تقوم عقدة هذه الرواية من خلال بطلها، الطبيب النفساني، حول جدوى بقاء المرضى داخل المصحّات العقلية مادام كلّ الناس على المرض نفسه، بسبب ما قامت به السياسة في إعاقة عقولهم وجعلتهم في مصحّة واحدة داخل وطنهم، واختلقت لهم أمراضا اجتماعية داخل حلقة مغلقة يصعب الخروج منها.

تستنجد هذه الرواية بتحليلات فرانز فانون النّفسية حول الشّعب المستعمَر، الذي كان قد استخلصها من الشعب الجزائري إبان الاستعمار، لكن الكاتب من خلال بطل الرواية الطبيب النفساني “نذير جزايري” أو (توبيب) يطبقها على شعب اليوم المستعمَر باستعمار من نوعية أخرى، فمظاهر المرض لاتزال تظهر على الشعب، تغيّرت نوعية المستعمَر وبقي القمع نفسه والاضطهاد نفسه.

من شعب مستعمَر إلى شعب قابل للاستعمار، إنها رواية تدور في فلك علاقة السّلطة بالشعب وإعادة تدوير لمظاهر الجنون التي أصابت المجتمع مؤخرًا، فهذه المظاهر التي تقدم لها تفسيرات غيبية، تحت تشجيع خفيّ من السلطة بين المسّ والسّحر، وصارت ديار الرقية والشعوذة هي أقرب ملجأ لعلاجها، ماهي إلا حلول سياسية بهدف السّيطرة على عقل الشّعب وإحكام السيطرة عليه، ثمّ التفرغ للفساد والنّهب دون رقيب أو محتج. إنها مخدرات من نوع آخر:

“المجتمع كله في السنوات الأخيرة عاد حثيثا إلى الخرافات والسحر والشعوذة.. هل هروبا من واقع قاس؟ ربما، وربما هناك تشجيعا من السلطة على هذه الغيبيات لأنها جزء من ضمان بقاء الحال على ما هو عليه.. الشعوب إما تتطلع للواقع وتعمل على تحسينه أو يتركها الواقع لخرافاتها وانحرافاتها وتحلل شخصيتها”(ص49).

مظاهر الجنون التي تركتها السياسة في الشعب لا تريد تفسيرا علميا لها، هذا التفسير العلمي القريب من تفسيرات فرانز فانون من شأنه فضحها وكشف قمع الأنظمة وحيلها، لذلك يقع بطل الرواية الطبيب النفساني توبيب في صراع كبير مع عدة أجهزة تكشف نيته الطيّبة في معالجة الظاهرة وتتبعها من جذورها. فيرحّل نحو الصحراء عقابا له على هذه النوايا بعد أن كان قد عاد من الخارج برغبة كبيرة في العمل وعلاج هذا المجتمع المريض.

إن التفسير العلمي لأمراض الشعب يفضي إلى إخراج المجانين من المصحة وإدماجهم في المجتمع ثم نزع مسببات مرضهم لتنفك العقدة، لكن هذا ما حُذر منه الطبيب الذي استدعاه وزير الصّحة على أن يتراجع عن فكرة تسريح المجانين من المستشفيات.

“هل فعلا تطالب بفتح مستشفيات المجانين على المجتمع.. قلت إن الجنون غير معدي. هل أنت متأكد؟ غدا ستطالب بفتح السجون، الجريمة أيضا غير معدية..” (224).

غلاف الرّواية

فاض خطر الجنون الذي جعل من وزير الصحة والكولونيل يستدعيان من أجله الطبيب “توبيب” على عجل، فالجنون لم يعد في الحدود التي رسمتها السياسة ولم يعد في صالح مخططها في تنويم الشعب، لقد فاض عدد المجانين ولم يعد للشارع قدرة على استيعابهم وصار شغبهم مفسد. لهذا السبب فقط استدعي توبيب ليجد لهم حلا، لكن الوزير لا يريد حلا من النوع الذي يبحث فيه توبيب على شاكلة تفسيرات فرانز فانون.

فعلى مدار أعوام من سياسة تنويم العقول بتشجيع طرق الشعوذة والرقية لعلاج الأمراض النفسية والعصبية التي تركتها السياسة في أبنائها، بسبب الإهمال والفراغ كان الجو مناسبا لاستغفال الشعب وتجهيله من أجل تحقيق السيطرة عليه وتوجيهه نحو الخراب لينسى حقوقه ومستحقاته ويلهث وراء أوهام لا علاقة للعقل بها.

بين فرانز فانون وتوبيب عقد من الزمن، بمستعمرين مختلفين، تركا جنونا في الشعب، لكن هناك فرق كبير بينهما، إذ نجح فرانز فانون في كشوفاته النفسية وفي طرح علاجات وقفت مع الشعب وساندته وبّينت حاجته إلى الثورة والتغيير، وبين توبيب الذي أخفق في ذلك، هي مرحلة التعرية والتورية والمحاولة التي لم تصل بعد إلى مخاض، مرحلة يفشل فيها المثقف وتسلب إرادته وتنتكس راياته.

هذه العبارة من الراوي التي تأتي في الفقرات الأخيرة من صفحات الرواية تلخص وضع الطبيب “توبيب” وتحدد المواقع مسبقا حول مشروعه في محاولة علاج المجتمع من أمراضه:

“كان قد وصل إلى ما وصل إليه فانون.. وداعا زمن المقاهي، وداعا زمن المناقشات العقيمة عن الانتخابات القادمة، لقد فهم أن التغيير لن يكون إصلاحا، لن يكون تحسينا وفهم وهو يشعر بدوار لا يبرحه أن التحرك السياسي في مثل هذه الأماكن سيظل عاجزا عن تغيير النظام.. عن قلب النظام.. وأن الريف القلب الطيب للبلد والذي كان خزانا للثورات احتلته الجماعات الإرهابية.. ولم يبق أمامه سوى طريق واحد..”(ص224).

تلخص الرواية زمنا عقيما لمرحلة الجزائر، زمن سدّت فيه كل منافذ الخروج والتغيير، كلّها محكمة الإغلاق بطريقة أو بأخرى، فمع من يتكلم الطّبيب؟ الكل يسير نحو الجحيم بلا دراية أو بدراية. لقد أفلح فرانز فانون مع شعب يعاني من الظلم وجاءت كل أمراضه النفسية بسبب رفضه للاستعمار بينما يفشل الطبيب “توبيب” مع شعب مخدَّر تحت استعمار آخر محكم الحيّل.

هذا ما يدفعنا نحو التساؤل، هل يضعنا الكاتب هنا أمام اليأس ويدفعنا نحو الاستسلام؟ أم هو دقّ لناقوس خطر آخر؟ إنه المرض والتأزّم الذي ينقلنا من عامة الناس إلى المثقف وهو في حالة استسلام وفشل أمام الوضع، إنها الدرجة الثانية من تفاقم الوضع. فإلى أين المسير؟

رواية “مصحّة فرانز فانون” لعبد العزيز غرمول، الصّادرة عن منشورات القرن 21 (2016)، من الروايات القليلة التي تعمّقت على المستوى الموضوعاتي في تشريح المرض الذي ينخر جسد البلد وشعبه في المرحلة الحالية التي تعيشها الجزائر. فمرضى مصحّة فرانز فانون الحالية لا يشبهون المرضى الذين عالجهم فرانز فانون زمن الثورة. إنه زمن ليس به  ثورة على أوضاعه، وكل أحلامه مؤجلة إلى حين.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …