الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

يوم التقيت الكاتب

عمّار لشموت

كان من المقرّر أن تبدأ النّدوة على العاشرة صباحًا، في مكتبة الاجتهاد، بشارع حماني أرزقي (شاراس سابقًا).

الشّارع يقع على هوامش المدينة، لكنه يشهد حركية دائمة، يتوسّط بولفار عميروش وساحة أودان، على مقربة من الجامعة المركزية. يفصل بين المكتبة والجامعة أزقة جانبية تقع على الطّريق الرئيسي ديدوش مراد. على بعد أمتار من المكتبة، يقع المقر الوطني لحزب سياسي، يصنع الحدث؛ جبهة سفينة الإنقاذ، كانت الحركة فيها صاخبة. أكوام من الزبالة منتشرة على طول الطريق، روائح البول تفوح عند زوايا الشارع.

إقبال كثيف على الشارع في صبيحة يوم الأحد. على مقربة من الشارع، ساحة موريتانيا. عمارة ضخمة تضمّ وزارة المالية. على طول الطريق مكاتب المحاماة ومكاتب التوثيق، محلات الأكل السّريع بدأت تنتشر كفطريات، تملأ الفضاء بروائح الدجاج المشوي والتوابل المقرفة ومقهى يجتمع فيه أفراد من فئة الصمّ والبكمّ.

مدخل الشارع يطلّ على مخرج محطة القطارات آغا، يؤدي إلى ساحة البريد المركزي، في أعلى الشارع، في المنعطف، يوجد البار الجامعي.  التقيت، في تلك الحانة، لأوّل مرّة، بالكاتب الروائي موح حلزوني، وهو يجلس وحيدًا في زاوية، على طاولته خمس قنينات بيرة أبو نواس وقارورة فودكا، يومها لم يكن لدى موح حلزوني الرغبة في الحديث رغما أنه في العادة رجل ثرثار، هكذا قال لي صاحب البار.

المكتبة كانت شبه مظلمة، ماعدا الأضواء الخارجية التي تلقي نورها على مداخل القاعة. للمكتبة واجهة زجاجية متوسطة الحجم، عليها شيء من الغبار، بعض الكتب القديمة معروضة، لم يكن للمكتبة نوافذ على الجوانب، الإنارة في الدّاخل كانت ضعيفة، تصادفك بداخلها روائح الرطوبة و الكتب العتيقة.

طاولة صغيرة تشبه الطاولات المدرسية تتوسط آخر القاعة، لم يكن عليها ميكروفون، وُضعت عليها رزمة أوراق مبعثرة، ومحفظة مهترئة، متعبة من الحمل، حمل الكتب والمجلات والأوراق، كانت الطاولة مغطّاة بقماش أحمر، قارورة ماء معدني كبيرة الحجم وكأس واحد نصفه ممتلئ، بعض الكراسي البلاستيكية متسخة، بيضاء اللون تقابل الطاولة المدرسية، الكرسي الذي خلف الطاولة المدرسية من النوع العتيق، خشبي، بنيّ للون.

على رفوف المكتبة كتب ومجلات متنوعة الأحجام والتخصصات، جرائد قديمة، كانت هناك نسخ طبق الأصل من جريدة “الجزائر الجمهورية” باللغة الفرنسية وأعداد من جريدة لوماتان، أخذت أتأمل الكتب المرصوصة على الرفوف: كتب قديمة باللغة العربية، إصدارات دار الفاربي لكارل ماركس و لينين ودوريات عن هيغل، اغتيال العقل لبرهان غليون، كنت قد اشتريته قبل أسبوع من ذلك من مكتبة النهضة، في أقصى شارع العربي بن مهيدي.

مؤلفات علي كنز و محفوظ بنون، روايات موح حلزوني: الاغتصاب، الجريمة في ليلة الدخلة، حارس 5 جويلية، الانقلاب، الموت، كانت هناك روايات لناظم الكسعي: رواية الدمعة والدبزة ورواياته الأخيرة خسارة فرنسا. بجانبها رواية بست سيلر “الوداع أيتها العظام المتفككة” إمضاء كنزة، هكذا اسم دون لقب.

لفت انتباهي وجود كم كبير من كتب عليها إمضاء زابور، كانت موضوعة على رفوف خزانة خاصة، كان هناك رجل أشقر، طويل القامة، يرتدي بدلة أنيقة، له وجنتان حمرواتان ويرتدي عبقة سوداء، يطالع تلك الكتب باهتمام، فجأة التفت إلى اليمين ثم إلى اليسار و في حركة سريعة خبأ كتابين تحت الجاكيت كاكية اللون، لم ينتبه إليه أحد ولا صاحب المكتبة ثم انصرف إلى حاله.

على جدران المكتبة الرمادية، صور فتوغرافية بالأبيض والأسود لبعض الكتّاب والفنانين. كانت هناك صور لكاتب ياسين صاحب رواية نجمة، مولود معمري مؤلف الهضبة المنسية، مولود فرعون، محمد ديب كاتب رواية الدار الكبيرة، تعرفت على المغني الشعبي الحاج العنقى وصور لبعض الثوار من حرب التّحرير.

العاشرة والنّصف.. القاعة ممتلئة، الطلبة في أوائل الصفوف، الضّجيج يرتفع، وصحفيان يجالسان بهدوء يحملان أقلاماً وأوراقا، ومواطنون وبعض المارة من الفضوليين ومن المخبرين طبعا، لايزال البعض منهم يرتدي المعاطف الشتوية رغم موسم الربيع، يجلسون في آخر الصف كالعادة، يحبذون الكتب البورنوغرافية، عفوا أقصد الفوتوغرافية.

فجأة يخرج شخص من غرفة تتوّسط المكتبة يحمل بين كتفيه مجموعة من الكتب، يضعها على الطاولة، يجلس، ثم ينهض، يلقي نظرة على القاعة، يتفحّص الوجوه بصورة توحي أنه يبحث عن شخص ما أو في انتظار شخص ما، بقي واقفا للحظة ثم جلس، بدا عليه الارتباك قليلا، لم يبتسم، لم يلقي التحية بعد، كان في آواخر الثلاثينات من العمر، أسمر، نحيف الجسم، واضح أنه لم يحلق ذقنه منذ بضعة أسابيع، عليه أثار الإرهاق والتّعب، كان يرتدي جينز أزرق  رثا وقميصا ورديا عليه مربّعات، ينتعل حذاء رياضيا، وعلى غير العادة لم يكن يرتدي النظارات، ثم يدخل  شخصان، أشار إليهما مرحبا، مثيرا انتباه كل  الحضور في القاعة، كانت ملامحهما عادية، ابتسم، تبدلت ملامحه، شعر بالراحة، ثم  ألقى بعدها التحية و اعتذر عن تأخّر المحاضرة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …