الأربعاء، 15 أغسطس 2018

التطوّرية الجديدة.. قراءة في مشروع يوفال هراري

د. إسماعيل مهنانة
د. إسماعيل مهنانة

لا يزال الفكر العربي يُعاني من حساسيّة غير مبرّرة تُجاه نظرية التّطور، رغم ما قطعته هذه الأخيرة من أشواط كبيرة في ميدان العلوم البيولوجية والإنسانية على حد سواء.

في السّنوات الأخيرة، ظهر مشروع المؤرّخ الإسرائيلي نوح يوفال هراري(1976-)، كدفعٍ غير مسبوق في سجلّ النظرية محققا بذلك شهرة ووجاهة وضعت الكاتب في قمّة المبيعات لكتابيه اللذين ترجما إلى معظم لغات العالم – إلا العربية –. “العُقال: موجز تاريخ البشر” “والإسان إلهاً: موجز تاريخ المستقبل”.

كتابان قال عنهما بيل غيتس: “سيكونان دومًا معي لو وجدت نفسي وحيدًا في جزيرة.”

“ما الذي جعل النّوع البشري يحكم سيطرته على كوكب الأرض بعد أن كان مجرّد حيوان قميء وضعيف في أدغال إفريقيا؟” يتساءل هراري في كتابه الأول “عقال: Sapiens”، صدر عام 2014.

وللإجابة على ذلك يغوص في استكشاف علمي بديع يجمع بين البيولوجيا والتّاريخ، يحلّل استعدادات الهوموسابيان البيولوجية التي أهّلته لبناء الثّقافة التي سيُهمن بها على بقية الأنواع الحيوانية، فيقع على حجر الفلاسفة: “الخيال”(الملكة الأعمق للرّوح الإنسانية كما قال إيمانويل كانط). بملكة الخيال وحدها استطاع الإنسان، منذ سبعين ألف سنة أن ينتظم في جماعات تتواصل فيما بينها باللغة وتتعاون على إنجاز ما لم تستطع بقية الأنواع إنجازه. أمثلة: قد نقول مثلاً أن النّحل يتواصل ويتعاون بشكل غريزي، لكن تعاون النّحل ثابت وآلي ولا يمكن أن ينتظم بشكل آخر لو فرضت عليه ظروف مفاجئة، لا يمكنه الإطاحة بالملكة لتأسيس نظام جمهوري، أو بروليتاريا للنّحل العامل مثلاً، لهذا لا يمكن لشكل التعاون هذا أن يصبح نظامًا سياسيًا.

قرود الشامبانزي أيضًا تتواصل وتتعاون لكنها لا تفعل ذلك إلا على نطاق ضيّق قد يشمل عشرة أفراد الأكثر، وحده الانسان يمكنه أن يقيم نظام تعاون بين عدد كبير من الأفراد دون الحاجة إلى معرفة شخصية بين الأفراد، وذلك عن طريق “الإيمان”، الإيمان بفكرة من صنع الخيال، مثل الإله، النّقود، الدّولة، الأمّة، هيئة الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان: كلّها أنظمة من اختراع خيال الهوموسابيان ولا تملك أي وجود موضوعي أو فيزيائي، لكنّ تأثير هذه الأنظمة الخيالية في الواقع يفوق أي تأثير للأشياء الموضوعية.

بالخيال اخترع الهوموسابيان ثلاثة أنظمة كونية للتعاون من شأنها أن توحّد كلّ البشر في نظام واحد هي: الدّين والإمبراطورية والنّقود. وبتوحيد هذه الكيانات الخيالية نحصل على النّظام الرأسمالي، الذي استطاع في العصر الحديث أن يوحّد كلّ البشر ويمكّنهم من الهيمنة المطلقة على بقية الكائنات.

يوفال هراري.. العُقال: موجز تاريخ البشر
يوفال هراري.. العُقال: موجز تاريخ البشر

تقوم هذه الأنظمة على مبدأ الثّقة والإيمان بفكرة موحّدة (اللّه، العُملة، وعدالة القوانين في الإمبراطورية) وهو ما يجعل ملايين البشر تنتظم داخل هذه الكيانات وتسهّل التّبادل التّجاري فيما بينهم دون الحاجة إلى تعارف شخصي.

قبل عشرة آلاف سنة، انتقل الهوموسابيان من حياة التّرحال والصّيد وجمع الثّمار إلى حياة الزّراعة وتدجين الحيوانات والاستقرار، فظهرت المدن في إطار الدّولة – المدينة، ثمّ توحدّت المدن في إمبراطوريات، تحت وطأة الحاجة إلى التبادل التجاري. أسس سرجون الأكادي أول امبراطورية حوالي 2250 قبل الميلاد، ثم بدأ توحيد العملات تحت الإمبراطوريات لتسهيل التّبادل، وجاءت الأديان لتؤسّس الثّقة في الإمبراطور والعُملة (لحدّ الآن نقرأ على كل  أوراق الدولار: “في الله نثق”) ولا تزال البشرية لحدّ الآن تحت هذا النّموذج الإمبراطوري، ثلاثي الأبعاد، رغم تعدّد أشكال الحُكم والعملات والأديان، ويمكن القول أن الرأسمالية في شكلها الحالي هي الهالة العُليا لتاريخ التطوّر، حيث شارفت كلّ العُملات على الانصهار في عملة الدّولار، وشارفت كلّ الإمبراطوريات على الانصهار في الأمركة، كما تكاد كلّ الأديان أن تذوب في قيّم حقوق الإنسان والفردانية والليبرالية.

في مجرى تطوّره، وعبر سبعين ألف سنة، ارتكب الهوموسابيان جرائم لا حدود لبشاعتها، ففي مرحلة الصّيد والتّرحال تسبّب في انقراض الكثير من الثديّات مثل حيوان الماموث وأفنى بشريات أخرى: النياندرتال الّذي عاش في أوروبا قبل ثلاثين ألف سنة، وفي مرحلة الزّراعة والاستقرار دجّن الهوموسابيان مئات الملايين من الثّديات الأخرى وأخضعها لنظامه الغذائي وجرّدها من حياتها الطّبيعة لتصبح امتدادًا لمَعدته. هل كان الانسان حرّاً في ذلك؟ يجيبنا هراري بالنّفي: فحرّية الإرادة لا توجد إلا في خيال الفلاسفة واللاهوتيين، أما الإنسان فهو محكوم بقوانين البيولوجيا والصّراع من أجل البقاء المثبّتة في(DNA). هل حقق الإنسان سعادته؟ يجيبنا هراري بالنّفي أيضًا، فالسعادة أيضا فكرة خيالية لأن الـ(DNA) لا هدف له إلا توليد المزيد من النّسخ منه، التّكاثر هو غاية الكائن الحيّ وليس السّعادة، ولهذا يخلص هراري أن كلّ التّطور الذي حققته الإنسانية الحالية لم يحقق شيئا من سعادة الافراد وحرّيتهم، بل أدّى إلى انفجار ديمغرافي كانت نتيجته سبعة ملايير من نفس النّسخة البشرية.

الإنسان إليوفال هراري.. الإنسان إلهاً: موجز تاريخ المستقبل
يوفال هراري.. الإنسان إلهاً: موجز تاريخ المستقبل

في كتاب “الإنسان إلهًا: موجز تاريخ المستقبل” (2016)، يتنبّأ هراري بحدثين أنطولوجيين سيغيّران وجه الإنسانية الحالية ومصيرها ويقلبان كل تصوّراتها وتراتبياتها الرّاهنة: هيمنة الذّكاء الصّناعي على الذّكاء الطّبيعي، والانتصار على الموت الطّبيعي. ففي سباق محموم، تتنافس الآن الدّول الكبرى لتمويل بحوث الذّكاء الصّناعي ودمجها في التّطبيقات الطّبية والمعلوماتية وحركة الأموال والبورصات. ولم يعد باستطاعة الذكاء الطبيعي للأفراد ان يُنافس الحواسيب والخوارزميات السريعة في تحليل الكميات الهائلة من البيانات (the big data) وإصدار القرار والفعل في الوقت المناسب وصارت الشركات الكبرى توكلها مباشرها للذكاء الصناعي، ومع الوقت سيسحب هذا الأخير معظم القرارات الاقتصادية والطّبية والسّياسية من يد الذكاء الطبيعي ويخلق هوّة سحيقة بينهما.

أكثر من ذلك، تتّجه البحوث الطّبية نحو دمج الذكاء الصناعي في علم النسالة(Eugenie)، أي تحسين النّسل بتزويد المواليد الجدد بمعطيات صناعية ومعلوماتية وهو ما من شأنه أن يخلق أجيالا جديدة تُهيمن بسهولة على الإنسانية الحالية وتجبُّها.

أمّا الانتصار على الموت الطبيعي وتحقيق الخلود فهو الفكرة المستقبلية التي توجّه حاليا معظم البحوث الطبّية. إن هراري هنا لا ينتج خيالا علميا، بل يسند تأمّلاته الفلسفية ببحوث علمية كثيرة تحققت في هذا المنحى، حيث الكثير من المخابر بدأت تكتشف سرّ العجز الخلوي المتسبّب في الشيخوخة والموت، وبدأت تجرّب طرقا تمنح القدرة على التّجدد اللانهائي لخلايا الجسد. ومتى ما وصلت إلى ذلك فإن الأجيال الخالدة الجديدة ستقطع نهائيا مع المنظومات الثقافية والسياسية والقانونية التي بنتها الإنسانية الحالية على واقعة الموت والتناهي في الزّمن، سيكون عليها تأسيس أنظمة ثقافية وسياسية وقانونية بناءً على واقعة الخلود. إن إنساناً خالدا ومزوّدا بقدرات عقلية صناعية هائلة هو “الإنسان – إلهاً”(Homo Deus).

للوهلة الأولى، يبدو أن كتابي هراري يخوضان في موضعين متباينين، لكن قارئهما سيجد نفسه – ربما بعد أيام من إنهاء القراءة – في كل مرّة يتبيّن جسور معرفية بين الأطروحتين، فكتاب “العقال”(Sapiens)، يبدو في الأنثروبولوجيا، بينما الثّاني “الإنسان – إلها” في علم المستقبليات، وهنا تكن طرافة المشروع: الانطلاق من نواة أنثروبولوجيا صلبة في تعريف الهوموسابيان بخصائصه الثّابتة، أو المتطوّرة بوتيرة ثابتة، نحو استنتاج التحوّلات الكبرى الناجمة عن هذه الخصائص. وبعبارة أخرى كيف ستؤدّي أنظمة التّعاون التي بناها الهوموسابيان على ملكة الخيال منذ سبعين ألف سنة إلى نهايته وإحلال صنيعه (الأنسان الإله) مكانه؟

تلقّى العالم الغربي كتابات يوفال هراري بالكثير من التّهليل والتّمجيد، وأثار زوبعة عالية في دوائر الإعلام والثّقافة، رغم أنه لم يأتِ بأي فكرة علمية أو تاريخية جديدة بقدر ما قدّم بناءً نظريا طريفا، استطاع فيه أن يجمع التاريخ بالبيولوجيا، والعلوم الطبيعية بالعلوم الإنسانية ويوظّف معلومات دقيقة بلغة أدبية رشيقة وآسرة. كتب كتابيه أولا باللغة العبرية ثم ترجمهما بنفسه إلى الإنجليزية، وهو خرّيج أوكسفورد وأستاذ التّاريخ في جامعة القدس.

تكمن أهمية مشروع هراري في الاتّكاء على سند نظرية التطور وإخراجها من ضيق البيولوجيا إلى رحابة التّاريخ والسّياسة والثقافة، فالتطوّر هنا لم يعد مجرّد نظرية في أصل الأنواع بل “براديغم”، نموذج معرفي شامل يفتح آفاقا تفسيرية ثرية ولا حدود لها في الدراسات الإنسانية، لقد جعل التطورية بالنسبة للعلوم الإنسانية أشبه بالنّظرية النّسبية بالنسبة للعلوم الفيزيائية المعاصرة، إطار إبيستمولوجي يمكن أن نفسّر على ضوئه كلّ الأنظمة الفكرية والدينية والاقتصادية، التي شكّلها الهوموسابيان باستثمار ملكة الخيال وتنظيم فكرة التّعاون والتّبادل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كارل ماركس

ماركس إنْ غضب!

ضيف حمزة ضيف (1) في نقدهِ لأستاذه هيگل يعتبر كارل ماركس أنّ وجه الاختلاف الموضعي …

طارق وهاني رمضان

القصّة السّرية لآل رمضان

يان ماهل. ترجمة: سماعن جلال الدين في يوم 4 أوت 1995 توفيّ سعيد رمضان، والد …