الأربعاء، 15 أغسطس 2018

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا هو أبي». آلة القمبري، الطّربية بأوتارها الثّلاثة، التي تصنع من جلد الماعز المُجفّف، هي التي أنقذتها من الحاجة، ملأت بطنها وبطون أمّها وأبنائها، سحبتها من الظلّ إلى النوّر، وجعلت منها امرأة تمشي بقدمين حافيتين ورأس مرفوع. تعزف نوتات، متقطّعة، يرتفع معها صوتها في مديح النّبي وذكر أولياء الله الصّالحين.
لقد قضت حسنة البشّارية (نسبة إلى مولدها في مدينة بشار، جنوب غرب الجزائر) أكثر من ثلاثين عاماً، وهي تجوب بلاد الرّمال، كما فعلت قبلها إيزابيل إيبرهارت، تقطع الوديان والواحات والبلدات المنسيّة، تغني في خيّام الوبر، أو على الإسمنت البارد، وتحثّ بنات جيلها على الاستمساك بعروة الفرح وكسر عصا الرّجل، ثم راحت تطوف بين مدن أوربية، في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال، كي تعلّم النّاس، وساكنة الشّمال، موسيقى الدّيوان، التي حملها المستعبَدون الزّنج، في طريقهم من الصّحراء الكبرى إلى شمال أفريقيا، وأرادوها نشيداً لثورتهم الخامدة. حسنة البشّارية، أو «حسنية» كما يُناديها البعض، تلك السّمراء، التي تلمع ابتسامتها كانعكاس ضوء في كوب من زجاج، لم تعش سوى بين الحدود، في نقاط التّقاطع، هي من أب مغربي وأمّ جزائرية، لها قدم هنا وأخرى هناك، هي من بشّار، مدينة الغرباء بامتياز، التي يختلط فيها العابرون بالسّماسرة والدّراويش، لم تلج الحريم، الذي هيأه لها أجدادها، ولم تستبح الأعراف، وبقيت في الوسط، في برزخ، تلفّ رجالاً على خواصر النّساء، ترقصهم بموسيقاه، وتميل عليهم إن فكروا في كبت صوتها.

حسنة البشارية

«أبي كان يرفض أن اختلط بالرّجال» تقول. لكنها ستنقلب على وصيّة والدها، تخرج سالمة من مستنقع العار، تحمل القمبري، مثلما كان يفعل هو، وتزيل الجدار بين الجنسين، وتصير، بصبرها، وليّة صالحة، رغم أنّه لا قبّة لها بعد، في صحراء الرّجال، التي لطالما خذلتها وتنكّرت لها. «أنا زهْرية» تردف. أي صاحبة بركات وشفاعات الأجداد. ورثت أسماء النّجوم وصفات أبراج السّماء من نساء قبيلتها. «أضع يدي على مريض فيُشفى»، تلك هي خرافات موسيقى الدّيوان وسحرها، ذلك هو شغف مؤديها ومُريديها والسّابحين في أساطيرها؛ يلعبون بالنّار، ويطعنون أنفسهم بالسّكاكين، دون أن تنزف منهم قطرة دم، يعتقدون أن الملائكة أقرب إليهم من حبل الوريد، يستبسلون في استحضار الأنبياء والرّجال المخلصين، يتضرّعون إليهم كي يُزيحوا عن مستمعيهم غمامة الحاضر المتعثّر.

عادت حسنة للظّهور، مؤخراً، في حوار تلفزيوني مع الإعلامي والكاتب احميدة عيّاشي، على فضائية الحياة الجزائرية. لم يكن حوار بروتوكولات فجّة، كما عرفناها في السّابق، فقد تحرّرت من المناورات، ومن الكلمات الجافّة، أمسك عياشي بنقاطها الحسّاسة وضغط عليها، نزع عنها عباءة التّحفّظ، وأخذت تتحدّث عن نفسها، وعن شقاوة العيش في الجزائر، كما لو أنّها تُجالس صديقاً حميماً، وتفضي إليه ما في صدرها، دون ماكياج أو تزييف. تحدّثت عن تنشئتها، بمحاذاة زاوية سيدي بن أبي زيّان، الولي الصّالح والمتعبّد الزّاهد، صاحب الطّريقة الصّوفية «الزّيانية»، الذي عاش في القرن السّابع عشر، درس في سجلماسة، وسكن القنادسة، المدفونة بين كثبان من رمل، والتي مرّ منها مبدعون معروفون، لهم فضل على الثّقافة الجزائرية: ياسمينة خضرا، مليكة مقدّم، بيار رابحي، وأقام فيها العازف الشّهير علاّ، ردحاً من الزّمن. بدأت حسنة تكوينها في الدّيوان من حضور احتفالات دينية موسمية، في تلك الزّاوية، ومن مشاهدة والدها سالم، واحد من شيوخ الدّيوان، في المنطقة، الذي كان يُقيم حفلات، في حديقة البيت، يحضرها مُحبّون من بقاع الصّحراء البعيدة، ويمنعها من أن تفكّر في الموسيقى مثله، لكنها غافلته، وصنعت آلة قمبري لها، من علبة خشبية، ومقبض مكنسة، وحين انفصل والدها عن أمّها، وجدت متسعاً من الحرية، نفضت سلطة الأب عن نفسها، قتلت «الأخ الأكبر» – بتعبير أورويل – الذي سكنها، وتعلمّت العزف على القيثارة، ثم أسّست عام 1972 فرقة نسائية للدّيوان. نظرياً، هي أوّل فرقة نسائية في هذا اللون الموسيقي، الذي لطالما كان حكراً على الرّجال.

بدأت بالغناء في الأعراس، ثم وصلت إلى المنصات والحفلات الفردية. «كنت أغني كي أحصل على مال وأشتري دواءً لأمّي» تضيف حسنة. «أبداً لم أحصل في حياتي على مال وفير. ما أناله أقتسمه مع المحتاجين» تتمتم. هي شيخة الدّيوان الأوّلى، ليس في الجزائر فقط، بل في شمال أفريقيا إجمالاً، هي رمز من رموز تحرّر المرأة من عنق الزّجاجة الذّكورية، مع ذلك ما تزال تعيش بالحدّ الأدنى. مُكافحة بدأت حياتها وما تزال كذلك. «لا بيت لي» تقرّ حسنة أو «جان دارك» الصّحراء الجزائرية، التي تزورها الرّؤى وتخوض معارك، في صمت، بآلاتها الموسيقية، وتحرّر أرضها من عبودية الذّكور، وتتكفّل بإسماع أصوات النّساء، اللواتي تلتقيهن أو تسمع حكايتهنّ، والتي قد يصفها البعض بالدّرويشة، أو الرّائية، والتي كرّمت بأعلى الأوسمة في الجزائر، من بينها وسام من رئيس الجمهورية نفسه، تصرّح: «أريد حائطاً لأُعلق عليه الشّهادات والأوسمة التي نلتها». تريد سقفاً، يوفرّ لها ظلاً بعدما هرم جسدها. كما لو أن يداً خفيّة تنتقم منها. تمنع عنها التّحرّر من حياة التّيه والدّخول إلى حياة السّكينة. لقد أعادت حسنة البشّارية تأنيث موسيقى الدّيوان، بعدما ارتبطت، لقرون، باسم «المْعلّم»، أو المقدّم، وهي كلمة تُطلق على عازف القمبري، وقائد الفرقة، وكان لا بدّ أن يكون رجلاً، وأوجدت لها نظيراً: المعلمة، أضافت لغة أنثوية، على موسيقى ذكورية خشنة، وأزالت عنها قوقعة الصّلابة، والعتوّ، والضوضاء، التي غالباً ما خيّمت عليها، وفي هذه الثّورة النّاعمة، التي قادتها في نوع موسيقي شعبي، له مئات الآلاف من المحبين والمتابعين، ومن المجانين، في الجزائر والمغرب وتونس، وله جذور تمتدّ إلى أكثر من 12 بلدا فريقيا، بقيت حسنة وفية لروحها الأصلية، زاهدة في الحديث عن نفسها، ولا تُبالغ في الثّناء عما فعلت، فظهورها التلفزيوني الأخير، كان يمكن أن يمرّ عادياً، لولا أنها وجدت في مقابلتها إعلامياً، ملماً بهذا الفنّ، وهو كاتب يدوّن نصّه مثلما يعزف «المعاليم» على القمبري، أخرجت، دفعة واحدة، ما كانت تخبئه لسنين، تقيّأت حزناً سكن حلقها، استفاضت في الكلام عن مغامراتها في أوروبا، والأقدار التي جمعتها بسعاد ماسي، رأفت بسُعاد وعصفت بحسنة، وكيف صدّرت تلك الموسيقى، إلى ما وراء الحدود، وعن تغاضي بلدها عنها، رغم وعوده المبلّلة بالتّنكر، في مساعدتها، لتجد نفسها، في الأخير وحيدة كما بدأت، تمشي حافية، تحمل القمبري، وتناديه: أبي، ترفع يديها بالدّعاء لأولياء الله الصّالحين، تتذكّر نصفها المغربي والآخر الجزائري، وتختم: «أنا أحيا فقط بدعاء الخير».

(عن القدس العربي)

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

وأخيرًا.. الشاب نصرو يعود إلى الجزائر

من المنتظر أن يعود مطرب الراي الشاب نصرو، إلى الجزائر، هذا الثلاثاء العاشر من افريل …

يوم تسبّب شاب جزائري في سقوط أم كلثوم

نحن الآن في سنة 1967، في قاعة الاولمبيا بباريس، التي برمجت حفلة فنية ساهرة تحييها …