الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

كيف أصبحت وزارة الثّقافة تصنع “اللاثقافة”؟

د.عمار كساب

منذ 1962، مرّ القطاع الثّقافي في الجزائر بعدّة مراحل، أهمّها التّسيير الموجّه للثّقافة، خلال العقود الثّلاثة الأولى بعد الاستقلال، ثم تلتها فترة الانسحاب شبه الكلّي للدّولة من القطاع، بعد أحداث 5 أكتوبر 1988.

وبعدها الهيمنة المطلقة على القطاع الثّقافي، منذ بداية الألفية الجديدة، تزامناً مع تولي عبد العزيز بوتفليقة رئاسة البلاد وتنصيبه للوزيرة السّابقة خليدة تومي، على رأس وزارة الثقافة بين 2002 و2014.

وصادف ذهاب خليدة تومي من على رأس وزارة الثقافة انهيار الميزانية المخصصة للثقافة (-62 % بين 2015 و2016). هذه الميزانية التي كانت تعتمد عليها الوزيرة السّابقة لشراء الذّمم وسحق كلّ فاعل ثقافي تخول له نفسه أن يطلق مبادرة ثقافية مستقلّة، تخرج عن نطاق هيمنة الوزارة.

وكان الهدف من ذلك صريحا، وهو إعطاء “شرعية ثقافية” للنظام عن طريق استغلال الفعل الثقافي. ونتج عن ذلك بروز “ثقافة رسمية” لا تتكلم لغة المواطنين، تستهلكها نومونكلاتورا جديدة تتصارع للجلوس في الصّفوف الأولى لقاعات هجرها جمهور الثّقافة.

تربعت بعد ذلك نادية لعبيدي على عرش وزارة الثقافة لمدة قصيرة، ثم حلّ مكانها الوزير الحالي عزالدين ميهوبي منذ 2015، والذي يفتخر بكونه “مثقّف السّلطة”. وجاء الوزير الجديد بدون استراتيجية للنهوض بالقطاع الثقافي، ولكنه جاء من أجل هدف محدد، وهو “ربح أكبر وقت ممكن” وفق ما يمليه الوضع الراهن للنظام، والحفاظ على Statut-quo.

وهي سياسة معروفة تاريخيًا، تستعملها الأنظمة القمعية كآخر ورقة للبقاء أكبر وقت ممكن على رأس السّلطة. وكما كان منتظرًا، عرف القطاع الثّقافي في الجزائر منذ وصول الوزير الجديد ركودا رهيبا، حيث غابت الجزائر بشكل شبه كلي في المحافل الثقافية الإقليمية والدولية، لولا بعض المبادرات المستقلة التي يحملها جزائريون مقيمون في الخارج. ويستنتج المتمعن في القطاع الثقافي أن وزارة الثقافة أصبحت تنتج في الحقيقة “لا ثقافة”، أو لنقل أنّه ركام من الفعاليات اللاثقافية، مشبعة بالفلكلور وخالية من الإبداع، ليس لها أي أثر لا على المجتمع ولا على اقتصاد البلاد.

وذلك شيء خطير على هوية الجزائر على المدى المتوسط المدى، لأن البلد الذي لا يجمع مواطنيه حول فعل فني وثقافي نابع من هويته، منفتح على الثقافات الأخرى، هو بلد آيل للزوال.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف بقايا قصر أثري أمازيغي بولاية النعامة

  بجانب واحة نخيل وارفة الظّلال، عند السّفح الجنوبي لجبل شماريخ شرقا، تستقر أطلال أحد …

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى …