الأربعاء، 15 أغسطس 2018

هؤلاء كتبوا القصة القصيرة إبّان حرب التحرير (2)

كتابة القصة القصيرة إبّان حرب التحرير : بعض القصاصين المغمورين

(الجزء الثاني) حنفي بن عيسى: نموذجا

جيدل بن الدين

بعد أن حاولت في الجزء الأول وخز الذاكرة، لتعود إلى زمن المناضل والأديب أحمد عكاش ، ها أنذا في هذا الجزء أروم تذكّر الأديب المترجم وعالم اللغة : الدكتور حنفي بن عيسى، وهو أحد القصاصين المغمورين، الذين تناولتهم عرفانا وتقديرا لمساهمتهم في حرب التحرير المجيدة.

 

2- حنفي بن عيسى : ( 1932 – 1999 ) :

الدكتور حنفي بن عيسى ، كاتب جزائري ، من مواليد الجزائر العاصمة سنة 1932. نال شهرة عالمية في الترجمة وإتقانا للّغات العربية والفرنسية والانجليزية وعرف بالدراسات الأكاديمية الدقيقة في مجال علم النفس اللغوي ، خاصة دقة المصطلح؛ ولكنه لم يعرف كقصاص أبدا. فلقد كتب أثناء حرب التحرير المجيدة ثلاث قصص قصيرة بمجلة الآداب البيروتية ، هي “في حي القصبة” ( فبراير 1959 ) ، “عائدون” ( نوفمبر 1960 ) ، “الشمس لا تشرق من باريس” ( جوان 1961 ). وفي حدود اطلاعي فإن هذا الأديب لم يواصل الكتابة القصصية بعد الاستقلال ، إذْ لم ينشر أية قصة أو مجموعة قصصية وهذا ما يثير الكثير من الأسئلة حول أسباب “إقلاع” د. حنفي بن عيسى عن الاهتمام بهذا الجنس الأدبي الذي تفوّق فيه فنيا.

فهذا الأديب والعالِمُ المتواضع ، كان لي الشرف أن درسني مقياس علم النفس التربوي ، بالمركز الوطني لإطارات التربية (1986/1987). وكنت قد عرفته من قبل في مؤتمرات اتحاد الكتاب الجزائريين. ومع أنني على هامش محاضراته الثرية كنت أُسِرّ له بجديدي القصصي ، إلا أنه لم يذكر ولو مرة أنه جرّب كتابة القصة القصيرة في حياته.

رغم معاناته بعد الحادث الأليم الذي تعرض له مع عائلته في الثمانينات ، إلا إن الظروف التي أحاطت بهذا الأديب قبل ذلك تُقدَّر على أنها مشجعة على التميّز والتفرد في القصّ. فالرجل مطّلع على الآداب العربية والعالمية، ويقرأ بثلاث لغات على الأقل. والجميع يعترف له بالكعب العالي في الترجمة ، سواء للأعمال الأدبية الجزائرية التي نقلها من الفرنسية إلى العربية ، مثل “رصيف الأزهار لا يجيب” للأديب الجزائري الراحل مالك حداد ، و”الدروب الوعرة” للشهيد مولود فرعون  أو للأعمال التي عهدت إليه بها منظمة اليونسكو، والتي نقل بعضها عن الإنجليزية، مثل كتاب “تعلَّم لتكون”؛ أو الدراسات الأخرى التي عمّقت تلاحمه بالتاريخ الوطني والثقافة الإنسانية. قلت ، مع كلّ هذا فلا أحد كتب أنه يعلم أن المترجم حنفي بن عيسى هو في حقيقة الأمر مبدع أدبي، من النخبة التي ناضلت بالقلم أثناء حرب التحرير الوطنية وبالقصة القصيرة التي منحت للعالم شعورا بما كان يعانيه الشعب الجزائري من قهر ، وأرخت لصور من جرائم فرنسا الاستعمارية بالجزائر.

لقد نشر المبدع ، الطالب في أروقة جامعة دمشق آنذاك ، كما أسلفتُ ، ثلاث قصص قصيرة ( الشمس لا تشرق من باريس – عائدون – في حي القصبة  ) والقصة الأخيرة هي التي اختارت منها حديثا وزارة التربية الوطنية نصا بعنوان “فداء الجزائر” لمستوى السنة الأولى متوسط ( الجيل الثاني من مقاربة التدريس بالكفاءات المعتمدة في إطار الإصلاح التربوي ). ولعل العبرة هنا في أن الإبداع لا يقاس أبدا بالكم. فنص مجتزأ من قصة قصيرة واحدة قد تجعلك تدخل البرامج التعليمية لبلدك ، بينما تبقى أعمال الذين يراهنون على الكمّ مكدسة لا يلتفت إليها أحد.

حنفي بن عيسى

الملفتُ للنظر في القصص القصيرة للراحل حنفي بن عيسى ، ليس أن الرجل لم يواصل الكتابة القصصية بعد الخامس من جويلية 1962 تاريخ نيل الجزائر استقلالها. ولكن أنه لم يدّعِ مطلقا أنه قصّاص،  أو أنه كان قد شارك بقلمه في ثورة التحرير المجيدة. وهذا رغم الدراسات والنصوص والقصص والترجمات التي قام بها وهو طالب بدمشق والتي تشهد بها مجلة الآداب البيروتية في أعدادها لسنوات الخمسينات والستينات.

وحتى أبتعد عن النص الذي يعرفه أبناؤنا والمأخوذ من قصة “في حي القصبة” اخترت مقطعا من قصته التي تحمل عنوان “الشمس لا تشرق من باريس”. يستهل المبدع حنفي بن عيسى قصته باستشهادٍ كان قد كتبه الطالب بن عيسى سوامي، في الكتاب الجماعي الذي ألفه مع كل من بشير بو معزة وعبد القادر بلحاج ومصطفى فرانسيس وموسى قبايلي ؛ إذْ يقول هذا الطالب في نص معنون بـ :  “الجرح المتعفن” La gangrene   :

” كنتُ لا أنقطع عن التفكير ، وأنا أتلقى أبشع أنواع التعذيب ، في إخواني وأخواتي ، في بن مهيدي وجميلة… وكنت أردّد دائما في ما بيني وبين نفسي : إن الإنسان يمكن أن يغطَّى بالقذورات وأن يظل رغم ذلك نظيفا”

ويواصل القاص سرد أحداث القصة التي تدور  في مقهى من مقاهي الحي اللاتيني بباريس ، وهو الحي الجامعي العاجّ بالطالبات والطلبة الجامعيين ، ليصل إلى أن : “المطر لا يزال ينهمر ولا بد لي من أن ألْتَجِئَ إلى أحد  المقاهي ريثما ينقطع.. ولعل هذا المقهى القريب من الحي اللاتيني ملائم.. فمن الممكن جدا أن أصادف هناك بعض الإخوان من الطلاب. إن الضجيج قد بلغ أشدّه في المقهى ، خصوصا مع تلك الموسيقى الصاخبة التي تنبعث من صندوق الإسطوانات.. تلك الطاولة المنعزلة ملائمة تماما للجلوس. ولكن لم أكد أستقر في مكاني حتى وقف أمامي أربعة شبان بقاماتهم الطويلة وعرفت أحدهم ، إنه زميلي الفرنسي بمدرسة بوجو ، وسمعته يقول لرفاقه :

– هذا واحد منهم .

كان أحدهم يحمل قنينة خمر ، فملأ كأسا وقدمها لي :

– شكرا أنا لا أشرب.

– لا تشرب الخمر ؟ .. ماذا تعني ؟

– عفوا ، أعني أنني لا أشرب الخمر مطلقا.

– ولكن إذا عرفت المناسبة فلا بد أن تشرب.

– وما هي هذه المناسبة من فضلك ؟

– ألم تشاهد كيف يحتفل الطلاب بانتصارنا العظيم ؟  ألم تستمع إلى الراديو ؟

– ألم تقرأ في الجرائد أن لاكوست قد اختطف زعماء الثورة ؟

– لا أريد أن أشرب.

فقال لي زميلي في الدراسة كلود :

– ينبغي أن تبرهن أنك مواطن فرنسي صالح ، وأن تشرب نخب الانتصار العظيم.

– قلت لكم لا أريد أن أشرب.

عند ذلك استدار الطالب الأول، الذي قدّم لي كأس الخمر، إلى كلود وقال له بلهجة ساخرة :

– اسمع يا كلود إن صاحبك شجاع، شجاع جدا.

وقال الثاني :

– إن صاحبك عنيد..عنيد جدا.

كنت لا أزال على الكرسي ، وقبل أن أقف على قدميّ استعدادا للمعركة ، ركلني كلود بضربة قوية فانقلب الكرسي ووقعت على الأرض وفقدت النظارات ولم أعد أُبصر.

وتحسست بيدي على الأرض فوجدت النظارات ، ثمّ وقفت على قدميّ ولكن لم يتقدّم أحد منهم..لقد تدخّل طرف ثالث في المعركة إنه صديقي رزقي .. ربما كان موجودا في المقهى عندما دخلت ولم أنتبه إليه.. رأيته يضرب كلود ضربة قوية على عنقه ، فيختنق ويشهق ويتمايل ثم يصطدم بصندوق الأسطوانات.

غادرنا في صمت هذا الأديب المتميز والمترجم البارع وعالم اللغة الكبير سنة 1999. ولعل من الغرابة أن أساتذة التعليم المتوسط ، الذين يتعرضون لحياته مع تلامذتهم ككاتب لنص مدرسي ، لا يعلمون أنه متوفي. فلا يوجد مرجع يشير إلى ذلك. حتى موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين (  منشورات دار الحضارة – 2014 ) أشارت لتاريخ ميلاده وبعض مؤلفاته ، ولم تشر إلى أنه متوفي.

لقد تذكّرَتْه الدولة الجزائرية بعد ثماني عشرة سنة من رحيله ، لتسدي له وسام الاستحقاق الوطني بدرجة “جدير” بتاريخ 24 ماي 2017 ( الجريدة الرسمية 32 المؤرخة في 31 ماي 2017 )، وكان من الأفيد والأجدر أن تُجمع وتنشر أعماله المتفرقة ، من قصص ودراسات. وكتبه ، المؤلفة والمترجمة. فذلك هو  الوسام الحقيقي الذي لا يبلى.

 يتبع…

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …

بومدين بلكبير

بومدين بلكبير: كنت لصًا فاشلاً

حاوره: رمضان نايلي كاتب وأكاديمي جزائري.. نشر بومدين بلكبير مجموعة مهمّة من الدّراسات والأبحاث، في …