الخميس، 19 يوليو 2018

هؤلاء كتبوا القصة القصيرة إبّان حرب التحرير

كتابة القصّة القصيرة إبّان حرب التحرير : بعض القصّاصين المغمورين (الجزء الأوّل)

 

جيدل بن الدين

لا توجد حقبة إبداعية تشبه الأخرى أو تماثلها في تاريخ الآداب والفنون. ومنه، وتمهيدا لهذه العجالة أقول، لا أحد يشك في أن حال الإبداع السردي والشعري وباقي الفنون، في النصف  الثاني من القرن الماضي، يشبه أو يماثل ما هو عليه اليوم.

أعتقد أنه لم يكن ثمة أي رابط بين المراحل التي عرفها الإبداع في الجزائر وأخص بالملاحظة الإبداع الأدبي؛ فأدباء الحركة الوطنية لم تكن كتاباتهم شبيهةً بالتي سبِقتها ولا التي أعقبها. فكتابات كل مرحلة لم تكن مستنسخة ولا مقولبة ولا متّكئة على الأخرى، لا من حيث الشكل ولا من جانب المضمون. فمن قراءاتي تكرّس لديّ أن تلك الكتابات على اختلاف أقلامها ومشارب أصحابها، لم تكن في أية حقبة من الحقب مبنية على، أو مماثلة، للّتي سبقتها أو التي أعقبتها.

وإذا كانت الطاقة التي تحرّك الإبداع في مجمله هي الذاتية، فإن الذاتية في الإبداع الأدبي تتجلّى أكثر ما تتجلّى في شغف الأديب ببريق اسمه وتجلّيه عاليا في سماء الإبداع نشرا ونقدا وذكرا. وقلَّما نجد أديبا متعفّفا عن هذه الإنّية المفرطة فيترَفّعُ ليكتب لقضية نذر حياته لها واعتبر قلمه وكلماته من قبيل الوسائل التي يناضل بها أولئك الذين اكتملت إنسانيتهم، مِنْ أجل أن يعيش الآخرون حياة الكرامة.

ثمة أربعة أسماء لقصّاصين جزائريين، اختلفت مشاربهم وحتى لغة تعبيرهم. كتبوا قصصا أثناء ثورة التحرير المجيدة، ونشروها في دوريات عربية ذات مستوى أدبي عال. وكانوا محلّ متابعات نقدية عربية آنذاك. ولكنهم، بعد أن تحررت الجزائر ونالت استقلالها، لم يواصلوا الكتابة في جنس القصة القصيرة، وأيضا لم يفاخروا بما كتبوا – في زمن شاع فيه التفاخر بالزّيف – كما أنهم لم يهتموا حتى بجمع ما كتبوا ولم يَدّعوا أنهم قصاصين أبدا.
إن من بين ما قد يُسْتَشفُّ من أسباب تخلي هذه الأقلام عن الاستمرار في الكتابة:

1- أن هاته القامات كانت تعتبِر القصةَ مجرد وسيلة من وسائل مقاومة الاستعمار، وبانتهاء تواجده فقدت هذه الوسيلة بريقها، وتخلّت عن الصدارة لأولويات وطنية أخرى.

2- أن مرحلة البناء الوطني اقتضت من هذه النخبة التواجد في مواقع أكثر أهمية من الإبداع الأدبي بالنسبة للمرحلة. فعلى سبيل المثال كان التعليم بصفة عامة، وتأطير الجامعة الجزائرية على وجه الخصوص، أولوية الأولويات وذلك بعد الانسحاب المستعجل للتأطير الفرنسي وشُحّ الموارد المالية للاستعانة بالتعاون العربي أو الأجنبي بصفة عامة غداة الاستقلال.

أول اسم اخترته هو لكاتب يساري كانت أداته اللغة الفرنسية. إنه الكاتب ومناضل الحركة الوطنية  والمجاهد  والأكاديمي الراحل الدكتور أحمد عكاش.

أحمد عكاش

 

أحمد عكاش : (10 نوفمبر 1926- 8 أكتوبر 2010)

سي أحمد كما كان الجميع يناديه احتراما، هو أحد الذين منحوا الجزائر كل ما لديهم؛ من مواليد القصبة بالجزائر العاصمة ، كان صديقا للشهيد ديدوش مراد وللمناضل كاتب ياسين، انضم إلى حزب الشعب ما بين سنتي 1947 و1952، ثم غادره ليلتحق بالحزب الشيوعي.

في سنة 1955 نادى أحمد عكّاش الشبان الجزائريين، خلال اجتماع منعقد في سوق الماشية بالحراش (بلدية في الجزائر العاصمة)، ملحا عليهم أن يلتحقوا بصفوف جيش التحرير الوطني، وهي الحادثة التي قرّرت السلطات الاستعمارية الفرنسية على إثرها حظر جريدة “ليبيرتي” التي كان يرأس تحريرها. وكان رد فعله أن انتقل إلى المقاومة السرية.

اعتقلته السلطات الاستعمارية الفرنسية في 1957 وتم سجنه في فيلا سيزيني أين عذبه المظليون الفرنسيون ولكنه صمد ولم يخن رفاقه وإخوانه المجاهدين وحكم عليه سنة 1960 بالإعدام ثم خفّف الحكم إلى 20سنة بعد نقله إلى أحد سجون فرنسا والذي تمكن من الهرب منه شهر جانفي 1962 إذْ عاد خفية إلى الوطن بغية مواصلة النضال.  دكتور في الاقتصاد السياسي وإطار سامي بوزارة العمل (مدير مركزي للأجور)، كتب من زنزانته في السجن عام 1957 قصة جميلة، كتبها باللغة الفرنسية لغة سجّانه وترجمها عنه إلى اللغة العربية في حينها، من سورية، الطالب المناضل بقلمه أيضا حنفي بن عيسى.

القصة حملت عنوان ” الزنزانة السابعة لم تعد تجيب” (نشرت القصة بمجلة الآداب اللبنانية سنة 1958 – العدد الخامس – ص 49-50).

والزنزانة رقم “7” هي زنزانة تأديبية اتخذها أحمد عكاش رمزا ومطيّة للتعبير عن فظاعة الجرائم التي يرتكبها الاستعمار الفرنسي في حق المناضلين الجزائريين داخل السجون.
يقول أحمد عكاش في القصة :

“ليس للزنزانة التأديبية من نافذة ، بل لها ثقب صغير في حجم قطعة نقدية ، مغطى من الخارج بصفيحة حديدية. لا أستطيع أن أرى أحدا من رفاقي المعتقلين ولكن أستطيع أن أسمعهم. وشيئا فشيئا تعرّفت عليهم من كثرة الاستماع إلى أصواتهم ، إنها أصوات خشنة رزينة ، صافية النبرة ، أو عنيفة ، إنها أصوات أولاد بلغوا النضج قبل الأوان.”

ذلك هو مدخل لوصف المكان وساكنيه، ليستمر السرد إلى أن يصل إلى زنزانة العذاب، الزنزانة رقم “7” :

“وفي القسم السفلي على بعد بضعة أمتار ، كان التسعة والخمسون ممن حكم عليهم بالإعدام، ينامون وهم على أتمّ اليقين أنهم قدموا حياتهم فداء؛ ولكن ألم يتساءل كل واحد منهم عندما تراموا في المساء فوق فراش التبن (أفي هذه الليلة يجيء دوري؟). ونمت من غير أن أشعر، كان نوما عميقا مقطعا بالأحلام. لا شك أن الساعة الآن هي الثانية بعد منتصف الليل. وخيّل لي ، وأنا بين الحلم واليقظة ، أنني أسمع صرخة عالية :

– إنهم راجعون ، يا إخواني ، إنهم راجعون.

ووثبت فوق فراش التبن ، كانت الأنوار منطفئة ، وكان السجن غارقا في الظلمة ، وسمعت وراء بابي همسة : (الزنزانة رقم 7) وفي الطابق السفلي كنت أسمع وقع خطوات وصرير مفاتيح في أقفال ثقيلة. وبلغني صوت مبحوح، صوت رجل يساق بالرغم عنه :

– وداعا يا إخواني ، كونوا رجالا ، ستعيش الجزائر.

عند ذلك استيقظ السجن كله ، وعبّر عن غضبه وألمه :

– “Assassins ! Assassins!  – مجرمون ، مجرمون

إنه نموذج لقدرة وتمكن هذا الكاتب الكبير والمجاهد الفذ، فنيا ولغويا. لكنه مع ذلك، فهو أحد الأدباء الذين صاموا عن كتابة القصة بعد حرب التحرير رغم ازدهارها سنوات السبعينات والثمانينات. فهل ذوت شعلة الإبداع القصصي وانطفأت بتحرير الجزائر من غاصبها، أم هي الأولويات الوطنية والثقافية الأخرى هي التي دفعت سي أحمد إلى الابتعاد عن عالم القص رغم هوس الذات ونزعتها؟

مهما تكن المبررات والإجابات المحتملة، يبقى أحمد عكاش أحد أجود القصاصين الجزائريين ولو نشرت له قصة قصيرة واحدة. وتتحمل الجامعة الجزائرية مسؤولية البحث والتنقيب عن الأعمال الأدبية غير المعروفة لهذا المناضل الأديب.

يتبع…

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …

بومدين بلكبير

بومدين بلكبير: كنت لصًا فاشلاً

حاوره: رمضان نايلي كاتب وأكاديمي جزائري.. نشر بومدين بلكبير مجموعة مهمّة من الدّراسات والأبحاث، في …