الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

هامش من تاريخ النّحيب في الجزائر

سعيد خطيبي

مات شاعر، في الجزائر، فاهتزّ الفيسبوك بدموع المعزّين، مع أن الميت لم يُفارقنا للتوّ، بل مات قبل ذلك بسنين، يوم تعثّر بحجر وفشل في الإمساك بحبل النّور في بلده، وانزاح إلى الظّلمات، بيُسر.

توفيّ الشّاعر عثمان لوصيف (1951-2018)، قبل أيّام، وقبل أن يُهال التّراب، على بدنه، الذي كان يكتب ويبطش؛ وكذا يلجم صوت صاحبه، تذكّرنا أننا من بلد يصلح للبكاء، لا للأدب.

بلد يكثر فيه المعزّون، ويتقاطرون، من السوشيال ميديا، ينوبون عن النّائحات، يسبّون الأقدار التي صنعوها بأيديهم، يتناوبون في حمل النّعوش والرّفات، ولكن أبداً لا يقرؤون.

فالجزائر بيت شاسع للعزاء. مقابره تتمدّد في الظلّ وفي الشّمس، بسخاء. ننتظر أن تسقط ورقة صفراء، من غصن صلب وجافّ، لا تليق به سوى النّار، كي ننطلق في سيمفونيّات، لا تتقطّع، من التّأوه، والحسرة والنّدم وجلد الذّات.

في بلد ضحل شعرياً، مثل الجزائر، كلّما مات واحد من «كتبة» الشّعر، انتبهنا إلى أن البراري تتّسع، من أمامنا، والخلاء يُداهمنا.

الجزائر بلد اللا شعر، كلّما سقط فيه شهاب شعر عابر، حاصرته أوحال اللامبالاة، وهذه ليست حالة جديدة، بل واقع نعيشه، ونتحمّله، رغم أنفنا، من عقود. فقد عرف صاحب الخزنة، القارئ الوحيد لفنجان أقدارنا، كيف يلوي أذرع كتبة الشّعر، ويسوقهم إلى ركن بعيد، لا يسقط فيه مطر، يراهم فيه من دون أن يرونه، ويكتفون، في كلّ مرّة يريدون فيها مُخاطبته أو مُصالحتها، بإرسال قصائد مدح أو عتاب خفيف، ليرفع الحجر عليهم، أو يُحسّن من ظروف إخضاعهم، ويُمدّهم بقليل من الماء والكلأ، وينتقي أكثرهم تملّقاً وطاعة إليه، فيغدق عليه بما لم يكن يحلم؛ منصباً في إدارة محليّة، أو مقعداً مترنّحاً على رأس رابطة أو جمعية، وإن أثبت حسن نواياه، فقد يستفيد من ظهور في التّلفزيون، أو مشاركة في أمسية شعرية، تعلوها صورة صاحب الخزنة، أو يركب طائرة في رحلة خارجية، ولو قال كلاماً طيّباً، أو غرد وكتب ما يُثبت حسن السّيرة، ولم يتخلّ عن موهبته في كتابة المدح، فسيرأف بحاله ويعيّنه نائباً في مجلس شورى، لا يأخذ بمشورته، ولِمَ لا وزيراً للثّقافة، في بلد يتصحرّ ثقافياً، ويترك الشّعراء الآخرين في غيضهم، يغلون ويحسدونه ويلعنونه، ويكتبون لصاحب الخزنة والوجاهة عن دسائسه، ونميمته وعن كلامه القديم.

وإذا مات «غريمهم»، الذي مسّته مغفرة من صاحب الخزنة ونال من الشّأن ما لم ينالوه، فيستعيدون سيرتهم الأولى، ويبكون ويُضاعفون نشيجهم، ويقولون إنه كان «شاعراً كبيراً».

عثمان لوصيف

في الجزائر، يكفي أن يموت «شويعر» ليصير، بقدرة قادر، شاعراً مجيداً، لا يهمّ الأحياء أن يقرؤوا أو أن يُعيدوا قراءة ما كتب الميت، بل يتوقّفون فقط عند المنعرج: هو مات والموت هو القصيدة الأسمى، واستحق بموته رتبة النّبلاء. الموت هو صكّ الأدب، هو صراط مستقيم للمشي على جماجم الشّعراء الحقيقيين، وقنطرة للعبور إلى القلوب اللزجة، التي كانت «إلى وقت قريب» تقول في ظهره كلاماً لا يخرج سوى من قلب رجل حسود.

الجزائري لا يستشعر هويّته، ولا يحسّ بانتمائه، ولا أنّه مواطن، سوى في لحظات البكاء. يترقّب الجنائز، هنا وهناك، يهرول إليها، يُعانق أرواح الموتى، يتمسّح بها، وينفض ما ترسّب من كبت وخيبات، في دموع تجري في عينيه، ثم تجفّ، ويعود، مرّة أخرى، إلى مدارات الصّمت وتكميم الأفواه، التي جاء منها.

النّحيب هو لغة جزائرية، مُكتملة القواعد، مستوفيّة كلّ شروط اللغة القائمة بحدّ ذاتها، هي أداة تواصل أساسيّة، يلجأ إليها البعض لتأكيد حضوره؛ يبكون لننظر إليهم، وهذا بسبب أن الأداة الأصلية: الكلام، قد سُحبت منهم، كمم صاحب الخزنة أفواههم، كي لا يقطع نشاز كلامه، كما إن فطرة الجزائري في التّفكير، تعطّلت. كلّما بكى أثبت أن ضميره حيّ، أن له مكانة في المحيط، الذي يعيش فيه، وأنه جثّة تخفق، تزحف، تغمغم، وحبل الرّجاء الضّئيل لم ينقطع.

لقد تحوّل النّحيب من مجرد لحظة عابرة، تنزل من السّماء ثم تزول بزوال مُسبباتها، إلى وظيفة، يمتهنها خصوصاً كتبة الشّعر، أولئك الذي يكتبون كلاماً موزوناً، على وقع خطابات صاحب الخزنة، ويقولون ما لا يفعلون، يحلمون بثورة «سبقهم إليها شعراء الملحون، الذين شيطنتهم السّلطة، لأن لغتهم لم تنزل في الدّستور»، وكلّما مرّت بأذهانهم صورة صاحب الخزنة، أو سمعوا له حسيساً، هتفوا له وبايعوه عهدة جديدة؛ ثانية وثالثة ورابعة وحتّى خامسة.

إن هذا الإسراف في التّباكي، والتّمخّط وفي تلميع الأجفان بالدّموع، يجعلنا نتساءل: ألم يمتهن الجزائري الضّحك؟ لماذا لا يبسط أساريره؟ لا سيما كتبة الشّعر منهم! الكوميديا لم تجد تربة لها لتنبت في بلاد الجزائر، فالبراري التي نعيش فيها، لا تحتمل الهزل ولا النّظر في الأسنان البارزة، وناب عنها النّحيب وتحوّل إلى مُرادف للوجود؛ كلّما أطلّ ربيع الحزن، ازداد الجزائري حضوراً، وجذّر مكانة له، في البقعة التي يعيش فيها.

يبدو أننا «جميعاً» نخرج من شجرة واحدة، من جينات مُتطابقة، جدّ حسّاسة، نحترف السّير خلف الجنائز، بدل ابتكار الفرح. من خلال البكاء، والإصرار على العبوس، ينتج جسد الجزائري بروتينات مُقاومة للقهر والتّخويف، اللذين يعيش فيهما، يستعين بالدّموع، وبتكرار الأسى، وابتداع كلّ مسبّبات الغمّ والهمّ، كي يُنبت على جلدة ظهره قوقعة يحتمي إليها، كلمّا شعر بخطر أو فرح مفاجئ يقترب منه. إنّه يخاف من الفرح كما يخاف من غضب صاحب الخزنة. وكلّ واحد من البكائيين والمشتكين «على الدّوام» يُثبت، في كلّ مرّة، قدرة عالية على تسريع خروج الدّموع، مع ما يُرافقها من وجه محمّر، وكلمات نابية، تُبرهن على شجاعته في التّحمل، كما لاحظناه، مؤخراً، عقب وفاة عثمان لوصيف، ويكسب من ذلك حظوة، وسيُقارن النّائحون الآخرون أنفسهم به، وحين يموت، هو نفسه، سيجد «لا محالة» من يأخذ مكانه، كي يثبتوا للجميع أن التّاريخ لا بدّ له أن يُعيد نفسه.

إن النّحيب، الذي يرتفع، لأبسط الأشياء، في الجزائر، يعبّر عن شجاعة الباكي، فهو بفعلته تلك، يحرّر الآخرين أيضاً من الضّغط النّفسي الذي يرزحون تحته، ينوب عنهم في الحزن، يقتسم معهم خــــبز غبن، يغمس رأسه في الرّمال المتحرّكة التي يغـــرقون فيها، ويثبت لهم، بمناسبة أو غيرها، سخاءه، وقدرته على التّقمّص والتّحمل.

ذلك الجزائري، رائد الجنازات الشّعبية، الذي يسمع عن كتبة الشّعر بدون أن يعرفهم، يخجل من رفع كتاب، ومن الانتباه إلى كاتب، وهـــو يحتضر، بجانبه، ولم يكن ليهتمّ أن عثمان لوصيف، الذي كتب ما كتب بالنّار، قد «انتحر» من السّاحات العامّة، قبل عقود، وقد صلب شعره، لكنه يمتلك من الشّجاعة ما لم يتوفّر عليه أجداده الثّوار، ويبارز الآخرين في مقدار الحزن، الذي يظهر على وجهه، وصلابة صوته في النّحيب، كي يبرّر عجزه، على الصّمود، في الوقائع والمواقع الأكثر حرجاً وأهميّة.

(عن القدس العربي)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ما فائدة السيلا؟

ما فائدة السيلا؟

نشر أمزيان فرحاني (وهو واحد من كبار الصّحافيين الجزائريين المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي) في جريدة …

خالد في فيديو "سربي.. سربي"

سَرْبي.. سَرْبي.. الكأس والرّاي وما بينهما

لو ألقينا نظرة سريعة على ريبرتوار الرّاي، سنجد أن كثيراً من المغنين المعروفين ذكروا الخمر …