الخميس، 20 سبتمبر 2018

ساعات داي الجزائر بباريس

ترجمته الى العربية : البهجة استيت

عن جريدة شمال إفريقيا المزخرفة

l’Afrique du nord illustrée

العدد : رقم 756 /أكتوبر 1935

 

تتنافس وعلى حسب علمنا، اثنتان من ساعات البندول على لقب : بندولة داي الجزائر. فكلاهما تأتي ممّا تبقى من الأثاث الذي تركه الداي حسين، حين أضطر للهرب أمام الجيوش الفرنسية، والتي استولت على الجزائر العاصمة، وعلى القصبة عام 1830 . ساعتان من ساعات البندول، لكن لا بد من أنهما ليستا الوحيدتين ، إذا أردنا تذكّر الذوق الباذخ لساعات  الحائط، والتي يملكها المشارقة.

لقد بحثت عبثا بغير جدوى في أرشيفات متحف الجيش أين تمكث إحداهما، عن أية إيضاحات أو تفاصيل عنها، أو بالأحرى، حتى لا تترك مع الحقيقة. تتلخّص هذه الإيضاحات و التفاصيل بالأسطر التالية : ” إنها بندولة داي الجزائر والتي أخذت من طرف قوّاتنا أثناء احتلال القصبة بالخامس من جويلية 1830 . هذه البندولة هي ملك لمتحف  فرساي”. هذا كل ما أمكن لفضول صحافي الحصول عليه من مسايرة أمين المتحف له.

و حتى أتمكّن من وصف هذه القطعة التاريخية، لم يبق لي سوى الأصل لمعاينته ودراسته. إنها أثر تذكاري صغير لا يبلغ مقاس طوله أكثر من مترين. تتمركز هذه البندولة المعنية على قاعدة خشبية سوداء، ذات أربعة أرجل محناة برشاقة ومرصّعة بصفائح برونزية مذهّبة. علبتها مربّعة من نفس الخشب الأسود، مع باب على كل واحدة من الجهات الثلاث، والتي لا تمثل الواجهة؛ هذه الأبواب تمثل تسييجا مزخرفا بالبرونز المذهّب.

بندولة داي الجزائر، كانت بمتحف الجيش

 

إنّ الواجهة مضاءة في هيئة ذات صبغة خضراء، تحيط بساعة من الطلاء الخزفي الأبيض، والتي وضعت عليها، وبالأرقام العربية، الساعات الاثنى عشرة. يمكن قراءة اسم صانعها على الساعة، كما يلي : “هندلي و مور ، لندن”.

توجد بأعلى وأسفل الواجهة، فتحتان اثنتان، تشكّلان لوحة بمستويات مختلفة أين بنيت الخلفية بمنظر بحري. تتحرك هذه المستويات التي على اللوحة، بواسطة سفن صغيرة ملوّنة. فهي تشير إلى الأيام و الساعات، وربما إلى مراحل أطوار القمر.

تعلو هذه البندولة قبّة مثبّتة بأربعة أعمدة، جميعها من البرونز المذهّب. يوجد تحت القبة أسد شبه نائم، يحمل عند مخالبه صولجانا ينتهي بكرة جغرافية. كما يظهر أيضا بأعلى القبّة أسد آخر، وهو في حالة نوم.

كيف وصلت هذه الساعة إلى الجزائر العاصمة ؟ بأيّة مناسبة وفي أية فترة من الزمن؟  هذه كلها ألغاز بدا من المستحيل حلّها اليوم، بعد مرور أكثر من مائة عام الآن. يمكن الجزم على أقصى تقدير، على أن طرازها يعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي، لكن هل كانت يا ترى هدية أم مشتراة؟ لم يعد أحد موجود الآن ليخبرنا…

إن ساعة البندولة  الأخرى للداي، موجودة أيضا باللوفر بمتحف البحرية ، تملك بلا شك هي الأخرى حكايتها الخاصة بها. لكن كذلك كما هو الأمر بالنسبة للسابقة، فلن تسرد قصة هذه الأخيرة عبر المعلومات التي تملكها آمرة “بروشيناك” ، أمينة المتحف. فهي شخص لطيف جدا، بيد أن الوثائق التي بحوزتها عنها ضئيلة للغاية، لقد أخبرتني فقط أن ساعة البندولة هذه ، كانت هدية من السيدة “بكري” ، حفيدة “بكري”، المعروف، شريك “بوشناق”، دائنوا داي الجزائر، حيث أن قضية الخلاف بينهم كانت سببا في المقاطعة والاحتلال .

كيف انتهى هذا الشيء القيّم بأيدي آل بكري يا ترى؟  لاشيء يفسر لنا ذلك . هل ترى أعطيت هذه الساعة الى “بكري” من طرف الجنرال القائد؟ هل كان ذلك أثناء توزيع لوائح مقتنيات الأشياء التي تمّ تركها هنا لتسقط بيديّ رجلنا هذا؟ ربما لن نعرف أبدا .

بندولة داي الجزائر الثانية، كانت بمتحف البحرية

 

مهما يكن، فإنّ هذه الساعة الأخيرة مصنوعة من الفضة، مع موسيقى وجرس؛ أين تتراءى لنا أنابيب معدنية فوق الجانب الزجاجي الخلفي؛ تحمل ساعتها كذلك أرقاما للوقت بكتابة عربية. يمكن قراءة هذه النقوش عليها كما يلي : “فوليامي ، لندن ، كلوك أند واتش –ساعاتا الملك  – الإمبراطورية البريطانية  (أي: ساعاتا ملك الإمبراطورية البريطانية).

توجد على السطح الأمامي و تحت الساعة ، أسلحة وخوذة على شكل نصب تذكاري . أما باقي العلبة فهو مزيّن بكثرة برسوم مختلفة. يبلغ طول هذه الساعة حوالي الثمانين سنتيمترا، تعلوها قبة تنتهي بهلال ، مثبّتا عليها ثلاثة نجوم بخمسة رؤوس.

و بما أنه لا يوجد أي تاريخ على هذه الأخيرة ، فبالتالي قد يعود تاريخ صنعها هي الأخرى إلى القرن الثامن عشر الميلادي ، لكن ليس أكثر من سابقتها ، لا يمكن التكهّن هنا أيضا بأسباب مجيئها إلى الجزائر العاصمة . هل كانت هدية جلبت من طرف دبلوماسي ، أو لربما كانت نزوة من أمير ؟

تبقى الحكاية مبهمة …

——

*تنويه من المترجمة : لقد بحثت كثيرا عن أي صورة حديثة لساعة الداي الثانية، لكنني لم أجد شيئا لها، لأكتفي بالصورة التي بمقال المصدر، فلعلّها بيعت أو سرقت هي الأخرى مجدّدا.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن في ذكراه : الكلمة والموقف

في مثل هذا اليوم 29 أوت من سنة 1993، رحل الكاتب عمار بلحسن، وهو في …

كاتب ياسين مدافعاً عن اللغة العربية

جلال الدّين سماعن في مارس الماضي، نشر غي دوغاس (Guy Dugas) في مجلة (Continents manuscrits)، …