الخميس، 19 يوليو 2018

جينيفر تردّ على صاحب أغنية “سكينة الباب يطبطب”

جلال الدّين سماعن

من أغنية: سكينة الباب يطبطب
من أغنية: سكينة الباب يطبطب

من المقولات المشهورة، التي غيّرت مجرى تاريخ بلد بحجم قارة مثل الجزائر، تلك التي قالها الممثل الشّهير حكيم دكار والمعروف بخباط كراعو: “ماكانش خير من البولونة، خفيفة وفيها ثقبة”.

لا يحضرني السياق الذي قالها فيه ولا في أي عمل من أعماله المميّزة – التي نفتقدها –، لكن الشّيء المؤكّد هو المنحى والتفسير الذي اتخذته العبارة عند شعب متخم بالحرمان من “ذاك الشي” وأصبح يقصد بها شيء آخر غير الذي تعنيه.

حضرتني المقولة في المرة الأولى يوم اكتشفت أغنية “خاتم صبعي”، ومذّاك لا يمضي يوم دون أن أستمع إليها. أما المرة الثانية فكانت حين ترجمت مقالا للباحثة كاثرين هيوز عن دلالات الخاتم، كانت قد نشرته في عدد من أعداد مجلة Books للسنة الماضية وتقول في مطلعه:

«في بداية الثلاثينات من القرن العشرين، وهب عالم النفس أوتو رانك خاتما لعشيقته أناييس نِن، خاتم كان قد منحه إياه معلمه سيغموند فرويد. في مقابل ذلك، منحته أناييس نِن خاتما ورثته عن والدها – والد جمعتها به علاقة محرّمة. الشّيء الأكثر غرابة هو أن أنايسس نِن وقبل أن تعطيّ الخاتم الأبوي لرانك، قامت بصناعة نسخة منه من طرف صائغي – ستهدي هذه النّسخة لعشيقها الآخر، هنري ميلر.

لسنا في حاجة لأن نكون علماء نفس كي ندرك المغزى من تبادل الهدايا هذا: بفعلتهما هذه، طلب كل من أناييس نِن وأوتو رانك من أبيهما البيولوجي أو الرمزي رخصة لعلاقتهما الجنسية. غير أن الماكرة والأنثوية أنايس نِن خرقت النموذج الأبوي بإقحام خاتم ثانٍ كتقليد للسلطة الأبوية والذي من خلاله تعيد طرح السؤال فيما إذا كان عشّاقها هم المالكون لجسدها (في العامية الإنجليزية، كلمة خاتم ‘ring’ تعني فتحة الشرج وأحيانا المهبل)»

خاتم صبعي وثالوث الحرمان/الغدر/العائلة العدوة

بعد “لالي يمّا لالي، ليلة عرسي، لعبولي براسي“، تستمر الحكاية.. تتجمع النّسوة حول إحداهن، عادة ما تكون معروفة بصوتها المتميز وبذاكرتها القويّة، ينخرطن في أغان مليئة بالشّجن، معظمها تلخيص لمعاناة يومية عمرها آلاف السنين ولا شيء في الأفق ينبأ بأن الغد أفضل حالا.

“خاتم صبعي” هي واحدة من أكثر الأغاني تداولا في أعراس شرق الجزائر في زمن كان البوست كاسيت نادر جدا ولا يحوزه إلا شهبندر التجار، الميسورون حالا أو أعيان القرية.

تفننت نسوة مختلف المناطق في تحوّير كلمات وعنوان الأغنية فأصبحت في أماكن كثيرة تحمل عنوان “كوستيمو لكحل” لكن الثالوث الذي يشكّل جوهر الأغنية بقيّ ثابتا ولم يتغير: حرمان عاطفي، غدر رجالي وعائلة لا ترحم.

تدور أحداث الأغنية على مدار أسبوع، يُمّثل فيها كل يوم طقسا من طقوس الزواج. هي رثاء لقصّة حبّ لم تكتمل، تعددت أسباب الفشل والضّحية واحدة: المرأة.

مطلع الأغنية يشبه المقدمات الطللية للشعر العربي: “علاش نلوم؟ يا محلاها العشرة يا لوكان دوم” (لماذا ألوم؟ العشرة جميلة فقط لو أنها ستدوم)، أشبه منه إلى إعلان استسلام منذ البداية وإقرار بذنب حتى ولو لم ترتكبه هذه المرأة.

تواصل بعدها المغنية في سرد وقائع خيبتها إنطلاقا من يوم الاثنين كرمز تتبرّك به العائلات في كل مرّة تقوم به بشيء في حياتها إلا أنه يتحول بالنسبة للأنثى إلى بداية النّهاية وخيبة ستستمر معها إلى الأبد. يلبس فيها عشيقها برنوسا كعنوان للرجولة والشهامة ويذهب لخطبة امرأة.. غيرها. “ليلة الاثنين، برنوسو على ظهرو، قالي ماتبكيش، كل واحد وزهرو”.

لا يكتفي الغادر بغدره، بل يُحاول أن يحرم محبوبته حتى من حقّها في الدمع متحججا بحجة واهية تتمثل في أن كل شيء ضربة حظ ولا ذنب له هو إن هي خانها حظّها التّعيس. ستصّدقه المرأة وستتكرر مرارا كلمة الحظّ/الزهر باعتباره جبرية لا مفرّ منها، تنفي كل سببية وكل مبادرة في القيام بأي فعل. يغيب في الأغنية يومي الثلاثاء والأربعاء باعتبارهما رموزا للشّر أولاً وباعتبارهما ثانيا فترة بمقدور المستمع أن يخّمن ما يحدث فيها من ترتيبات للعرس بالنسبة للرجل وانعزال شبه كلي للمرأة في غرفتها تستمع دون انقطاع إلى مقطع أغنية ثلجة: “.. ماصبت دوايا، راقدة في فراشي، الدمعة جراية يا ربّي واه!”.

ثم يحدث ما كان متوقعًا: “ليلة الخميس جاني صبعو محنيّا، قالي ماتبكيش، نطلڨها ونوليا” (في ليلة الخميس، جاءني وعلامة الحناء في أصبعه، طلب مني أن لا أبكي ووعدني بأنه سيُطلقها وسيعود إليّ). فعلة الرجل هنا وعلى عكس ما يُبديه، ليس إلا استمرارا في تذليل المرأة بوعود كاذبة يعلم يقينا بأنه لن يحققها.

يختفي ليعود لا ليكّفر عن ذنبه بل ليزيد الطين بلة. وهو ما ستتأكد منه هذه المغدور بها حين تسمع صوت الزغاريد وحين تسأل عن مصدرها، سيقال لها بأنه تزوّج فينهار الكأس الذي في يدها ليتكسر كصورة للكسر الذي سيصيب خاطرها، للشّجن الذي سيستولي عليها ولن ينجح الزمن في جبره تمامًا كتلك الكأس التي مآلها الرمي لاستحالة إصلاحها. “سمعت التزغريت، ڨالو عرس، ياو الكاس من يدي، ياو طاح تهرّس”.

على عكس أغنية ثلجة، تنتهي حكاية هذين العشيقين نهاية حزينة هي أقرب إلى الواقع وبعيدة كلّ البعد عن النّهايات السّعيدة والرومانسية في الأفلام الهندية:

“خاتم صبعي، فيها زوج قلوب،

الأول زهري والثّاني المكتوب،

[…] أنا الأول زهري والثّاني ماليا.

“نهار الجمعة، سبابنا الوردات، […]

حبينا بعضانا، ولافامي (La famille) مابغات”

بيت يعبّر عن عاملين اثنين أنهكا المرأة وطالما شكلا عائقا أمامها وأمام خياراتها: الجمعة كرمز لسطوة ميراث ديني كثيرًا ما تمّ تأويله خطأ ليوافق رغبة ذكورية مُقصية ونابذة لصورة المرأة.

عديد الشيوخ والأئمة يدّعون بأن الإسلام قد كرّم المرأة وأعاد لها مكانتها التي تستحقها ثم يتفننون في إطلاق فتاوى لا تكتفي بتقييد حرياتها وتضييق الخناق عليها، بل تذهب إلى حدّ التصغير من قيمتها ومقارنتها بالحيوانات (دعاء ركوب الدّابة هو عند بعض المتشيّخين نفسه دعاء إتيان الزّوج لزوجته). العامل الثاني هو العائلة. هذه الأخيرة نادرًا ما تُساعد المرأة في حياتها، تستقبل خبر ولادتها بالعبوس وتعيش معها في حراسة دائمة وريبة من كل شيء تقوم به. تعتبرها قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة لتورث عائلتها الخزي والعار. جسدها لا تملكه، هو ملك يحجزه المجتمع.

بالرغم من هذه النّهاية المخيّبة لقصة الحبّ هذه، تواصل المغنية الغناء وتصرّ على أن تكون نهاية قصيدتها مرادفا لكبرياء تسعى إلى الحفاظ عليه مهما حدث. تختم كلامها بأنثوية صارخة تنبذ التعدد أو العيش مهانة باستمرار. هي تفضل البقاء وحيدة وتحمل نظرات وأقاويل النّاس عن عدم زواجها أفضل من أن تكون تحت سقف رجل لا يحترمها أو تتقاسمه مع غيرها.

“ضربني ضربة، جاتني على السرّة،

نقعد هاكا ولا زواج الضرة[…]

ضربني ضربة، جاتني على العانة،

نقعد بايرة والا زواج الهانة”.

بين سكينة الباب يطبطب و Ain’t your mother

“سكينة الباب يطبطب” هي أغنية صنعت الحدث سنوات التسعينيات ولازالت تصنعه إلى اليوم. ترقص على نغماته النسوة حتى الإغماء وشخصيًا لم تخطر ببالي فكرة التمعّن في كلماتها إلا بعد سماعي لأغنية جينيفر لوبيز “Ain’t your mother” (لست أمك). ضحكت لوهلة حين أقنعت نفسي بأن جينيفر لوبيز غنّت هذه الأغنية كردّ قويّ وصريح على الكحلوش السطايفي المسمّى فيصل، صديق سكينة وصاحب الأغنية.

بالفعل، كلمات هذه الأغنية تصوير كامل لمعاملة الذكر للمرأة. “سكينة الباب يطبطب، سكينة نوضي حليه” تلّخص سطوة الذكر الشرقي واعتباره لكل “سكينة” مجرد خادمة يملي عليها بأوامره متى شاء وكيفما اتفق. لا تملك إلا الانصياع ولو خطر في بالها شقّ عصا الطاعة فسيكون مصيرها التّعنيف، قولا وفعلا. اسم “سكينة” مصدره السكون، قد يحمل معنى الطمأنينة لكنه تلميح أيضًا إلى السّكوت، تقبل الأوامر وتنفيذها. ڨص ڨرمط! وظيفتها تتلخّص في أن تكون خادمة مطيعة وإن حدث وأن نامت وزوجها [الديكتاتور] غير راضٍ عنها فستحلّ عليها لعنة الملائكة كما يقول… حديث نبوي مشهور!

«سكينة الباب يطبطب،

سكينة ونوضي حليه؛

سكينة وخوك عريّس،

سكينة زغرتي عليه؛

سكينة الشمعة تقدي،

سكينة فوق الباب،

سكينة وخوك عريّس،

سكينة وعليه نغير؛

لميمة وليدك يحنّي،

لميمة افرحي بيه،

لميمة حبابو وصحابو،

لميمة وراهم دايرين بيه؛

[…]

سكينة وخوك تقدم،

سكينة وروحي زوجيه،

سكينة خانة على خدو،

سكينة رايحة تقديه؛

سكينة خوك تزوّج،

سكينة مبروك عليه،

سكينة لميمة تزغرد،

سكينة ربي يهنيه”

بدون تعليق.. ولكم واسع النّظر لعد وفهم عدد الأوامر الموجّهة للمرأة وتغييبها بالرغم من حضورها في كلّ مقطع من مقاطع الأغنية!

خاتمة

“ربي أرزقني راجل يخوّفني ويمنّعني”، هكذا توصي الجدات حفيداتهن غير المتزوجات حين يطلبن منهن دعاءً يتضرعن به إلى الله في كلّ صلاة. هو مثال بسيط من بين عشرات الأقوال والأفعال التي من خلالها تورث النسوة لبعضهن البعض تاريخا حافلا بالانصياع والخضوع لسطوة رجل حتى ولو كان ظالمًا. هذا الأخير سيخلده صرح من صروح الأغنية السطايفية، المرحوم سمير السطايفي، في أغنية “حناني مول الشاش”.

مول الشاش، المصحوب عادة بعكازة، هي رمز للقوة وبديل للسّيف، يحرص الرّجل على عدم الاستغناء عنها كوسيلة يستعملها لا ليتكأ عليها في مشيته، بل تكريسا لمثل عربي آخر هو “العصا لمن عصا”. يكفي أن تراها الزّوجة أو البنت أو حتى زوجة الابن فتختفي بشكل نهائي ولا يسمع لها حسيس إلى غاية مغادرة “بوشلغومة”، سي السيد بلغة الجيل الجديد.

قدر المرأة العربية هو المعاناة وأن تبقى رهينة نظرة الرجل، قراراته، مزاجيته ودكتاتوريته. عن غير وعي يغنين أغنية “ماذاقشيش أنسليلو، ماتاقشيشث أتنطيش” وهي نفس الأغنية التي أوردتها فاطمة المرنيسي في أحد كتبها: “إذا كان طفلا سنزغرد، أما إذا كان أنثى فسنرميها”.

تغني النّسوة لأنهن مسكونات برغبة في الحبّ، بشوق إلى شيء من الحرية، بعيدًا عن وصاية “ذكر” ماقت لهن، متنكر لفضلهن عليه. هنّ أيضا ينتقدن تعاملات النّسوة بينهن ويؤكدن فرضية أن عدو المرأة الأول هو المرأة نفسها. صراع الأم المسلمة مع ابنتها بعيد كل البعد عن نظريات فرويد، بل هو وليد خوف من الفضيحة، تحوّل مع الوقت إلى كره ورغبة جامحة في التخلص منها مع أقرب خاطب.

تغني النسوة في الأعراس لأنها الفرصة الوحيدة التي يمنح فيها لهنّ مكبّر الصوت لتعبرن عن مكبوتاتهن. ثم حين ينتهي الفرح وينصرف آخر ضيف، يحلّ الصّمت مرّة أخرى ولا تتكلّم المرأة إلا من خلال وشوم على جسدها، تجاعيد ترسم خارطة حياتها على وجه أنهكته نظرات الشرز الرجالية وأيد أتعبتها أشغال البيت، التنظيف، غسل الأواني وتغطية الوجه تحاشيًا لضربات قد تنهال عليها في أي لحظة. تعود إلى بيتها في جبتها، ليلا، وفي بالها أغنية السعيد لاڨام “خليو الطريڨ للبرايجية، خليوها تفوت”.. في انتظار عرس آخر تتنفس فيه قليلاً وكاشما تخطبها عجوز لوليدها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

وأخيرًا.. الشاب نصرو يعود إلى الجزائر

من المنتظر أن يعود مطرب الراي الشاب نصرو، إلى الجزائر، هذا الثلاثاء العاشر من افريل …

يوم تسبّب شاب جزائري في سقوط أم كلثوم

نحن الآن في سنة 1967، في قاعة الاولمبيا بباريس، التي برمجت حفلة فنية ساهرة تحييها …