الخميس، 20 سبتمبر 2018

الرقم ثمانية : قصة قصيرة مترجمة

قصة: جاك ريتشي.

ترجمتها عن الإنجليزية: فوزية خليفي.

 

كنت أقود في حدود السرعة ثمانين، لكن الطريق المنبسط جعلها تبدو أبطأ.

عيون الولد أحمر الشعر، كانت مشعّة وربما متوحشة قليلا، وهو يستمع إلى صوت المذياع المنبعث من السيارة، عندما انتهت نشرة الأخبار، أدار مفتاح الصوت إلى الأدنى، ومسح طرفي فمه بيده:

– “لحد الآن، وجدوا سبعة من ضحاياه..”.

رفعت يدا عن عجلة القيادة، ومسحت مؤخرة رأسي كمحاولة لدرأ بعض التعب…

نظر إليَّ الشاب، وابتسامة جانبية ترتسم على محياه:

– “أنت متوتر من شيء ما؟”

حوّلت نظري إليه: “لا.. ولم قد أكون؟!”

ظلّ مبتسمًا: ” أغلقت الشرطة كل الطرق في حدود الخمسين ميلا المحيطة بالمدينة…!”

– “سمعت ذلك أيضا”

اتسعت ابتسامته أكثر : “هو أذكى من أن يمسكوا به”!!

نظرت إلى حقيبة الظهر التي يحملها:”تسافر بعيدا؟!”

فرفع كتفيه :”لا أدري..!”

الشاب كان أقصر من العادي، و كان جسمه ممتلئا قليلا.. كان يبدو في السابعة عشرة لكن وجه كان طفوليا، قد يكون أكبر بخمس سنوات..

نظر إليّ وبحماس قال : – “هل تساءلت يوماً عن سبب قيامه بذلك؟”

-“لا”، وأبقيت نظري على الطريق..

-“ربما دفعه أحدهم لذلك؛ طول حياته، كان تحت سيطرة من يخبره بما قد يفعل، ثم في إحدى المرات تم الضغط عليه بشدة، فاندفع بعيداً جداً !!”

واحتدت نظرته: “فانفجر حينها..قد يحتمل المرء الكثير لكنه ينفجر في النهاية..!”

رفعت قدمي عن الدوّاسة برفق..

-“لماذا تبطئ السرعة؟!

-” نفد الوقود”، أجبت.

” تلك المحطة التي تظهر لنا هناك، هي الأولى منذ الأربعين ميلاً السابقة، قد تمر أربعون أخرى قبل أن نجد واحدة.”

أوقفت السيارة في المحطة إلى حيث يكون جانبها المناسب أمام مضخة البنزين، جاء رجل عجوز يمشي ببطء.

_” املأ الخزان من فضلك.. وتفقد الزيت”.

الشاب نزل ليتفقد المحطة، كانت بناية صغيرة، وسط حقول القمح الواسعة، كانت النوافذ متسخة بالغبار والدخان، وظهر هاتف حقير على إحدى الجدران.

تبرم الشاب بوقاحة:

“هذا العجوز بطيء جداً، لا أحب الانتظار..”، قال ذلك وهو يراقب العامل الغارق في تفقد زيت محرك السيارة ..

..”لماذا قد يرغب أي أحد في مثل هذا العمر بالحياة! أليس من الأفضل لو مات!؟”

أشعلت سيجارة:”ما كان ليوافقك الرأي باعتقادي..”

أشار الولد إلى الهاتف: “يوجد هاتف هناك…ألا تريد أن تجري اتصالا”؟

-“لا”، وأنا أنفث دخان السيجارة في دوائر من فمي، بينما عاد إليّ العامل العجوز بالمال المتبقي من ثمن خدمته.. أخرج الشاب رأسه من النافذة مخاطبا إياه:

“يجب أن تحصل على مذياع ..يا هذا”

-” لا، فأنا أحب الأمور هادئة من حولي، يا فتى..”

فضحك الشاب: “أنت على حق يا سيد؛ أبق الأمور هادئة، وستعيش طويلاً..” !

على الطريق، أعدت السرعة إلى الثمانين مجددا .. بقينا صامتين لفترة قبل أن ينطق الشاب:

-“يلزمك الكثير من الشجاعة لقتل سبعة أشخاص، هل أمسكت بمسدس في حياتك؟”

نظرت إليه: ” أعتقد أن كل الناس فعلوا ذلك، ولو مرة”. وظهرت أسنانه من بين شفتين لئيمتين:

– “وهل صوّبته نحو أحدهم؟”

فرمقته بصمت ولم أرد… كانت عيناه أكثر بريقا.

– “من الجيّد أن تجعل الناس يخافون منك؛ لا تشعر بأنك قصير أبدا وأنت تحمل مسدسا”

– “بل تصبح أطول من على الأرض”، أجبته..”مادام لا يوجد من يحمل مسدسا غيرك، أيضا !”

-“يتطلب القتل جهدا وجرأة كبيرين..”، ثم أردف قائلا، “أغلب الناس لا يعلمون هذا “!!

-” واحد من الضحايا كان طفلا .. ألديك ما تقول حيال هذا ؟”، سألته.

فلعق شفتيه، وهو يقول:”قد يكون مجرد حادث..”. ثم نظر إلي مستفسرا بخبث:

-” لماذا تظنه قد يقتل طفلا “؟

-” في الواقع من الصعب الجزم.. ربما قتل شخصا ثم آخر وبعد فترة صار لا يهمه من يقتل؛ رجلا، امرأة أو طفلا.. كلهم سواء..”

-” ستنمّي حسا للقتل بعد المرة الأولى؛ ستحب ذلك!”.. ثم صمت لفترة.. ” لن يعثروا أبدا عليه هو أذكى منهم بكثير..!”

نظرت إليه متسائلا..”كيف تعرف هذا..؟ كل البلاد تبحث عنه.. لقد أذاعوا وصفا له في كل المحطات، كل الناس تعرف أوصافه..”

فرفع كتفيه في لامبالاة..”ربما هو لا يكترث؛ يقوم بما عليه القيام به، ثم أن كل الناس تجده شخصا عظيما.”

غطينا حوالي الميل لا نقول كلمة ..

-” أنت سمعت وصفه في الراديو، أليس كذلك؟”

-” بالتأكيد .. في الأسبوع الماضي ..”

فنظر نحوي بفضول:” ولم تخش من ركوبي معك..ألست خائفا؟..”، كانت ابتسامته خفيفة وهو يسأل.

– ” لا.. سأخاف فقط حين يتوجب علي الخوف ..”

أبقى عينيه تحدقان بي ..”أنا أوافق الوصف..!”

نظرت إليه لوهلة: “نعم، صحيح..”

أمامنا لم يكن سوى الطريق الواسع الطويل، لا سهول ولا أشجار، ولا أيّ منزل في مرمى البصر.

– ” أنا أوافق الوصف تماما؛ كل الناس تخشاني.. أحب ذلك. لقد أوقفتني الشرطة حوالي ثلاث مرات في هذا الأسبوع “، قال مبتسما، “حصلت على شهرة بقدر القاتل”.

-” أعلم..وستحصل على أكثر..”

أوقفت السيارة جانبا و نظرت إليه..

“و أنا، ألا تظن أني أوافق الوصف؟!”

“لا، شعرك بني، وهو شعره أحمر، مثلي أنا..”

فابتسمت له: ” و لكن ألا يمكن أن أكون قد صبغته؟؟”

اتسعت عينا الشاب أكثر، حين أدرك أنه سيكون الرقم ثمانية !

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مصحّة فرانز فانون”.. أو الجنون الذي تخلّفه السّياسة في الشّعب

تشرّح رواية “مصحّة فرانز فانون”، لعبد العزيز غرمول، وضعا مزريا للمرحلة الحالية للجزائر، التي لم …

يوم التقيت الكاتب

عمّار لشموت كان من المقرّر أن تبدأ النّدوة على العاشرة صباحًا، في مكتبة الاجتهاد، بشارع …