الخميس، 20 سبتمبر 2018

احذروا التقليد !

البهجة ستيت

لا أعلم صراحة، إن كانت حقوق الملكية العامة مطبّقة أو منصوص عليها على الأقل، ببلدي الجزائر . فقطعا وبالخارج  يحمل هذا الموضوع، وعند عامة الدوّل جدّية قانونية حسّاسة تصل إلى القضاء، وباب التعويضات أيضا.

و ممّا ينصّ عليه القانون الدولي، وخاصة المنشورات، على أنه يمكن للباحثين و المؤلفين و الكتّاب و السيناريست و غيرهم ، الاستشهاد بمعلومات أو مراجع أو حتى أقوال مأثورة من غيرهم ممن سبقوهم من روّاد أو مفكرين أو مؤلفين كانوا أو نتاج علماء بجميع تخصّصات العلوم و الآداب و غيرها شرط أن توضّح بمنشوراتهم. و لا يسمح بإعادة النشر، ولا الترجمة إلاّ بموافقة المؤلف، و إن كان لا يزال على قيد الحياة، أو بالناشر خطيا وموقعّا عليه، كما أن هذا القانون لا يطبّق في هذه الحالة بمرور خمسين سنة على تاريخ النشر ، و إلاّ سيعدو الأمر سرقة أدبية أو فكرية أي ما يسمى “بلاجيا” مجسّدة بعينها.

كما أن باب الاستشهاد و المراجع هام و قطعي، لأي مؤلف كان وبأية مذكرة أو بحث جامعي أو تقرير؛ حيث وجب على مؤلف الكتاب الاستشهاد إجباريا بالمراجع التي استعان بها في بحثه، أو نصوص كتابه لتأتي على شكل ببليوغرافيا مفصّلة بنهاية الكتاب، أو البحث أو حتى المقال ، و كما قرأت حمدا لله لبعض الكتّاب والصحفيين الجزائريين المغتربين بنهاية مقالاتهم على النت ، مشكورين على ذلك!

غير أنّ ما أذهلني ذات مرة، ودفعني الى كتابة نصي ولطم تذمّري للقرّاء، هو ، أنني كنت أتصفّح كتابا طبع منذ أكثر من قرن، وهو عبارة عن نبذة مختصرة لقائد جزائري بارز ، و أميرال بحري، لم نكن نعرف عنه الكثير و نحن طلبة يافعيين.

هذه النبذة كتبها فرنسي في ذلك الوقت، بعد أن بحث طويلا في إيجاد و تجميع أكبر عدد من المعلومات والوقائع، التي جرت بحياة هذا القائد، عوضا عن تلك السجلاّت و التي من المؤكّد باعتقادي أنها لم تصلنا، ولا هي محفوظة عندنا حاليا بالأرشيف الجزائري لحركات الأسطول و الغنائم البحرية آنذاك.

لم يكن تصفّحي لهذا الكتاب فضولا فحسب، بل أيضا هو نيّة مبيّتة لترجمته كما هو ، و هذه ليست بدعاية مسبقة له للعلم هنا؛ فقد رحت أبحث بالنت، لعلني أجد من سبقني لترجمته كما أفعل دائما مع جميع ترجماتي السابقة قبيل الخوض فيها، لأصدم بكتاب نشر بالجزائر من سنوات قريبة، يحمل نفس اسم هذا الكتاب الفرنسي، لكن باختلاف المقدمة، وبعض المحتوى ليس بالكثير ، فالواضح أن صاحب الكتاب قد تفنّن في غرف ما يمكن غرفه من الكتاب الأصلي ونسبه اليه ولاسمه على الغلاف، وبدون أي تأشيرة ولا استشهاد و لا حتى بيبليوغرافيا صغيرة بآخر الكتاب، تسند نصوصه و مصدر معلوماته. بل هناك “قص و لصق” واضح للعيان تماما، و مترجما إلى العربية فقط لا غير ، يحمّل الكاتب وزر عدم بيان مصدر الاستشهاد.

على كل ، و كما يقول الأمريكان :”من يأبه؟” ، فقد يكون جهلا بالقانون وبدراية مقاييس التأليف أو عدم الاكتراث أو اللهث وراء السهل كما هو معروف في بلدنا، ففي غياب الرقابة الفاضح هذا ببلداننا، قد تكون ثلاثة أرباع ما يكتب وينشر فيها مثل هذا و أكثر .

فهم لم يعوّدوننا، بل لم يدرّسوننا يوما عن ما يسمى باحترام ملكية الغير، كقانون، تحكمه عقوبة السجن أو الغرامة؛ وقد نراها و بوضوح تام بسلوكيات شعبنا “الجيمس بوندية” في تكسير الباصات ونتف كراسيها و تحطيم سيارات الغير بمواقفها، وتحطيم زجاج الهواتف العمومية و نهب نقودها البخسة، ولم يسلم قط أبدا وحتى الآن على ما أعتقد ، أي منتزه أو حديقة أو شجرة أو رصيف أو عمود إنارة أو إشارة “قف” أو حتى مكبّ قمامة فاحت رائحتها من الأيدي التي تتآكلها دودة التدمير والتخريب.

إن قانون إحترام ملكية الغير، هو بكل شيء و ليس فقط في استشهاد نصوص بأكملها قد فلت من قانون المنشورات، لأن مرور خمسين سنة على النشر قد ولت ، بيد أن أخلاقية الكتابة و الترجمة و الاستشهاد تفرض على كل مؤلف ذلك . فلنحمد الله و نشكر فضله على أن معظم الأجانب من المهتمين بتاريخ الجزائر ليسوا متمكنّين من اللغة العربية و إلاّ لكان حرجا لا يمكن وصفه فعلا في هذا الجرم الفكري .

إن تأليف كتاب هو أمر صعب للغاية و ترجمته مسؤولية أصعب منه أيضا ، يجبرهما الالتزام بمعايير التأليف و البيبليوغرافيا، فقد تقلّد أفكار البرامج و الألعاب على القنوات، هذا التقليد و التي تشتهر بها خاصة دولة عربية شقيقة كأول من بادر بذلك  كبرنامجها مثلا “من سيربح المليون” و غيره . لكن تقليد فكرة البرنامج ليست بتلك الفظاعة التي يحملها كتاب ثلاثة أرباعه ترجمت من كتاب آخر، ولم تؤشر بأدنى تأشيرة أو إيضاح أو حتى ملحوظة على أنها مستشهدة من كتابها الأصلي .

سيلزمني الكثير من الوقت الآن لاستيعاب ما يحصل هناك فعلا.

مونتريال –كندا-

23 جوان 2018

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيت الشعر الجزائري: ما يُقال وما لا يُقال

رشيد عبد الرحمان جاء بيت الشعر الجزائري بعد موات حقيقي تعرفه الساحة الثقافية في الجزائر؛ …

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …