الخميس، 20 سبتمبر 2018

أمين معلوف.. فلسفة الحرب في فلسفة الأدب

رفقة رعد خليل

أمين معلوف

لكلّ كاتب خزانته الخاصّة من الذّكريات، التي يجمع فيها كلّ ما اختبره يوماً، كي يتسنّى له أن يكتب عنه لا لأجل أن يطلعنا على فترة زمنية ماضية بإحداثها، بل لكي يفرغ بعضا من خزانته عندما تضيق بأشيائها، ولربما تراكمات أشياء الحرب عند أمين معلوف جعلته يهدينا هذه الرواية في رومانسيات الحرب.

أمين معلوف ذلك التّائه يخاطب التائهين “نحن”، جاعلا من أول مسببات الحروب ونتائجها هو التّيه في هذا العالم. نعم يبقى الإنسان تائها دون وطن وإن كانت له أرض تلقفه، وتحتضنه ليبدع فيها، فكلّ البدايات هي أوطان وما يصيبها يصيب كلّ النّهايات.

بعض الحروب التي نعلمها ونعلم أسبابها تكون معلومة نتائجها ومعلومة إنجازاتها، لكن هناك حرب من نوع آخر قدمّها لنا أمين معلوف، حروب تبدأ مع الرّصاصات الفارغة عندما نبدأ بجمعها لنعلم حجم خساراتنا، حروب شعوب الدّاخل الشاهدين مع شعوب الخارج المراقبين، ذلك التّأنيب المستمر من كلا الطرفيين، طرف يدّعي أفضليته على طرف، نزاعات لا تنتهي، كلما سنحت الفرصة سيكون هناك حوار يجمعهما للتفريغ، جدال طويل كلما رفعت سماعة الهاتف وقرأت رسالة تصلك وجدت فيها من يقول: “يقولون في البلد أنك رحلت الى غير رجعة…”.

صراع وحروب بين أنتم والنحن، دون أن يدرك الحق إلى أي جهة سوف يميل، فلكل منهما حقّه في الدّفاع عن قراره وإعطاء شرعية لأفعاله.

كان هذا النّوع من الحروب عادلا بشكل منصف، وعدالته تعطيه الشرعية لحدوثه، (أنتم أو نحن) كلانا تعادلنا في نصيبنا من الأذى، كلانا تشابهنا مهما اختلفنا. تائهون في وطن. فكأننا نثبت وجودنا بجدل الحرب الكلامية المشروعة، وهذا ربما كل ما تبقى لنا بعد أن تعبت فوهات الأسلحة.

لم تكن هناك حرب مشروعة أبداً لدى أمين معلوف غير حرب الحوارات الصّريحة بين الأصدقاء، كان نزاع على الضحك أكثر من كونه حرب. بل هو نزاع داخلي يحرك ماءنا الراكد، مشاكسات إن لم نستعدها في كبرنا لن نستعد كل الذكريات، فيستنزف الحوار كلّ أشكال الفنون من الإصغاء إلى المحادثة، ومن تأكيد الذات إلى توضيح الحقائق والسّرد التاريخي لسيرة حياة قد مضى نصفها.

الصّراع الداخلي الذي مرّ به كلّ أبطال الرواية يقوم على قاعدة واحدة مشتركة بين الجميع، هي السّعي لتبرير صواب الأفعال، فهل خروجي من البلد كان صواباً، وهل بقائي به صواب؟ كان صراعا من أجل خلق موازنة نفسية تريح الضمير وتجعل من الكفتين متعادلتين أمام الوطن. فنحن نبقى نشك في قرارتنا حتى بعد أن نتخذها، ونعيش في كنفها طالما نجد من يواجهنا بها ويشكك فيها.

إن شعوب الداخل لم يروا الأحداث من خارج إطارها، لذلك اختلفت مسمياتها، فكما وصفها أمين معلوف على لسان سميراميس “الاشخاص الذين عاشوا هنا طوال تلك السنوات لا يقولون أبداً الحرب. إنهم يقولون الأحداث. وليس فقط لتجنب الكلمة المخيفة. حاولا أن تطرحا السؤال على أحدهم بشأن الحرب سيسألكما ببراءة: أي حرب؟”. نعم هي مجموعة أحداث، حيث تتحوّل الحرب إلى حدث يومي جزء من الـ 24 ساعة من زمن الوطن، لأن يوم الوطن هو زمن يتخلله كم هائل من الأحداث التي لا يسعفنا أحياناً أن نجمعها بنشرة أخبار واحدة، فنهملها لننتظر حرب اليوم الثاني أو حدث الغد إن كان فيها شيء يسعفنا.

زمن الحرب هو زمن الحياة التي شاءت الأقدار أن تكون لشعب ما، فنجد تاريخ الفرد فيه، تاريخ حرب، إن هذا المزيج الغريب نجد فيه كل تفاصيل العيش والحياة اليومية بطعم الحرب، هي طريقة عيش أخرى لشعوب مميّزة ترفض أن تتخلى عن تقليد العيش في جلباب الحرب، بل إن تكوينها البيولوجي أصبحت جيناته مختلفة لربما إن فحصناها لوجدنا فيه جينات اسمها الحرب.

الحرب عند أمين معلوف إن كان لها نهاية فهي ليست وقف إطلاق النار بل هي إيقاف الحديث عنها، فحين نتوقّف عن سرد قصص الحرب أو توقيت الأشياء والأحداث بزمن الحرب تكون الحرب قد انتهت فعلاً من ذاكرتنا ومن الواقع. لذلك فالتائهون لا تنتهي حروبهم ولا ذاكرتهم، هي تتجدد كلما تجذر التيه فيهم أكثر، أو عادوا إلى مواطنهم الأولى ينقبون في درج مكتبهم القديم.

كل من قرأ الرواية سيعلم أن المحرك الأساسي فيها كان الحرب، فاخذت طبيعتها الجوهرية في ثنايا الرواية، وجاءت أبعادها متنوعة بين القباحة أو الجمال أو الأخلاق ويبقى البعد السياسي معروف بمجهوليته، فغالباً ما تكون الحروب مجهولة الأسباب، لا تجعلنا نعلم من أول من ضغط على الزناد، لكننا نعلم ما يحدث بعد ذلك، لأن الصّورة تكون أوضح، والرؤية تكون ظاهرة أكثر من بواطنها، وفي النّهاية لن تصير أي بداية مهمة.

وهذا ما يجعلنا نلقي نظرة عن كثب لهذه الحرب وأخلاقها، لنكشف عن قيم لا تختفي وإن كان وحش الحرب يضع بين فكيه الوطن، قيم الفضيلة الحقيقية وما تعتبر فضيلة أحياناً.

وليس بغريب أن اعتبر أرسطو كلّ وسط فضيلة، فهو الاعتدال وهذا الاعتدال ملموس ضمن الحرب، عندما نجد فئات من الشّعب تقف على الحياد من كلّ ما يجري، أو أفراد فضّلوا الانتحار على المشاركة في القتل، أو فضلوا الهروب، وبعضهم فضل البقاء والمشاهدة، والبعض الآخر فضّل المشاركة إلى الأخير، والبعض إلى المنتصف، لكل جهة من الحرب كانت لها أخلاقياتها التي تتعامل بها، لكل طرف فضيلته التي يتعامل بها، مجرم كان أم بريء، فمصطلح الأخلاق اأصبح نسبي عندما بدأت كل القيم تكتسب صفة الجمال والقبح، اعتماداً على تبرير الفاعل وقدرته على الاقناع، فيغلف القبيح جمالاً ويغلف الجمال قبحاً.

غلاف الرّواية

كأن بعض من شعوب الداخل يكونون قيمهم وفق معاييرهم التي تعتبر في نهاية المطاف فضيلة، بينما يبقى شعوب الخارج بعيدين عن هكذا فضيلة تستدعي أن نضع أيدينا بيد القتلة، كي نحمي الوطن أو لنقل نحافظ على بقاياه، فالفضيلة الحربية لشعوب الدّاخل تعني شجاعة البقاء داخل الوطن والمحافظة على رصانتهِ قدر الإمكان وبكل السبل الممكنة، بينما الفضيلة الحربية لشعوب الخارج هي الهروب باتجاه الكون لتبقى أيدينا بمعزل عن الدم والمال الحرام.

وهذا ما أخذ بقيم الخير والشّر أن تكون نسبية أيضاً بينهم، وأخذ الخير يختلط بالشر والشر يختلط بالخير وأخذ الانتحار فعل شر بينما قتل رهينة فعل خير، وإطلاق سراح رهينة خير وموت الابناء شر، وهكذا تفقد الحرب أخلاقها وتفقد الأخلاق قيّمها وسط الحرب، عندما كانت للحرب أخلاق واحدة تتكشف في المعارك المفتوحة، في أرض المعركة، في المواجهة عندما يكون عدوي أمام عيني لا خلفي.

هنا لا يبقى للحرب غير قبحها المستشري في كل زوايا الإنسان والوطن، ولكن لا وجود للقبح إلا بوجود الجمال ولربما كان للحرب من جمال في التائهون، نجده في التناقض، فيحنما كانت الحرب تطحن رحى الطوائف، كان في جهة اخرى كل الطوائف أصدقاء، يجمعهم زمن الحرب بروابط أخوية اجتمعوا على أساسها وتفرقوا دون فقدانها، كلاً منهم متعلق بها ويأخذ بحذر عدم الفهم، لأن سوء فهم العقول من سوء فهم الحرب، فكان الكل متفق على ماضيه ومتصالح مع مستقبله كرد فعل على كل ما يجري.

ولربما كان جمال الحرب بالحزن ذلك الجوهر الذي لا يسعفنا فهم السعادة بدونه، والحزن الفاعل الذي يجعلنا أكثر رغبة في الخروج من المأزق وإنجاز شيء لأنفسنا، كانت قنبلة واحدة سبب في لملمة الحزن عند سميراميس لتبدأ من جديد، الحرب تحولنا من كائن لا يعرف إلى كائن يعرف ان الموت بات حقيقي اكثر، وعلينا ان نتدارك الوقت لترك ما يذكر الناس بنا، كأن الذكرى دليل على وجودنا في هذا العالم وإلا لما نوجد اذا لم يذكر اسمائنا احد بعد الرحيل.

“لقد قتله الأدب، كان ابطاله اورويل وهمنغواي ومالرو، الادباء المقاتلين في الحرب الاسبانية، كانوا مرجعيتهِ، ونموذجهِ العليا”، هل فعلاً يمكن للأدب ان يقتلنا؟ لربما تكون الاجابة نعم اذا ما كان للحرب من أدب، والذي اذا ما اردنا احصاه فعلينا البدء مبكراً من التاريخ. ولكل حرب اديبها بالمقابل فهناك اديب مقاتل كتب عن ما قاتل من اجله أو ضده، وهناك اديب حالم قاتل ولم يكتب بالنهاية. كانت قصص الحرب يتناسب عددها مع قصص السلم هذا ان لم يفوق عددها. ادب الحرب قاتل بجدارة يخلق تلك الحماسة لدرء الظلم والعدوان، ولا يدرك قارئ الكتاب الا واخذته الحمية لفعل الحرب في مدن تخصه ام تخص غيره، وهذا ما يفسر احتفاظ المدينة الفاضلة أو الجمهورية لافلاطون بادبيات الحرب وتعليمها للاطفال فمن شب على شيء شاب عليه ونحن شبنا على الحرب، وبالتالي ادبنا نتاجنا ونحن نتاج منه، مقاتلنا اديب، ورواياتنا قاصفات لكل مواطن الملل، حينما تحكي عن بطولات بعد مدة تكون وهمية عندما يموت البطل.

فإي عدالة تحققها الحرب، عدا عدالتها الكامنة في مساواتها بين الجنسيين، أليس اليوم هناك نزاع كبير على سلطة الانوثة والذكورة في مجتمعات تنادي بالمساواة، هذه هي الحرب تساوي بين الجميع دون استثناء الجنس، تأكل المعارك الرجال والنساء تأكلهم بسرعة أو ببطئ لا فرق ففي النهاية الكل حطب لنار مستعرة.

هنا الحرب في رواية التائهون كانت مصدر لكل الاضداد، فرأينا الحب والكره، الغضب والتسامح، الشرف والفساد، الموت والحياة، التشبث والهروب. كل هذه التناقضات هي ما يمكن ان نسميه عمر الحرب، لانها تختزل كل المعاكسات في زمن قصير، فتجعلنا نشاهد ونشهد بدايات ونهايات سريعة لكل الاشياء إلى ان نبلغ مرحلة تفقد الأشياء قيمتها وطعمها الذي يسعى الإنسان العادي لتذوقه طوال حياته، وهذا ما أوصله لنا امين معلوف بطريقة غير مباشرة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مصحّة فرانز فانون”.. أو الجنون الذي تخلّفه السّياسة في الشّعب

تشرّح رواية “مصحّة فرانز فانون”، لعبد العزيز غرمول، وضعا مزريا للمرحلة الحالية للجزائر، التي لم …

يوم التقيت الكاتب

عمّار لشموت كان من المقرّر أن تبدأ النّدوة على العاشرة صباحًا، في مكتبة الاجتهاد، بشارع …