الخميس، 20 سبتمبر 2018

ثلجة: لالي يمّا لالي.. ليلة عرسي، لعبولي برأسي!

جلال الدّين سماعن

ثلجة

استخبار

«لماذا تغني النّساء دائمًا أغان حزينة في ليلة الزّفاف؟»

شمس التبريزي

في ظلّ الغياب/التّغييب شبه التّام للدراسات السوسيولوجية، بل ازدراء التّخصص وأهله، بشكل غير معقول، يمكن الاستعانة بسماع الأغاني الفلكلورية (الفلكلور Folklore، بالمناسبة، كلمة إيجابية جدًا ظهرت في أربعينيات القرن التاسع عشر وكان يُقصد بها: علم دراسة تقاليد الشعوب! ظهرت كنتيجة للنّزوح الريفي نحو المدن، بسبب الثورة الصّناعية مع ما صاحبه من بداية اندثار عادات، أغاني وتقاليد أهل الأرياف) كوسيلة ناجعة تساعدنا على فهم المجتمعات والأفراد المشكلّين لها.

لهذا، يعتبر الريبيرتوار الغنائي السطايفي وسيلة فعّالة لدراسة ومعرفة تاريخ المنطقة؛ نفسيتها، آلامها وآمالها.

بعيدًا عن الرقص وهزّ البطن، الذي يثيره عادة هذا النوع من الغناء(وهو حقٌ مشروع باعتبار أن الرقص أيضًا كتابة من نوع آخر، بل وضعه نيتشه كشرط وجّب توفره في الربّ الذي يُؤمن به)، قليلون هم أولئك الذين يتمعنّون في سؤال كلمات الأغاني، في فهمها وتأويل ما تخفيه من رسائل ودروس. بالفعل، هو رافد غنيّ يحمل بين طيّاته ذاكرة شعب بأكمله، يروي سيرته ويحافظ على ثقافته، حكمه ومحكياته.

ثلجة وقصيدة الصّبر!

تُعتبر ثلجة واحدة من أشهر مغنيات الشرق الجزائري. كما أن أغنيتها “لالي لالي يمّا لالي” تعتبر الأشهر على الإطلاق. شهرة تكون قد اكتسبتها على المستوى الوطني بفضل الفيلم التحفة “كحلة وبيضاء” والذي في أحد مقاطعه يقوم الممثل “كاماتشو” بدندنة مقطع منه وبطريقة مذهلة تعكس واقعه المأساوي: “[…] ما صبت دوايا يا ربي لاه.. راقد في فراشي، الدمعة جراية، يا ربي لاه…”.

أغنية ثلجة نشيد حزين شبه أبديّ، هو صرخة كل نساء الحقبة التي عاشتها وما زالت الكثيرات يعشن نفس الوضع. تقول في مطلعها:

“لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي.

صبرت صبرت لمّيمة يامّا،

ما صبت دوايا يا ربّي واه،

ما صبت دوايا راقدة في فراشي،

الدمعة جراية يا ربّي واه!”

“الصبر مفتاح الفرج”، هو من أول الأمثلة التي يتعلّمها الأطفال في المدارس. غير أن المعنيّ الأول به هن الإناث أكثر من الذكور وذلك بسبب ما ينتظرهن في مقبل الأيام. ربما تفطنت ثلجة لهذا المثل وهي في طاولة المدرسة وارتأت بعد ذلك بسنوات أن يكون بداية أروع أغانيها حديث عن الصبر.. صبر طويل تعيشه هي وغيرها من بنات حواء أثناء رحلة بحثهن عن دواء يشفي دائهن.

لم تحدّد الدّاء لأنها تعلم بأن المستمع يدرك القائمة اللامتناهية للأمراض التي تنخر جسد كل أنثى رمت بها أرحام الأقدار في هذا الجزء التّعيس من المعمورة… ثم وبعد شبه يأس من العثور على الدواء، لا تملك ثلجة/المرأة إلا متنفسًا واحدًا وهو الانخراط في بكاء شبه يومي.

“يا سيدي الخيّر لمّيمة يامّا،

سيسانك رابو يا ربي واه،

سيسانك رابو، عودات سطيف،

في صغرهم شابو يا ربّي واه!”

الاستعانة بالأولياء عادة شبه نسائية محضة متوارثة جيلا عن جيل. اندثرت تدريجيا وبخاصة إبان العشرية السّوداء (1990-2000)، لكنها بقيت حاضرة ولو بشكل خفيّ وقليل جدًا في بعض المناطق.

“سيدي الخيّر” هو حامي عرين ولاية سطيف ولا يخلو أيّ حديث عن هذه الولاية من ذكره بصحبة عشيقته السرية، النصرانية “عين الفوارة” (بعكس السائد أثناء مباريات وفاق سطيف ضدّ شبيبة بجاية حين يغني أنصار النسر السطايفي: “سيدي الخير نكح يمّا قوراية”). تلجأ إليه النسوة تقرّبا إلى السّماء، يسألنه الوساطة في شؤون حياتهن ومشاكلهن التي لا حصر لها. غير أنّه وفي الأغنية تصريح ببداية فقدان الثّقة فيه.

“تهدمت قواعدك”، هو عتاب لوليّ لم يعد يؤدي خدمته كسالف عهده، لم تعد بركته تنفع أمام مجتمع موغل في الباتراركية والماشيسم. نسبة العنوسة في تزايد رهيب، الطلاق أيضا.. وشباب سطيف الذين كانوا أشبه بالخيل القوية أنهكهم الزمن الاشتراكي، الديكتاتورية البومدينية، ثم لاحقا البهلولية الشاذلية والميلتيفيزيون تاع الألفية الجديدة. اشتعل رأسهم شيبا وهم في مقتبل العمر، شيب ولدّه تفكير زائد وخوف من مستقبل لا يبشر بخير.

“أي دمعة عيني لمّيمة يامّا،

باردة وتڨرس لمّيمة واه،

باردة وتڨرس هاذي لخبار،

خويا عرّس، لمّيمة واه”.

هذا المقطع من الأغنية يذكّر القارئ الكريم لا محالة بمسرحية “أنت خويا وأنا شكون؟” وهو عمل يُعالج العلاقة التي تربط الأخ بأخته في المجتمع الجزائري بصفة خاصة والمجتمع المدعو عربي – زعمة – إسلامي بصفة عامّة. علاقة مبنية على تسلّط الذّكر على أخته عوض أن يكون لها سندًا ومدعمًا.

بالرغم من ذلك، لا تبدي الأخت أدنى حقد تجاه أخيها. كغيرها من النسوة، تمتلك قدرة خارقة على “التناسي” ويكفي مشاهدتها وهي تغسل ملابس أخيها، تعد له الطّعام وتحرس باستمرار وبتفانٍ تام على راحته. وفاء يبلغ ذروته حين زفاف الأخ أين تبذل الأخت أقصى ما تستطيع ليكون زواج ابن أمها في المستوى وأجمل ذكرى في حياته. تفعل ذلك الأخت متناسية عدم اكتراث هذا الأخ يوم زواجها هي، متناسية أيضا بأن هذه الزوجة قد تتحوّل بعد العرس بقليل إلى شبه عدوة والدّم للركبة..

“يا ليلة عرسي لمّيمة يامّا،

ليلة عرسي يا ربي واه،

ليلة عرسي عڨبوها بيا،

لعبولي برأسي يا ربّي واه”

ثم “يفرج ربي” وتتزوج بطريقة أو أخرى هذه المرأة. في الغالب الأعم، هو زواج متفّق عليه مع سبق الإصرار والترصد، لا يتم حتى استشارتها فيه. ترضخ للأمر الواقع على أمل أن يكون هذا النصيب/المكتوب/المكادني فأل خير لها ولما تبقى من عمرها. إلا أن عقبة أخرى تنتظر هذه المرأة وتتمثل في ظاهرتي الحسد والسّحر اللّذين تتعرض لهما.

تكثر أقاويل الأهل والعقارب، تحاول بعضهن التأثير على العريس ليغيّر رأيه وتذهب أخريات بعيدًا حين يستعنّ بالسحرة والمشعوذين من أجل فسخ الزواج أو تنغيص حياة الزوجة بعد العرس..

“شهود الباطل لمّيمة يامّا،

يا واش قضيتو؟ يا ربّي واه،

يا واش قضيتو؟ يا لفعة خويا،

راني في بيتو يا حليلي واه!

لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي، لالي يمّا لالي”.

غير أن الصبر – مرة أخرى – يأتي أكلّه لا محالة. تفضل ثلجة أن تكون نهاية أغنيتها سعيدة، هابي أندين، غير مكترثة بأفلام وودي آلان ولا بفيلم “امرأتان”. تتغلّب المرأة على أبيها، على أخيها، على حسد بنات عمها وغيرهن من الأرحام وذوي القربى. تنتقل إلى بيت حبيبها وكلها أمل في أن تعيش سعيدة.. وأن تموت حماتها في أقرب وقت ممكن!

يُتبع

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشّاب نصرو.. سلطان على عرش الأغنية العاطفية

«من لوس أنجليس إلى وهران»، هكذا يفتتح الشّاب نصرو أغانيه؛ سنوات الغربة الطّويلة في بلاد …

وأخيرًا.. الشاب نصرو يعود إلى الجزائر

من المنتظر أن يعود مطرب الراي الشاب نصرو، إلى الجزائر، هذا الثلاثاء العاشر من افريل …