الأربعاء، 15 أغسطس 2018

اللغة اللقيطة.. لغة من لا لغة له

         البهجة ستيت

 

 

 

 

 

      

 

 

أصبح من أكثر ما يؤرقني و يضيق نفسي لمنظرها الآن، وأنا أتصفّح الفايسبوك أو غيره من المواقع ، بل و حتى جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي رؤية هذه اللغة، و لا أقول قراءتها لأنني قطعا لا أحسنها، إنها لغة العصر، ذلك الاختراع “الجراندايزري” الجبّار!…”الفرنكو ألجرين!!!” .

هذه اللغة اللقيطة للتواصل، هي كتابات أهل بلدي و ما جاورهم – و على المقيمين خارجها مراعاة فرق التوقيت !–في عصرنا الحالي و التي من الظاهر قد اخترعتها و فرضتها أجيال التسعينيات، وأسموها و كتبوها بل و سجّلوها بالشهر العقاري أيضا!

لماذا أصبح كل هذا اللهث وراء السهل و التساهل، هو الأمر الشائع القوي، ولماذا لم يعد الناس يطيقون صبرا للتفوّق والنجاح، ولو بكتابة فقرة صحيحة قصيرة. فأنا لم أصادف بحياتي حتى الآن أقبح من هذه اللغة العقيمة، الرادمة للفكر و العلم و المطالعة ، تبعد الطالب عن العلم أو الإنسان مهما كانت مكانته ، من مرافقة كتاب و قراءته و فهمه .

حروفها لاتينية و معناها دارجي عام، تتخللها أرقام تسدّ  بشناعة ما بقي من حطام التفكير لدى دماغ الإنسان ، هذه اللغة – وما هي بلغة في الأساس – و التي أصبح الكل “يصوصو” بها للتواصل في الطالع و في النازل، سواء في تعليق يقال أو جملة أو خطاب أو حتى رسالة إلكترونية، إلّا من رحم ربّي من أهل العلم و الأدب، لتأتي تداخلاتهم الأدبية الصحيحة كقطرات الغيث في عشية صيف أهلكها القرّ.

لم نعهد قط بأجيالنا، ومن سبقنا بسنوات دراستنا و تخرّجنا و حتى أعمالنا، كل هذا الكسل و الخمول في كتابة جملة صحيحة، بلغة أدبية جميلة، تنير العقل و ترتقي بالفكر و تحافظ على توازن مستوى علم الناس .

لماذا عليّ دفع ثمن اجتهادي الدراسي رخيصا لأجيب خطاب أحدهم – و إن نجحت في فكّ رموزه  – فشل أن يكمل تعليمه، أو يتقن كتابة جملة مفيدة لغوية نثرية صحيحة؟

هذه اللغة اللعينة، و التي تتنامى بسرعة كطحالب البكتيريا، و تقويّ  شوكتها لتطال جميع المستويات الآن …هي من ستنازع اليوم لا محالة، لتخلق تلك الفجوة العميقة في التواصل، بين الأجيال الدّارسة المتعلّمة و تلك الأجيال التائهة الضائعة.

الى غاية الماضي القريب، لا أزال أتذكّر عيوننا وهي تبرق و تتّسع فرحا عند ثناء أستاذ لغة أدبية علينا، و نحن نجتهد و نتسابق بين بعضنا البعض في كتابة أسطر إنشاء أو شعر ، جمل متقنة  كانت أو أبيات ناعمة عذبة. و إن كنت أتكلّم عن اللغة العربية الأم، حتى لا أتطرق على استحياء لذكر لغات أكاديمية أخرى ، و التي لم نعد نكاد نقرأها إلاّ من يد جيل يكاد من سن الأربعين و ما فوق .

ماذا جرى لشعبنا؟ و ماذا يجري لهذه الأجيال؟…و إلى أين؟

أذكر مرة أنني غفوت لبرهة، بمطار أمستردام الدولي، آتية في رحلة طويلة من أبو ظبي إلى مونتريال؛ و عندما استفقت وجدت نفسي محاطة في قاعة الانتظار، بجمع من الأجانب جالسين يقرؤون!! …التفتّ يمينا و شمالا ، الكل يحمل كتابا و يقرأ … تعجّبت في أنه لا وجود لمحمول أو كمبيوترا، لعليّ ألمحه بيد أحدهم ، أدركت بعدها أنها لحظة سفرهم و لا يوجد أنيس أكثر وفاءً، و لا يوجد وقت أكثر فرصا من قراءة كتاب!

فهؤلاء الناس لا يزالون يواظبون على دور المكتبات و أسواق الكتب، و معارض بيعها بنهم شديد ، كما هو ظاهر دائما أنهم يبحثون بشغف، عن كتاب يشبع عقولهم و يغذي فكرهم ، و من هنا تنبثق اللغة الصحيحة، نحوا وصرفا و سياقا، لتتوطّد بعقل الإنسان ليكتبها كتابة، و كما اتفقت عليه أكاديمية اللغات و العلوم على أنها لغة أكاديمية صحيحة .

ثم ليعود مكوك أفكاري لأتذكّر لحظة شتمي، و بأرذل الأوصاف على الفايس بوك، لأنني تجرأت و بتهذيب على تصحيح كلمة “صبحان” إلى صحيحها “سبحان”؛  و هو وصف معروف نردّده على الدوام للخالق، الله عز وجل؛ وهي كلمة ذكرها في كتابه الكريم بحرف السين ، ناصحة صاحب الصفحة، بالمطالعة باللغة العربية أو الإكثار من قراءة القرآن، لأنها ستفيده كثيرا هنا بالخارج … جاءني الردّ على الطريقة الجزائرية المعروفة، و المعتادة على الشتم، بكلمات فرنسية مكسّرة يليها لغته “الفرانكو ألجرين”، يجعجع بها تافه قتله الغرور الكاذب، لفتحه صفحة مجانية، يتحكّم بها و بجدارة غيره ، لن يستطع دفع ثمنها من جيبه و إن طلب منه ذلك .

في الأخير ، لا تقطّب حاجبيك أيّها القارئ العزيز ، فأنا فقط كنت أحدّثك هنا عن جيل الخيبة ، جيل الإحباط ، أبو حالة نفسية …تحصيله التعليمي : “أنا بضيع ..يا وديع!!” .

—–

مونتريال – كندا- 12 جوان 2018

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …