الأربعاء، 15 أغسطس 2018

بيت الشعر الجزائري: ما يُقال وما لا يُقال

رشيد عبد الرحمان

جاء بيت الشعر الجزائري بعد موات حقيقي تعرفه الساحة الثقافية في الجزائر؛ جاء بعد أن نفدت الأموال والدعائم، وروح القتال الثقافي الذي طبع المشهد على مدى السنوات الأخيرة.. عرفنا فيه العلو والسقوط والرداءة والإبداع.. وعرفنا فيه ثلاثة وزراء تباينوا في رسم السياسة الثقافية ومعالجتها كل حسب طريقته وهواه، وكل يقول حين تسأله: ماذا فعلتم بالثقافة؟ بأنهم: طبقوا سياسة دولة بمنحها ما يمكن من إمكانيات وموارد بشرية ومادية، ولكنها اليوم دخلت إلى غرف الإنعاش وهذا ما هو حاصل الآن.

جاء بيت الشعر الجزائري بشخصين كل ما قرأنا في الإعلانات عليهما يقال لنا: “شاعران كبيران”. أحداهما لا يستعمل صفة الشاعر إلا عرضا، بل يفضل عليها صفة الدكتور. والآخر كان موجودا في الشعر بصيغة الماضي، ولم يخرج من صفة “كان”. مع تأسيسهما للبيت، حرصا على أن تنظيمه بشكل جيّد، لكي يكون جزائريا بامتياز، فلا بد أن يغطي 48 ولاية حتى لا يقال أنهما لا يهتمان بعمق الجزائر عكس الجمعيات الأخرى المنكفئة على محليتها. فهما يجوبان الآن الجزائر طولا وعرضا، في حالة استعراض كبيرة مدعومة بأخبار توثق التنقلات والزيارات والصوّر معظمها ينشر في “المسبح الأزرق”. مع تغطيات روتينية تقوم بها بعض وسائل الإعلام، كأحد مهامها الصحفية، يجمعون شتات شعراء ينشطون غالبا في “المسبح الأزرق” أكثر مما قرأنا لهم، من مجاميع  أو حضور لافت في الحياة الثقافية عامة، ويهيكلونهم في فروع، ويتركون لهم حرية العمل مع استشاراتهم في كل كبيرة وصغيرة.

جاء بيت الشعر الجزائري وأخشوشن الشعر وأصبح ذكوريا بشكل فاضح. فمنذ البداية والتركيبة الأساسية لهيكله يطغى عليه الذكور.. ويا.. لهم من ذكور !!.. هذا ربما ما جعل نشطاء آخرين يؤسسون حركة أخرى تقودها شاعرة ردا على ذكورية واضحة مهيمنة على بيت الشعر الجزائري. فماذا يمكن أن يقدم كإضافة نوعية لواقع أصلا لا يؤمن بالثقافة بله بالشعر؟

الصفات المربكة للمؤسّسين

هل يمتلك الشاعران الكبيران حلولا سحرية قد تقودهما إلى وضع الشعر في مقدمة الاهتمامات؟ وهل يمتلكان حقا خططا واضحة، مع العلم أن العمل الجمعوي مثلما هو معروف، يحتاج إلى الكثير من الحيوية والحركة وبعد نظر؟ وهل سيحدث لبيت الشعر الجزائري النكوص والتراجع، بعد حمية وفورة طبعت بداياته، ومثلما حدث للكثير من الجمعيات التي فشلت في ترقية الفعل الثقافي والنهوض به؟ لا ندري سيبقى السؤال معلقا حتى نرى نتائج ما يقومان به؟

ولكن لنعد قليلا إلى خلفيات كليهما، لنتعرف عليهما عن قرب فأحداهما ونعني به الدكتور، كان قبل أن يظهر إلى العلن مستشارا في إحدى الوزارات، ولم يعرف أي أحد إلى الآن، ماذا كنت مهمته بالأصل في وزارة تعنى بشؤون المرأة والأسرة؟ وفي أوقات فراغه يقتنص الفرص، لحضور مهرجانات شعرية عالمية بشكل سرّي، ولا أحد يعرف أيضا كيف يشارك فيها؟ وما هي الطرق التي يستعملها للحضور؟ اللهم إلا مراسلات وإلحاح متكرر من لدنه للحضور عديد مرات وبشكل مكرر لهذه المهرجانات، وكأنه الشاعر الوحيد في الجزائر.. بل يضيف البعض سؤال عريض: ماذا قدم بمشاركته هذه للجزائر؟

أما الثاني فقد تقلب في عديد مناصب وزارة الثقافة، كأحد مدرائها بعد تجربة في قطاع الإعلام في الحزب الواحد. وعمّـر لسنوات طويلة في منصب مدير الثقافة حتى إحالته على التقاعد، أو إقالته حسب العارفين بشؤون القطاع، بعد ورود العديد من التقرير السلبية بشأنه، دون الدخول في التفاصيل..

ميزة مؤسسي بيت الشعر الجزائري نقصد الشاعر والدكتور، هي أنهما تنعما في أحضان الدولة لفترة طويلة، ولم يسمع لهما أي صوت أو حس أو نقد أو تصويب لما تفعله السلطة، وعندما خرجا من النعيم المؤقت، تحولا إلى معارضين شرسين للنظام.

حسنا، هذا ليس مهما، عندما نعلم أن جلّ الذين يخرجون من الباب الضيق للنظام، فمن باب أولى أن يتبدلوا ويتغيروا بدرجة 100 مائة بالمائة. ولحسن الحظ أو لسوئه لا ندري، تمكنوا من خلق مساحات في “المسبح الأزرق” للتنفيس عن غضبهما من النظام الذي لم يرحم نضالهما في سبيل أن يظلا الخادمين الطيّعين.

الدكتور بقدرة قادر أصبح يقود جيشا من المدافعين عن روائي آخر، يعرف له لحد الآن مواقف متذبذبة ومصلحية؛ فهو أيضا تنعم لفترات طويلة في أحضان النظام، ثم يبدل، ثم يعود، ثم يبدل و.. هكذا.. قلنا جيّـش الدكتور القافلة وكان يعتقد أنه سيحقق ضربة حظ، ويعود للفت الانتباه من جديد لشخصه، ولكن فلتت منه المبادرة بدخول أشخاص آخرين أكثر دهاءً، شوشوا عليه أحلامه وأمنياته ثم أنكفأ من جديد، وصب في “المسبح الأزرق” كل غيظه على النظام وغير النظام، ولم يعد يقبل أن يوجه إليه أي نقد فكان يعمد إلى حظر من لا يوافق رأيه.. والحمد لله أن كل هذا يتم بشكل افتراضي، وإلا كانت الكارثة لو كان الأمر حقيقي، سنعود إليه ونكشف كيف أقتنص فكرة تأسيس بيت الشعر الجزائري؟

الشاعر لم يخرج كثيرا من قوقعته، تقاعد، ولم يبق له إلا التلهي في وسط “المسبح الأزرق”.. طبعا كانت له جولة خاطفة للعودة من الصحراء القاحلة للتقاعد. حيث حاول هو وفريق من الكتاب الشباب التخطيط والتنسيق للانقلاب – للأسف لم يكن علميا – على جمعية عتيقة أكل عليها الدهر وشرب. ولكن الفريق تنبه لمناوراته الخفية لترأس الجمعية بعيدا عنهم مع جماعة أخرى، سميت منذ فترات طويلة بالديناصورات. هكذا عرفوا في الوسط الثقافي والإعلامي وهي تسمية المراد منها الشيخوخة، والقدامة، والماضي السحيق، وكل الصفات التي تدل على الموت والجفاف والقحط. قلنا تنبه الفريق للعبة بعدما وصلوا إلى مرحلة من التفاهم، وجربوا أن ينتهجوا سياسة مصالحة، وتفاهم مع المستحوذين على هذه الجمعية في مسرحية هزلية، أخرجها شاعر معروف بمكره ودهائه، وشد الخيوط كلها إليه ثم يطلقها لما تصل الأمور إلى حد معين، أين يوهمك بأن الحقيقة إلى جانبك، لتكتشف بعدها أنه تركك تتلوى في بالون كبير من الهواء..

لنعد إلى شاعرنا.. لم يجد هذا الأخير من ينقذه من تصحره سوى شاعر آخر، لا يقل عنه قدامة ولكنه أكثر رشاقة في القفز والتنطط من مكان إلى مكان، ومن منصب إلى آخر، بفضل لعب سياسي يتقنه حتى ولو كان قذرا للفوز بأي منصب، وهو اليوم يتربع على عرش وزارة كاملة، حنطها بقراراته وسياسته التقشفية وغدت مرتعا للأصحاب والخلان والجهوية المقيتة.. نسج معه خيوط “بيت الشعر الجزائري” السري. حيث يتم كل شيء تحت رعايته. ولا أحد يستطع أن يقول أن جل تحركات الشاعر والدكتور التي أقيمت لتنصيب الفروع، ومع ما تبعها من أنشطة لم تكن تتم تحت إشراف ورعاية هذه الوزارة (الرجوع إلى الأفيشات).

وهذا يعني ببساطة أن المتحكم الحقيقي في “بيت الشعر الجزائري” هو “سيد القصر” ذاك. حيث تربطهم علاقة عضوية، وأخوية منذ غابر الزمان، ولهم تقريبا نفس المسار والرؤية الثقافية والشعرية التي تنبع من نفس المفهوم. وهو على كل حال مفهوم ضد الحرية والحداثة والإبداع، بما أن شعر كليهما إضافة إلى شعر “سيد القصر” لا يخرج عن النمط والنموذج والثبات. ولكن القضية ليست هنا بل القضية فيما تردد وقيل أن “بيت الشعر الجزائري” هو امتداد لبيوتات أخرى يتم تنصيبها هنا وهناك في دول عربية من طرف دولة خليجية. فهل هذه المعلومات صحيحة، أم أنها مجرد حكايا حساد وحاقدين على المبادرين بتأسيسه؟. لو تأملنا في توقيت التأسيس وسهولة الحصول على الاعتماد، والسرعة التي يتم فيها تنصيب الفروع، والتسهيلات التي تقدم من طرف الإدارة لهؤلاء، لقلنا أن هذا الأمر صحيح مئة في المائة، وأن كل شيء مرتب ومخطط كي يكون “بيت الشعر الجزائري” موصولا برعاية الوزارة مباشرة وبرعاية خليجية غير مباشرة.. فالواقع الإداري في الجزائري مع ما يعرفه الجميع من بيروقراطية، يجعل أمر تأسيس أي تنظيم أو جمعية يحتاج إلى وقت طويل جدا جدا..

ضف إلى ذلك التحقيقات الأمنية التي تأخذ وقتا أطول. وإذا وضعنا في الحسبان إن كان الأمر مهما هنا، فالدكتور معروف بمقالاته النارية ولنقل الانتقامية من النظام، لأنه بدأ في كتابتها بعد أن خرج من وزارة المرأة والأسرة بخفي حنين. أما الشاعر فتقارير الوزارة التي كان يشتغل فيها كمدير إداري هي تقارير سلبية. فكيف تمكنوا من الحصول بسهولة على الاعتماد في ظرف قياسي، بينما هناك العشرات من الجمعيات وغيرها تنتظر منذ سنوات. إن لم يكن في الأمر تدخل من “سيد القصر”، والسؤال هو: بأي ثمن؟

سيناريو مرتب لتأسيس بيت الشعر الجزائري

وفكرة تأسيس “بيت الشعر الجزائري” تحتاج إلى أن تروى. وبدون الرجوع إلى التاريخ والماضي سنركز على الحاضر،  وكي لا نغبط حق أحد، وللأمانة التاريخية التي حاول الدكتور إخفاءها ربما عن غير قصد أو بقصد، في مقال نشره في مدونته، فإن أول من نادى لتأسيس بيت الشعر في الجزائر، هو شاعر مغترب، وهو زميل أيضا لكل هؤلاء منذ غابر الأزمنة أيضا. فقد تناهى إلى مسامع المشتغلين بالمجال الثقافي أن هناك من أعطى تعليمات، لكي يتم تنصيب بيت للشعر في كل الدول العربية، وبالفعل فقد تحركت الآلة وتم البدء في تنصيب هذه الفروع. ومع ما تحمله هذه المبادرة من نبل جميل للرفع من شأن الشعر، وتحسين مكانته ضمن منظومة الثقافة العربية، إلا أن الجانب الأكثر إغراء هو ما تمنحه هذه المبادرة من امتيازات ومحفزات كبيرة.

فمع تنصيب أي بيت يتم صرف ميزانية، وتوظيف، وسفريات، ومزايا أخرى يحصل القائمون عليه.. وقد أسال هذا الأمر لعاب البعض منهم، شاعر مخضرم آخر أشرف على تنظيم العديد من الأمسيات في مناسبات عدة، آخرها بمناسبة إحدى التظاهرة الكبرى، أقيل بعدها بعد أن سمح لشعراء من ضفة أخرى بكتابة بيان من أرض الجزائر ضد مصالحها في نزاع معروف، وهو ما أحدث صخبا ورد فعل قوي من طرف الدولة (على كل سنعود بالتفاصيل عن كل هذا وعن مساره في مقالات قادمة). وتم إنهاء مهامه من طرف “سيد القصر” ـ وهو بالمناسبة صديقه منذ أيام الزمن الجميل مثلما يقول ذلك – إنهاؤها بشكل علني ودراماتيكي أمام حضور كثيف للعرب وللجزائريين، وأمام وسائل الإعلام المختلفة..

أنزوى الشاعر بعد هذه الحادثة التي أغضبت “سيد القصر” بعيدا عن الأضواء، وبدأ التفكير في شيء ما قد يعيد إليه هيبته المهانة. جرب التقرب من “سيد القصر” عن طريق الشاعر الماكر الذي أشرنا إليه سابقا. ثم جرب الكتابة ضده، لكنه يمحوه من جداره بمجرد بصيص أمل أو بأمر من الشاعر الماكر. ثم بعث رسائل استجداء خاصة وطلب الغفران منه. ثم أعاد مهاجمته. ثم أستذكره ونشر صوّره معه من “زمنه الجميل”.. ثم .. ثم..، ثم جاءت فكرة تأسيس بيت للشعر في الجزائر. فقد فكر في وضع سيناريست شاعر على رأسه، ولكن بعد تفكير عميق تراجع عن الأمر، ليس لأنه ليس مقتنعا به فهو شاعر متميز، وقد منحه فرص لا يحلم بها أي شخص – حتى أن السيناريست لم يكن يحلم بها – ولكنه تراجع كي لا يقال أنه يفضل أبناء بلدته. ثم فكر في شخص الشاعر الماكر، ولكن هذا الأخير رفض بسبب طموحاته الغامضة (وسنعود أيضا بالتفاصيل عن خبايا هذا الشاعر في مقالات قادمة).

ثم فكر في نفسه، فهو أيضا شاعر، وله مكانة كبيرة في خارطة الثقافة الجزائرية بخاصة والعربية بعامة. فماذا سيفعل بعد أن يتم تنحيته أو تغيّره من على رأس القصر؟ ومع كل المحاولات الحثيثة من جانب الشاعر المهان لم ترتفع عين “سيد القصر” نحوه ورفض تزكيته، وتزكية أي شخص يحاول أن يقترب من هذا الكنز إن بحسن نية أو بسوء نية.. ولم يشأ “سيد القصر” تضيع فرصة تنصيب “بيتا للشعر”. ولم يجد “سيد القصر” إلا صاحبيه وأنتشلهم من غياهب “المسبح الأزرق” ثم كان التأسيس والخروج سريعا إلى العلن وبدء التحرك. فلا يمكن لـ”سيد القصر” أن يسمح بوضع كل الإمكانيات التي وفرها لهما، دون أن تكون النية اللحاق بركب بيوتات الشعر.. ولا يمكن أن يضيع الدكتور والشاعر ما تبقى لهما من العمر، في البحث عن موارد لتمويل الأنشطة والفعاليات. ولا يمكن أن يعمل الشاعر المخضرم مجانا ولوجه الله، وحتى الدكتور غير المؤمن أصلا بصفة الشاعر إلا نادرا، لا يمكن أن يواصل التغني ببيت الشعر الجزائري دون أن تكون عينه على أمور أخرى قد تعيد إليه هيبة مهدورة من نظام أكل من عمره الكثير، ثم كافأه بخروج مشين..

والذي لا يعلمه ربما هذا الأخير الذي تقهقر إلى مرتبة ثانية لصالح الشاعر المخضرم، رغم ما بذله من جهد خارق في الدعاية للبيت، وتجييش شعراء “المسبح الأزرق” وأصدقائه من هنا وهناك، والذين لا يعرفون إلا صورته الظاهرة كونه دكتورا في الإعلام وشاعرا متواضعا، ولم يسمح له “سيد القصر” بترأس “بيت الشعر الجزائري” وهو الذي كان يطمح لها.. الذي لا يعلمه أنه سيخرج مرة أخرى من نافذة “بيت الشعر الجزائري”، مثلما خرج من الباب الضيق لوزارة المرأة والأسرة. فلن يسمح الشاعر المخضرم، ومن ورائه “سيد القصر” بأي حركة مضادة، تخلخل إستراتيجية التبعية أو توجيه أي إشارات ناقدة للنظام، والذي يعرف دواليبه الشاعر المخضرم وهو الذي تربى في حضنه..وهو ما يضمره الدكتور في بعض تحاليله ومقالاته العاصفة، ومرة أخرى نذكر أنها جاءت بعد خروجه من وزارة المرأة والأسرة.

ماذا بعد أن تأسس “بيت الشعر الجزائري”، وتهيكل وأصبح له رعاته ودعاته ومريدوه؟ وأصبح أيضا له أعداؤه من الشعراء الغاضبين والحاقدين والنمّامين على حسب رأي الدكتور؟ هل سيتمكن من قلب المعادلة الثقافية التي أصبحت هالكة وميتة؟ هل ستعيد الشعر إلى عرش الثقافة الجزائرية؟

هذه قصة أخرى ستعرف في أيام مقبلة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جنس جماعي.. وكتب من التراث العربي الإسلامي

بثينة سرمدة يمثّل الجنس الجماعي أحد أهم مرتكزات الايروتكية العربية ، تعود جذوره إلى عصور …

حوار سريع مع عاهرة مثقّفة

بثينة سرمدة التقيت ماريا التي تنحدر من إحدى ولايات الغرب الجزائري، في احدى الشقق المتواجدة …