الأربعاء، 15 أغسطس 2018

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ هكذا يقرّ محمد ديب بأن مارسيل بوا، كان صاحب الفضل في التّقريب بين ما يُكتب بالعربية، وما يُكتب بالفرنسية، في الجزائر المستقلّة. زرناه، قبل 11 سنة، في بيته أو مغارته الأدبية، ودار بيننا هذا الحوار..

مارسيل بوا

أنت من مواليد “لا سافوا”، شرق فرنسا؛ حاصل على شهادة ليسانس في الآداب الكلاسيكية، من جامعة ستراسبورغ، عام 1954. حدّثنا عن بدايات توجّهك إلى اللغة العربية؟
بدأت تعلم العربية في تونس، بالمعهد العالي للدراسات العربية والإسلامية، قبل أن يتم تحويله إلى روما، منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، استجابة لبعض ضروريات دراسة علم اللاهوت. تعلّمت –بداية– اللهجة العربية التونسية. في بداية الستينيات، انتقلت إلى بيروت، حيث اشتغلت مدرساً للغة الفرنسية. في تلك الفترة، تابعت تعلّم العربية برفقة تلاميذي (يضحك!). وصلت إلى الجزائر، عام1961، قصد إدارة  مجلة “المغرب–الشرق الأوسط”.

أذكر أنه تمّ شلّ المسار الدراسي سنة 1962. أُجّلت دورة البكالوريا، إلى شهر سبتمبر. مما سمح لي بالتحضير للامتحانات جيدًا خلال فصل الصّيف. نجحت في الحصول على البكالوريا والتحقت بمعهد اللغة العربية، بجامعة الجزائر. تخرّجت منها بشهادة الليسانس عام 1968.

إذاً علم اللاهوت أوصلك إلى العربية؟
ليس تماماً. أنا لم أكن مضطراً يوماً للقيام بفعل ما؛ إنما هو اختيار، وأنا اخترت تعلّم اللغة العربية.

هل تتذكّر السّنوات الأولى من وصولك إلى الجزائر؟

(يصمت قليلاً!).. أذكر أشياءً كثيرة. كان زمناً جميلاً. أما اليوم فلم يتبق سوى الذكريات. أذكر نهاية الستينيات، حين عملت في منصب أستاذ مستخلف، في ثانوية بن عكنون، مكان أستاذة خرجت في إجازة أمومة (يضحك!). أذكر ثانوية المقراني، حيث التقيت، لأوّل مرة، بالصديق عبد الله المازوني، صاحب الكتاب المهم “الثقافة والتّعليم في الجزائر وفي المغرب العربي”(ماسبيرو، 1969). كان رجلاً رائعاً. من أفضل مزدوجي اللغة الذين عرفتهم الجزائر. يجيد العربية والفرنسية بإتقان. لا يجب أن ننسى مجهودات هذا الرّجل في تطوير الفعل الثقافي والفكر الحداثي في الجزائر. عبد الله المازوني هو من عرّفني على عبد الحميد بن هدوقة. هو من نصحني بمطالعة “ريح الجنوب”، التي كانت ثاني رواية أطالعها باللغة العربية، بعد رواية “سارق الأوتوبيس” لإحسان عبد القدوس.

ريح الجنوب

قرأت “ريح الجنوب” ثم بعد ذلك ترجمتها؟
صحيح· في البداية، لم تُراودني فكرة ترجمتها. لكن–كما أسلفت –ظلّ عبد الله المازوني سندي ودافعي لولوج عالم الترجمة·

هل أبلغت بن هدوقة، بنيّتك في ترجمة روايته؟
كلا! لم يعلم بالموضوع سوى بعد الانتهاء من التّرجمة. كانت أوّل رواية تترجم، من العربية للفرنسية، في الجزائر.. حال صدورها أذكر بأنها لقيت استحساناً واسعاً. خصوصا من طرف الكتّاب الجزائريين الفرانكونيين. اطلع عليها محمد ديب وعبّر عن إعجابه بالتجربة الروائية لبن هدوقة. تعدّدت بعدها الطّبعات المتوالية. أذكر بأنه تم نشر خمس طبعات مختلفة في ظرف قصير. كما أنّ الترجمة إلى الفرنسية ساهمت في انتشار أكبر للنصّ الأصلي باللغة العربية. تجسّد هذا خصوصاً بعد تبنّي الرواية في عمل سينمائي، للمخرج محمد سليم رياض، الذي اشتغل على سيناريو مقتبس من ترجمة الرواية إلى الفرنسية.

هل توافق على فرضية أنّ عبد الحميد بن هدوقة هو أوّل روائي جزائري باللغة العربية؟
هذا صحيح· ربما ظهرت قبله بعض المحاولات، على غرار ما كتبه أحمد رضا حوحو في “غادة أم القرى”، التي لا أعتقد أنها تستجيب حقاً لمعايير الرواية المتكاملة. بدأ عبد الحميد بن هدوقة تجربة كتابة كلاسيكية، لكنها تستجيب لمقاييس الرواية.

كيف كانت علاقتك الشّخصية بعبد الحميد بن هدوقة؟
كان عبد الحميد بن هدوقة إنسانا نبيلا، أهمّ وأفضل رجل عرفته في حياتي. كان شخصا متفتحا، وجدّ متمسك بهويته ومكوّناته الثقافية، في آن. كنا نتبادل الزيارات ببيته في قرية منصورة، ببرج بو عريريج، وفي بيتي بلاسافوا، شرق فرنسا.

عبد الحميد بن هدوقة

صرت مرجعاً في ترجمة الأدب الجزائري، من العربية إلى الفرنسية. لم تظهر في الأجيال المتعاقبة، منذ الاستقلال، أسماء جادّة في هذا المجال من التّرجمة؟

(يصمت قليلاً!) يعود ربما جوهر الإشكال إلى غياب منظومة تربوية واعية و جديّة. أعطيك مثالاً، لمّا كنت شاباً، كنت أطالع الروايات. قبل اجتياز امتحان البكالوريا، كنت قد طالعت ما لا يقل عن مائتي رواية. كان رأسي يغلي بكثير من العناوين والكتب والأفكار. كان فعل المطالعة في صلب اهتمامات أبناء جيلي. ومن المنطقي أن يتجه أحدنا إلى مواصلة دراسات أكاديمية في الأدب والترجمة، فينجح· أما اليوم، صرنا نشهد حالة تسيّب كبيرة، في الثانويات كما في الجامعات. لو نبدأ من الأستاذ فستُصاب بخيبة أمل. الغالبية لا يطالعون كتابا واحدا كاملا طيلة العام. فما بالك بالتلميذ! للأسف، صار معهد الترجمة واللغات، يدخله الفاشلون في دراساتهم، المرفوضون في شعب أخرى.

تبدو قلقا بشأن الترجمة الأدبية في الجزائر؟
ما يؤسفني هو أن الجزائر تتمتع بخاصية الازدواجية اللغوية التي تفتقد إليها كثير من الدول العربية الأخرى· لكن لم تستطع الجزائر بعد، استغلال هذه الخاصية. برأيي، لا تزال توجد كثير من الكنوز الأدبية التي تنتظر النور وتهمّ القارئ الغربي. لا يزال فعل الترجمة بطيئا عندنا.

هل ساهمت هذه الازدواجية اللغوية، في تأجيج أزمات بين مثقفين جزائريين؟

كلا! إنما هي أزمة مفتعلة. أحيلك إلى عبارة قالها عبد الحميد بن هدوقة، في ذكرى إحياء أربعينية الراحل رشيد ميموني، بالمركز الثقافي الجزائري بباريس: “رغم اعتباري الدّائم أن الجزائر في حاجة إلى كلا الأدبين، ودفاعي المتواصل عن ذلك في كل المحافل، ألا أنني أقول بيني وبين نفسي: إن اللغة في الأدب وطن الكاتب، ولو أنها في غير الأدب أداة تواصل (···) لا· الأدب لا تميّزه اللغة. ولكن يتميز بالقضايا التي يُعالجها. يتميّز بقدرته، أو عدمها، في التعبير عن إنسانية الفرد (···) ما يفرق بين أدب وأدب ليس اللغة، ولكن القيّم الإنسانية التي يحملها. فالأدب الظّلامي سواء كتب “بلغة الجنة” أو “بلغة الشيطان” فهو أدب لا إنساني”.

ترجمت بعض الأعمال الروائية للطاهر وطار: الزلزال، الشهداء يعودون هذا الأسبوع وعرس بغل؛ لكن، ساءت علاقتك بهذا الأخير، بعد تصريحاته الجارحة التي عقبت اغتيال الكاتب الطاهر جاووت؟
صحيح. الطّاهر وطار احترمه كروائي. لكنه تجاوز حدوده كثيرا وصرح بكلام، لا يليق بمقامه، إزاء الرّاحل الطاهر جاووت. ما معنى أن يصرح: “اغتيال الطاهر جاووت خسارة لفرنسا وليس للجزائر”؟ ما معنى هذا الكلام؟ كيف يصدر عن روائي محترم مثل الطاهر وطار؟ ما ذنب الطاهر جاووت أن لا يكتب سوى بالفرنسية، اللغة الوحيدة التي يتقنها. الطاهر وطار ظلم الطاهر جاووت حتى بعد وفاته. صحيح أنني ترجمت أعماله الروائية الأولى، لكن، اليوم، لو أن الطاهر وطار ينشر رواية “عالمية” فلن أفكر في ترجمتها.

الطاهر وطار

مؤخرا، أبدى الطاهر وطار، في حوار مع “الجزائر نيوز”، تحفظاً إزاء تلك التصريحات، ما رأيك؟
لكن مهما قال ومهما سيقول، يظلّ – في نظري – الطاهر جاووت واحدا من أهم الكتّاب في الجزائر.

كيف تشتغل على ترجمة رواية؟
أنا لا أشتغل بشكل منظمّ وصارم.· لكنني أقول بمعدل ثلاث ساعات لكلّ صفحة.

قرأت و ترجمت روايات كثيرة. ألم تفكر في كتابة رواية؟
لم تراودني هذه الفكرة بعد (يضحك!).

سايرت مختلف التحولات السياسية والثقافية بالجزائر، منذ 1962. ألم تفكر في كتابة مذكرات؟
لم أفكر بعد في هذا الموضوع. ما يؤسفني حقا هو عدم تدوين ملاحظات حول علاقتي بعبد الحميد بن هدوقة، خصوصا خلال السنتين الأخيرتين من حياته، مع بداية اتساع العنف الإسلاموي في الجزائر.

بعيداً عن الأدب، كيف تعيش حياتك اليومية؟
أرأس الكنيسة الكاثوليكية بالقبّة. وتربطني الكثير من العلاقات مع المثقفين الجزائريين وبعض الزملاء القدامى في قطاع التّعليم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

بومدين بلكبير

بومدين بلكبير: كنت لصًا فاشلاً

حاوره: رمضان نايلي كاتب وأكاديمي جزائري.. نشر بومدين بلكبير مجموعة مهمّة من الدّراسات والأبحاث، في …