الجمعة، 22 يونيو 2018

يوم حلّ بيلي في وهران

بن عودة لبداعي. ترجمة: جلال الدّين سماعن

بيلي يوقّع لمعجبيه في الجزائر العاصمة
بيلي يوقّع لمعجبيه في الجزائر العاصمة

كثيرًا ما تمّ التّأكيد على أن كرة القدم هي أفيون الشّعوب. وبأنه غالبا ما كانت هذه الرياضة الشعبية تُستعمل لأغراض سياسية، من طرف مسؤولين بمختلف مشاربهم وفي كلّ أصقاع العالم.

وحين تغدو كرة القدم موضوعا أدبيا فإن السؤال المطروح وبخاصة عندما لا نكون من هواة هذه الرياضة هو: هل ستشدنا الحكاية؟ في حالة الرّواية الأخيرة لعبد القادر جمعي، والتي عنوانها “Le jour où Pelé”(والذي يمكن ترجمته: يوم بيلي)، كدعوة لفضول القارئ كي يتعرف على المزيد فيما يتعلق بهذا اليوم الملّغز.

تقود الرواية قارئها في العالم الخاص والحميمي لبطلها المدعو نور الدين، أحد كبار المعجبين بالمنتخب البرازيلي ومقدّس كبير لأخطر مهاجم لكل الأوقات، إدسون أرانتيس دي ناسيمينتو، المكنّى “بيلي”.

خرجت الجزائر لتوّها من حرب تحرير، دامت سبع سنوات كاملة وكان فخرا لها بأن تدعوّ أروع منتخب كرة في العالم. سيواجه منتخب الجزائر في مقابلة ودية منتخب بيلي في الملعب البلدي لوهران.

بالنسبة لنور الدين والذي يعيش في “حوش بن عودة” – هذا المكان الذي «سيتوّشح به طوال حياته» –، حلمه الوحيد هو أن يكون حاضرًا خلال هذه المقابلة التاريخية لكل الجزائريين والفخورين بجزائريتهم. هو حدث رياضي لا يجب تفويته، حاله كحال والده وكل ساكنة وهران؛ كما أن سكان المدن الأخرى من البلد يصلون تباعا وفي جحافل كبيرة إلى عاصمة الغرب الجزائري.

مهمة الروائي هي أن يأخذ بيد القارئ ويدخله إلى عالم الشاب نور الدين الذي لا يفكّر إلا في اليوم الموعود، يوم لقاء الجزائر – البرازيل. يمزج الراوي بخفّة كبيرة بين قصص الأماكن في وهران وقصص الشّخصيات مع تاريخ الجزائر. يستدعي عبد القادر جمعي ذاكرته الشخصية من أجل وصف مختلف الأحياء والتّذكير عن دراية بأهم الأحداث في تاريخ الجزائر في علاقتها مع فرنسا. يذكر بدقة كبيرة وقائع سياسية على غرار فترة المنظمة السرية، OAS، أو المشاكل الاجتماعية، تلك التي أثّرت فيه شخصيا إبان طفولته في وهران.

تُغطي الرواية أولى السنوات التي تلت الاستقلال وهي الفترة التي كانت مفعمة بالأمل. وكثيرا ما أشار الكاتب فيها إلى جريدة “لاريبيبليك دورون” (La République d’Oran).

غلاف الرّواية
غلاف الرّواية

نصّ الرواية مليء بشواهد تاريخية وبتفاصيل، وحده شخص من وهران عاش تلك الحقبة بمقدوره تذكرها. زمن الحكاية كرونولوجي كونها تتحدث عن بضعة أيام قبل اللقاء، شراء تذكرة المباراة، سير هذه الأخيرة، اليوم الذي تلاها، الرجوع إلى منزل العائلة ولقاء الأب، هو الآخر مناصر مهوس ببيلي الذي شكّل استقباله مفخرة عظيمة لكل الجزائريين، حتى ولو انهزم منتخبهم. كما أن تقنية الفلاش باك التاريخية والشخصية منتشرة بكثرة في الرواية.

يُحيي عبد القادر جمعي ذكرى العديد من الأشخاص، روائح الشوارع والمطاعم المتواضعة، المقاهي والحلويات المصنوعة بالعسل، الفطائر، صخب الأحياء الفقيرة والأحياء الغنية إبان العهد الاستعماري. يذكرنا الكاتب بمساوئ الحرب، قتل الأبرياء على اختلاف أعمارهم، اتفاقيات إيفيان، شارل دوغول، ويوم الاستقلال مع ما صاحبه من فرحة عارمة بالحرية.

جرت المقابلة المشهورة ذات 17 جوان 1965، أي يومين قبل 19 جوان 1965 المصادف للانقلاب والاستيلاء على السلطة من طرف الكولونيل هواري بومدين. يروي نور الدين وبكل بساطة عشية اللقاء حين «كان ذاهبا ليستمتع منشرحا باللعب الجماعي المدوّي للبرازيليين المدعمين بتكتيت خارق». كان حاضرا خلالها أول رئيس للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة، والذي تلقى بعض صرخات الاستهجان وألقيت عليه بعض المقذوفات من قبل بعض الأشرار، كانت «حلويات سكر مصنوعة من الحليب المعطّر». وهو الأمر الذي شكل صدمة بالنسبة لنور الدين.

في اليوم الموالي، سيتوضّح الأمر حين راحت الإذاعة الجزائرية تبث دون توقف أغاني وطنية وتعلن عن عزل الرئيس أحمد بن بلة الذي وصفه هواري بومدين بالديماغوجي (متملّق العامة) وبالمسيّر السّيء، قبل أن يأخذ بزمام الثورة التي أحيدت عن مسارها، كما ورد في البيان الذي بث يومذاك. حينها فقط سيكتشف نور الدين بأن الذي حدث قبلها بيوم في ملعب وهران لم يكن محض حادثة أشرار بسيطة. فازت البرازيل وكانت الخيبة كبيرة بسبب خسارة الفريق الوطني.

مع ذلك، الشيء الأهم بالنسبة لهواة الكرة المستديرة كانت مشاهدة اللاعب العظيم بيلي. في هذا اليوم التاريخي، أدرك نور الدين بأن الملاعب لم تكن أبدا بعيدة عن السياسة. انتقل هذا المراهق من سنّ البراءة إلى سنّ الرشد في يوم 19 جوان 1965 شأنه شأن الجزائر التي عبرت من ثورة إلى ثورة أخرى. ولج هذا المراهق بسهولة إلى سن البلوغ مودّعا عالم الأوهام والهزيمة لأنه وبالنسبة له “فحكاية الانقلاب السيئة هذه تشبه… هدفا سُجل من وضعية تسلل أو باليد”.

“يوم بيلي” رواية تكشف مرة أخرى عن موهبة الحكي التي يمتلكها عبد القادر جمعي.

 

عبد القادر جمعي، Le jour où Pelé، باريس، دار Le Castor Astral.

(عن جريدة El Watan

26 ماي 2018).

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يحي بلعسكري: “كتاب أمراي” أو الإنسان الأبدي

سليمان آيت سيدهم. ترجمة: جلال الدّين سماعن يواصل الكاتب يحي بلعسكري في أعماله الروائية، سبر …

فصل من رواية " آرّيس" ليمينة مشاكرة

فصل من رواية ” آرّيس” ليمينة مشاكرة

تقديم وترجمة: لميس سعيدي انتظرت الرّوائية الجزائرية  يمينة مشاكرة (1949-2013) عشرين سنة لتُصدر روايتها الثانية …