الأحد، 19 أغسطس 2018

مالك حداد: «إنّ اللغة الفرنسية لمنفاي»

لم تشتهر مقولة في الأدب الجزائري المعاصر، مغاربيّا وعربيا، مثلما اشتهرت، مقولة مالك حداد (1927-1978) : «إنّ اللغة الفرنسية لمنفاي»، والتي وردت في مطلع روايته «سأهبك غزالة»، هكذا كتب مالك حداد يقول : «اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني، أشدّ وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسط، وأنا عاجز عن أن أعبّر بالعربية عمّا أشعر به بالعربية، إنّ الفرنسية لمَنفاي».

مالك حداد

لم تنافسها ربما في الانتشار والشهرة، سوى مقولة أخرى تبدو مخالفة قليلا لمقاصدها، حتى وإن تقاطعت معها اشتراكا في طرح سؤال اللغة المهيمنة، يتعلق الأمر بمقولة كاتب ياسين الشهيرة «الفرنسية غنيمة حرب»، وبين القولين، تباينت الأطروحات وتعدّدت المواقف، وسرعان ما اتخذ النقاش فيما بينهما منحى تجاوز الطرح اللساني للإشكالية الهوياتية في الأساس، لترسو رهينة تحت قبضة الإيديولوجية والتزمّت اللغوي وحتى العرقي، مما أفسد للأسف نقاشا ثقافيا وسوسيولوجيا مهمًا، كان سيخفف قليلا من وطأة تعصّب طالت جنايته الهُوية الجزائرية بجميع مكوّناتها. 

ومن المفارقة أن ما كُتب عن مقولة مالك حداد الشهيرة هذه، من مقالات وأبحاث ودراسات، وما أتاحته من حقل خصب للتنظير والنقاش الواسع، يكاد يفوق اهتمامها، جميع أعماله السردية ودواوينه الشعرية، التي استطاعت أن تفتح بزخم حروفها أمام المتلقي آفاقا واسعة من التأملات والأسئلة، تمكن قلم مالك حداد بما حازه من شحنة ثورية وجرأة في الطرح والموقف، أن يمنحها بعدا شعريا وأفقا جماليا، كان حريًّا أن تحظى هي كذلك ببعض العناية والاهتمام.
وهكذا توارت خلف مقولة طارت شهرتها الآفاق، أقوال أخرى مأثورة أثّثت نصوص مالك حداد الشعرية والنثرية، خاصة مقولته الرائعة ذات الدلالات العميقة: «لا تطرق الباب كل هذا الطرق، إنني لم أعد أسكن هنا»، أو قوله مثلا: «المأساة الحقيقية، هي أن الشقاء يجعلنا أذكياء، أكثر مما يجعلنا مجتهدين»، أو قوله: «علينا أن نتحلّى بشجاعة النحل، كي نستحق العسل»، أو: «استعدت رشدي حين أضعت عقلي».

سأهبك غزالة

الموقف الملتزم لمالك حداد من اللغة الفرنسية، مجسّدا في جرأة إعلانه التوقف النهائي عن الكتابة، بعد نيل الجزائر استقلالها، وهو في أوج عطائه الإبداعي، أثار جدلا واسعا بين مؤيّد ومعارض، وبين راض وساخط، لم يلبث أن غطّى هذا الموقف -تماما مثل مقولته الشهيرة- على انجازات مالك حداد، المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي للمثقف الحقيقي، عندما كان يشرف على الصفحة الثقافية لجريدة النصر (كانت تصدر بالفرنسية آنذاك) لنحو أربع سنوات «من سنة 1965 إلى سنة 1968»، أو عندما أسندت له مهام مدير الثقافة والإعلام بوزارة الثقافة، أو كأمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين، ولاسيما عندما أسّس مجلة «آمال» التي كانت تُعنى بأدب الشباب، والتي يعود لها الفضل في اكتشاف الكثير من الكُتاب الجزائريين، أصبحوا الآن يتصدرون المشهد الأدبي.
ولعلّ موقفه المثير للجدل في انتصاره للغة العربية، وانسحابه من الكتابة تجسيدا لرؤيته العميقة للأشياء، أورده من خلال واقعة حقيقية، الكاتب أحمد دوغان في كتابه «شخصيات من الأدب الجزائري المعاصر»، في حادثة تنطوي على رمزية شديدة، حينما التقى الدكتور عبد الله الركيبي بمالك حداد أمام مبنى اتحاد الكُتاب الجزائريين، قبل وفاته بمدة قصيرة، بعد أن شاهد طفلا صغيرا يرافقه، ينطق اللغة العربية بفصاحة، سأله الركيبي من هذا؟ ليجيب مالك حداد: «هذا انتقامي من اللغة الفرنسية.. إنه ولدي !».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)