الجمعة، 22 يونيو 2018

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

رمضان نايلي
رمضان نايلي

1

لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره يتعدّى دور المُكوّن الثَّقافي، ليكون بذلك عنصراً أساسياً من عناصر الهوية.

لذلك فإنَّ حياة الإنسان خارج المُقدّس تبدو صعبة، إذ “ليس الدّين مكوناً ثقافياً فقط، من بين المُكوّنات الثَّقافيَّة الأخرى، إنَّما هو يُبيّن ديناميكية الحياة الجماعيَّة” كما يرى دوركهايم.

وعليه فإنَّ الدّين، في هذه الحالة، يُؤدّي دوراً هاماً في تسيير حياة الأشخاص، سواء بصورة واعية أم غير واعية.. ولعلَّ هذا ما يجعلنا نتساءل: إذا كان الدّين كذلك، فهل له دور أساسي في أعمال العنف والإرهاب؛ السّمة الأبرز حضوراً في العالم اليوم؟.

2

إنَّ عمليات التَّفجيرات الكثيرة التي هزَّت الغرب في السّنوات الأخيرة، والتي كان أبطالها أشخاص ينتمون – جنسا وعرقا – إلى جغرافيا العالم العربيّ الإسلاميّ، جعلت الكثير من المفكرين والفلاسفة يُوجّهون أصابع الاتّهام إلى الإسلام والنّص القُرآني – على وجه الخصوص – كونه “نص عنيف جدّاً” كما وصفه المفكر السّوري أدونيس، في كتابه “الإسلام والعنف”.

وأيضاً لوجود آيات فيه “تدعو إلى الحرب وقتل الكفّار والذّبح، وتذكر أنّ محمداً نفسه كان أحد قادة الحرب الذين ساهموا شخصياً في القتال” كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري في حوار له مع مجلة “الجديد اللندنيَّة”.

إنَّ ما يقوله هذا الأخير ، يبدو ظاهرياً، أنَّه لا يُجانب الصّواب، إذ لا يُمكن إنكار ذلك عند قراءة الآية الكريمة فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”(التوبة: 5). أو الحديث النّبوي: “اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا أصحاب الصوامع”(رواه الإمام أحمد).

ولكن هذا لا يمنعنا – هنا – من أن ننفي هذا، إذ أنّ هذه الآيات أو الأحاديث النّبوية، التي تدعو إلى العُنف مربوطة بسياق الإسلام التَّاريخي الذي نزلت فيه، والمقصود بها، هنا، هو زمن النّبي محمد(ص)، وليس الوقت الرَّاهن. “لقد نزلت آيات سورة التوبة في العام التاسع من الهجرة بعد فتح مكّة والتي فتحت وباتت تحت حكم المسلمين في العام الثامن من الهجرة، وسياق الآيات يخاطب مشركي الجزيرة العربية من غير قريش ممن لهم عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ولعلَّ آية السّيف – هذه – هي أكثر الآيات التي اتكأت عليها الجماعات الإسلاميَّة “داعش وغيرها” والتكفيريون في تبرير دمويتهم.

3     

ونحن هنا، لا نسعى إلى إغفال الحقيقة، وتبرأة الذّمة، وغضّ الطّرف عن التّاريخ، إذ لم تكن حضارة الإسلام خالية العورات، فهي حضارة إنسانية وليست من صُنع الملائكة.

يكفي أن نُلقي نظرة سريعة لنكتشف كيف تمَّ استغلال الدِّين من قِبل الأمراء والسّلاطين – وبتواطؤ من رجالات الدّين – وذلك لتحقيق أهدافهم وغاياتهم السّياسية.

نبدأ أولا بما سُمي ﺑ”حروب الرّدة”، التي حدثت ما بين أعوام الحادي عشر للهجرة والثالث عشرة للهجرة، وراح ضحيتها الآلاف من الأشخاص ، فُصلت رؤوسهم عن أجسادهم، لسبب وحيد وهو خروجهم عن الإسلام، لأسباب أو لظروف خاصة كان من الأجدر تفهمها وتجاوز استعمال العنف/السّيف، إذ استند الخليفة أبي بكر الصّديق وأتباعه من الصّحابة إلى الخيار الأسوأ، متجاهلين قوله تعالى في سورة النّحل: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِوَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.

لو نظرنا إلى المسألة بعين العقل لتبيّن لنا أنّها سياسية بحتة، فبُعيد وفاة النَّبي محمد عليه السّلام، وعدم تعيينه لمن يخلفه، اختلف المسلمون فيما بينهم بدليل أنَّ “المهاجرين والأنصار اختلفوا، فقالت الأنصار: منّا أميرٌ ومنكم أمير، وردّ عليهم المهاجرون”، فبايع عمر أبا بكر الذي كان يفتقر إلى الأسلوب السّياسي التّفاوضي مع المُرتدين، وتبعه النّاس، ففي كتابه “ضحى الإسلام” يقول المُؤرّخ المصري أحمد أمين: “فإذا حدث خلاف بين أولي الرَّأي فيما يتبع وفيمن يختار فالخلاف سياسي، كالذي يكون بين الأحزاب السّياسية اليوم، فإذا رأى قوم استخلاف أبي بكر فلهم رأيهم السّياسي وحججهم السّياسيّة، وإذا رأى قوم استخلاف عليٍّ فكذلك”.

أدونيس: القرآن، نصّ عنيف جدّاً
أدونيس: القرآن، نصّ عنيف جدّاً

ولعلّ هذا الصّراع السّياسي، الذي اتّخذ لنفسه صبغة دينية قوية، هو الذي أدّى إلى تعدّد الفرق في الإسلام، من شيعة وسنة وخوارج ومرجئة، إلخ. خاصة بعد مقتل عثمان بن عفان.

وباتت كل فرقة تدّعي أنّها تمتلك الحقيقة المُطلقة، وأنَّ الحق بجانبها. وفي هذا السّياق يُضيف أحمد أمين في كتابه المذكور آنفاً قائلا: “وصار كلّ حزب سياسي، فرقة دينية، وصار الذين يقتتلون سياسيا يقتتلون دينيا، وبدل أن يُسمى الحزب سياسيا يدل على المبدأ السياسيّ الذي يدعو إليه تسمى اسما يدل على المذهب الدّيني”.

إنَّ الصّراع السّياسي بين المسلمين ظلَّ مُستمراً في مراحل الخلافة حتى عهد الدّويلات الإسلاميّة، وشهد معارك عنيفة جدّاً، تتنافى والقيم التي جاء بها الإسلام كدين  قدّس النّفس وحرّم قتلها إلّا بالحق.ونذكر على سبيل المثال معركة الزّاب الكبرى التي نشبت سنة 132 للهجرة بين آخر خليفة أموي وهو مروان بن محمد وبين الأمير العباسي عبدالله بن علي، وبعد قتال عنيف جدّاً قٌتل عدد كبير من الجيشين، بل عدد الذين غرقوا – بسبب قطع الجسر – من جيش مروان كان يفوق أعداد القتلى، دون أن نغفل عن الصّراعات السّياسية بين الدّول الإسلامية، والتي شهدت معارك عنيفة، سقطت على إثرها دول وقامت محلها أخرى.

إنّ كلّ هذا تمَّ باسم الدّين، بيد أنّ الصّراع كان سياسياً بحتاً، ولم يكن الدّين سوى مطية للتبرير لا غير. حيث أنَّ العصبية القبلية هي التي كانت سائدة إبّان ذاك، وهي التي كانت تُسيّر توجهاتهم، والحال نفسه اليوم، فقط اتّخذ قالبا ولونا جديداً يلوح باهتا على البعد، حُكام ديكتاتوريون، ووعاظ ورجال دين بائسون، مُتخلّفون، ومُتواطئون، يلبسون العباءة الدينية لإيهام النّاس بأنّهم وحدهم من يمتلك الحقيقة المُطلقة، وهكذا ظلّ الدّين الإسلامي سجينا للسياسة وللتأويلات الفقهية المُتخلّفة التي تخدم السّياسة/ دار السّلطان، أكثر مما تخدم الدّين كدين.

ويكون البروفسور محمد أركون قد ميّز بين الظّاهرة القرآنية والظّاهرة الإسلاميّة. فالأولى هي القرآن الكريم، والثانيّة هي “التّركة السّجاليّة حوله من شروحات وتخيّلات مذهبية”.

وإذا كان الإنسان المسلم ملزمًا بالأولى – أي الظاهرة القرآنية – فقد دعا أركون إلى التّخلص من الثّانية، التي “عزتها الأساطير والإسرائليات والتّحيزات المغلقة على المذهب أو الطّائفة”.

4

الأديان الأخرى، أيضاً، لم تكن بريئة، وليست خالية العنف، بنصوصها وأفكارها، فاليهودية كديانة، تقوم على فكرة إلغاء الآخر، إذ أنّ اليهود يرون بأنّهم هم شعب الله المُختار و”أرواحهم تتميز عن باقي الأرواح وهي جزء من الله، والأرواح الأخرى أرواح شيطانية شبيهة بأرواح الحيوانات والإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة “وأنَّ” الدنيا بأسرها ملك للإسرائيلي ومن حقه أن يتسلّط عليها بوصفه مساوٍ للعزة الإلهيّة”(اسماعيل أحمد ياغي).

ولعلّ هذه الأفكار، جعلتهم أكثر تعصّباً وانغلاقا من غيرهم، بل وأشدّ عنفاً، فاحتلوا أرضاً ليست بأرضهم بحجّة دينية، ذلك لأنّها حسب مُعتقدهم الديني هي “أرض الميعاد” وأنّهم أولى بها من غيرهم، وما يزال اليهود إلى يومنا هذا يُمارسون العنف باسم الدّين، بيد أنَّ هدفهم الأساسي هو أعمق، وهو سياسي أكثر مما هو ديني.

المسيحية، أيضا، تاريخها لم يكن بريئاً، وقد اٌستخدمت تعاليم المسيح لتبرير الأعمال الإرهابيَّة – كما في حالة داعش والإسلام – إذ اعتمد الإرهابيون المسيحيون على التَّفسيرات الفقهيَّة، وأوَّلوا من الآيات ما يتَّفق وجرائمهم، ولعلَّ محاكم التفتيش، والحروب الصليبية، والحروب الدينيَّة ومعاداة السّامية، هي من أكثر أشكال العنف في تاريخ المسيحيَّة.

ولدينا أنموذج آخر للعنف المسيحي في القرن العشرين، مثَّله الرَّئيس الأمريكي جورج بوش في حربه على العراق، ففي كتابه “لو كررت ذلك على مسامعي فلن أصدقه”، يوضّح الصّحافي الفرنسي كلود موريس ما قاله الرَّئيس الأمريكي لنظيره الفرنسي جاك شيراك بأنَّه “تلقى وحيا من السّماء لإعلان الحرب على العراق لأن يأجوج ومأجوج انبعثا في الشّرق الأوسط للقضاء على الغرب المسيحي! و أضاف بوش: إن هذا يعني بأن نبوءة الإنجيل حول يأجوج ومأجوج بصدد التحقيق هناك!”.

إنَّ هذه الحادثة – حتى وإن كانت سخيفة – لها مرجعيتها الدِّينية، وتأويلاتها الفقهيَّة، فالرئيس الفرنسي عندما سمع ما قاله نظيره الأمريكي “طالب بمعلومات أكثر دقّة من متخصصين في التوراة”، ليجد إجابته لدى أحد علماء الفقه اليهودي، وهو البروفسير توماس رومر، والذي أكَّد بأنَّه قد “ورد ذكر يأجوج ومأجوج في “سفر التكوين” مشيرًا إلى أن يأجوج ومأجوج وردا بالتّحديد في الفصلين الأكثر غموضا في سفر التكوين”.

فهل كان وراء شنّ الحرب على العراق وتدميره سبب ديني؟ نترك الإجابة للتاريخ. ونضيف – أيضا – بأنَّ الإنجيل، بعهديه القديم والجديد، وردت فيه عدَّة آيات تحثّ على العنف، وأذكر هنا – على سبيل المثال – ما ورد في سفر التثنية “العهد القديم “(20- 10): “حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصّلح 11 فإن أجابتك إلى الصّلح وفتحت لك فكلّ الشّعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك 12 وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها 13 وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف 14 وأما النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك”.، وهذه الآية هي غيض من فيض . و لا يسع المجال لذكر كل الآيات الواردة في الكتاب المقدّس – بعهديه – التي تدعو إلى العنف.

الدّيانات الوضعيّة أيضاً، كالهندوسية، البوذية، المانوية والزرداتشية غذَّت العالم بالعنف، حتى وإن كانوا أكثر تسامحاً من غيرهم.

ونختار البوذية هنا كأنموذج لنتحدّث عنها، فجوهر التّعاليم في هذه الدّيانة، لا يحثّ على العنف، والمُبادرة بقتل النفس، ولكن عندما يمتزج الدّين بالسياسة يُصبح كل شيء ممكناً، والمحرّم مباحاً، والعكس صحيح ، إنّ هذا ما يُؤكّده خطاب الكراهية الذي يشنّه الرّهبان البوذيين ضد المسلمين، الذين كانوا ومازالوا عرضة للعنف البوذي في دول كبورما وسريلانكا.

5

أونفري: هناك آيّات تدعو إلى الحرب وقتل الكفّار والذّبح
أونفري: هناك آيّات تدعو إلى الحرب وقتل الكفّار والذّبح

نتساءل الآن: هل العنف ينبع من داخل النَّص أم من خارجه؟ هل هو ظاهرة دينية أم انسانيّة بحتة تأتي كانعكاس للواقع البائس؟

إنَّ العنف ظاهرة اجتماعيَّة مُعقّدة، تمسّ الأفراد كما تمسّ المجتمعات، ولا تستثني أحداً. إذن كيف يُمكننا تحليل وتفكيك هذه الظّاهرة الخطيرة، التي باتت تُهدّد العالم بأسره؟

إذا كُنّا من الذين يُؤمنون بمقولة “لا أحد يُولد إرهابيا”، فما الذي يُحوّل الفرد إلى إرهابي يُمارس العنف على الآخر؟

عوداً على بدء.. إنَّ التّاريخ البشري لا يخلو من ظاهرة العنف، بل ظلّت لصيقة بالإنسان منذ أن قُذف به إلى هذا الوجود، إذ يبدو أن تصوّر الملائكة حين قالوا لله سبحانه وتعالى “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” كان توقّعاً مُصيباً. ولعلَّ أوَّل من دشن العنف في التّاريخ كان قابيل ابن آدم عليه السّلام، عندما قتل أخاه هابيل بدافع الغيرة أو الحسد كما تُحدِّثنا النّصوص المُقدّسة، وهذا الشّكل من العنف سمَّاه إريش فروم في كتابه “جوهر الإنسان” بالعنف الارتكاسي، الذي يأتي بدافع “الدّفاع عن الحرية والكرامة والملكية سواء الخاصة بالمرء نفسه أم بالآخرين”. وهو أيضاً ناتج عن الإحباط الذي يقود الفرد إلى السلوك العدواني لبلوغ الغاية التي تمَّ إحباطها – عبر استخدام العنف”.

ومن الأشكال الأخرى للعنف التي ذكرها إريش فروم في كتابه المذكور، العنف الانتقامي وفيه “الأذية تكون قد تمت سلفاً”. ووفقا لقانون “العين بالعين والسّن بالسن” يسعى الشّخص لاستعادة تقديره الذّاتي. أما العنف التّعويضي فهو المستخدم كبديل نشاط منتج ظهر لدى شخص عاجز لعدم احتمال الشّخص للسلبية المطلقة” وعليه فهو “مضطر لترك بصمته في العالم، إذ لا يستطيع قبول حالة العجز الكامل بدون أن يحاول استرداد قدرته على الفعل”. بمعنى أنّ الإنسان الذي لا يستطيع الخلق يقوم بالتدمير”.

ويرى فلاسفة الحداثة الأوائل وأنصار نظرية التقدم – هيغل وماركس وتلامذتهم – بأنَّ “الصّراع والعنف هما محركا الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفرد، فبحسب تلك النظرة الفلسفية فإن كل شيء في حالة صيرورة وتغيّر، والعنف والصراع هما العنصر الثابت وسط صيرورة تاريخية متحركة لا شيء ثابت فيها”.

أما فرويد فيرى بأن الإنسان ليس هو “ذلك الكائن الطيب السَمح الظمآن إلى الحبّ، الذي يدعي أنه لا يهاجم إلا دفاعا عن نفسه، فهذه الصّورة الجميلة عن الإنسان لا توجد إلا في الكتب والأشعار والمُثل والأحلام؛ أما في الحقيقة فالإنسان هو كائن يختزن قدرًا كبيرًا من العنف في تكوينه النّفسي وفي كوامنه الغريزية، فكل إنسان ميّال إلى استغلال الآخر والتفوق عليه والاعتداء عليه، لإشباع حاجته العضوية والنفسية، فالإنسان مدفوع عضويا إلى إشباع حاجته من العدوان كما هو مدفوع إلى إشباع حاجته من الجنس”.

إنَّ كلّ ما أتينا على ذكره، يدل على أنّ العنف، في الباطن، هو غريزة إنسانية، تتخذ لنفسها أشكالاً متعدّدة في الظّاهر، ويُساهم الواقع في تبيئتها، وإعطائها غطاء مُبرّراً، لكن ذلك لا يمنع وجود الأسباب التي تقود الفرد إلى العنف، حتى ولو كانت الغريزة هي المُحرّك الأساس، فلا بد من وجود داعٍ سببي ظاهر، وبما أنَّ موضوعنا، هنا، عن الفرد المُسلم الذي تحوَّل إلى داعشي، فالسبب الظّاهر هو الدّين – أو بعبارة أدق – الفكر الدّيني المُتطرّف الذي تبناه هذا الفرد، لكن هذا لا يعني بأنّ العنف ينبع من هذا الفكر المُتطرّف فقط، فأغلب الذين قاموا بالعنف في أوروبا في السّنوات الأخيرة، عاشوا في أوروبا، وتشرّبوا من أفكارها الحداثية، ولا يعرفون عن ابن تيمية سوى اسمه، هذا ما يؤكّد لنا بأنَّ هناك أسبابا أخرى دفعتهم إلى ارتكاب الأعمال العنيفة، ونذكر منها على سبيل المثال:

  • صعوبة اندماجهم في المجتمع الغربي، ورفض الآخر لهم فقط لأنّهم مُسلمون، ولعلّ هذا ما لخصه باسكال بونيفاس قائلاً: “لقد قيل كثيراً أنَّ العرب حاضرون فيزيقيا في فرنسا منذ جيلين أو ثلاثة أجيال، لم يستطيعوا الاندماج لأنّهم مسلمون”.
  • الأنظمة العربية الدّيكتاتوريّة التي حرّفت مفهوم الدّولة من كونها “تعبيراً عن جماعة أو أداة للحكم بين النّاس إلى التّمركز حول شخص الحاكم” فهذه الأنظمة المُتشخصنة المُنغلقة، والتي لا تنفح خارج ذاتها، ساهمت في تأجيج الصّراعات الدّاخليَّة، وانهيار الاقتصاد، مما أدى إلى عدم الاستقرار – وعدم توفر بيئة آمنة.
  • التّاريخ الاستعماري للغرب، واضطهاد المُسلمين الذين تمَّ تفتيت دولهم إلى دويلات متناحرة، وهذا ما قاد الشباب إلى الهروب بحثاً عن عالم أفضل يوفّر لهم البديل.

6

إنَّ ما نستخلصه في الأخير، هو أنَّ العنف، ظاهرة إنسانية بامتياز، وما الدين سوى غلاف تُغلّف به سائر الدّوافع، وغطاء اُستغلَّ استغلالاً جيّداً لتبرير العنف، بما أنَّ هذه الظّاهرة في حاجة إلى مُبرّر تحتمي به، إذ لا يكاد مُجتمع يخلو منها، فالتاريخ يُثبت بأنَّ العنف غير الدّيني أكثر ضررًا من العنف المُمارس باسم الدّين، ولدينا الحربان العالميتان نموذجاً دون أن يكون للدين فيهما أية راية، بل حتى الدّين كان عرضة للعنف، ونذكر على سبيل المثال، العنف الإلحادي الذي قاده ستالين والذي راح ضحيته أزيد من عشرين مليون شخص، فهذا الأخير حطّم وخرّب الكنائس والمعابد وقتل رجال الدّين، إذ كان يرى بأنَّ الدّين يتعارض ومصالح الشّعوب” .

ولا نُريد أن نُثقل المقال بالأحداث التّاريخية العنيفة التي تسببت في مقتل الملايين من البشر، دون أن يكون للدين فيها أي دور. نتساءل هنا:  هل كان للدين الإسلامي دور في تفجير مدينتي هيروشما وناكازاكي بالقنبلة النوورية وحولهما بملايين سكانهما إلى رماد؟ هل كان له دور في قتل النّازية لملايين اليهود وحرقهم والتنكيل بجثثهم؟ هل له دور بما تقوم به إسرائيل اليوم من قتل وتشريد للفلسطينيين؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الفائز بالكأس: رواية التاريخ وكرة القدم

عادة ما يلجأ الروائيون الكبار، إلى التقاط حدث تاريخي يكاد يكون منسيا، قام به إنسان …

الدين اليوم : الأولوية للمجتمع على حساب الفرد

أحمد عمراني   تعاملي مع الدين لم يكن ثابتا بل متذبذبا ومتموّجا. عرف تعاملي معه …