الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

القصة القصيرة جدا والهايكو من خلال تجربة معاشو قرور

عن دار فضاءات للنشر بالأردن، أصدر حديثا، القاص والشاعر معاشو قرور، مجموعة قصصية اختار لها كعنوان “الوصيّة”؛ وتتضمن 66 قصة قصيرة جدا، مزيّنة برسومات كاليغرافية بريشة القاص نفسه، الذي يشتغل أيضا على هذا الفن الأصيل، الذي ينهل في تشكيله ورسمه من الخط العربي.

معاشو قرور

تناول القاص في مجموعته “الوصيّة”، قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية متنوّعة، تتعدد ثيماتها، دون تحديد للمكان والزمن، وتتراوح في بنائها وشكلها بين الومضة والفقرة؛ حيث يستخدم القاص خاصية التكثيف بعمق، وهي خاصية أساسية، لا مناص منها في التصدي لكتابة القصة القصيرة جدا، بحيث تستدعي من المبدع رصيدا كافيا من النفس الشعري، والسيطرة على الإيجاز اللغوي؛ هكذا سيجد القاص بعض اليسر في التقاط المفردات المناسبة للاختزال، وفي قدرته على إيصال الفكرة للمتلقي نحو تخوم المعنى، وفي أقصى حدود التكثيف، دون مواربة مصطنعة أو لجوء إلى رمزية متكلفة؛ وهو التمكن الذي لم يأت مصادفة، عندما نعرف أن معاشو قرور، كتب في “الهايكو” وهو نوع من الشعر الياباني، ذائع الصيت عالميا؛ عبارة عن قصائد قصيرة تستخدم لغة حسيّة، لالتقاط حدث محدد أو تصوير إحساس معيّن؛ بحيث ألف عملين في هذا النوع من الشعر الذي يشبه النثر، أو النثر الذي يشبه الشعر، تحت عنوان:  “هايكو اللقلق” و”هايكو القيقب”، عن دار فضاءات الأردنية دائما؛ هكذا استطاع أن يصل بإبداعه وبحثه الأكاديمي، إلى جانب تمكنه من أدوات الكتابة، إلى تحقيق تراكم معتبر في إبداع هذا النوع من الكتابة الشعرية الصعبة، سمح له بتأسيس تجربة متفردة في المشهد الأدبي الجزائري، تحمل بصمة خاصة، كما هو واضح في هذه النماذج من كتابته في الهايكو:

يـدُهُ الذئبة في جراب الراعي

[1] في جراب الراعي –
جبنة البقرة الضاحكة ،
فتقٌ يتعقبه الثعلب .
[2] تقفرُ المراعي –
ذئبٌ يخرج إلى الطريق ،
لعلّها الشاة المائة .
[3] كثرٌ هم الرعاة –
الشاة القاصية تستدفئ ،
في مخزن الصوف المُجْزاة .
[4] تحبسُ أنفاسَها –
عند ثغاء الخراف ،
شبّابة الراعي .
[5] بفردة حذاءٍ –
راعٍ يتعقّب الذئب ،
بقـلُنسوَّةٍ حمراء .
[6] يدُكَ الذئبة –
تقول لزوجها الراعي ،
أثلَمَتِ المُشط .
[7] نحن الرعاة –
عزّة و معزوزة ترتجفان ،
نشفق لعواء الذئبة .
[8] نهار قائظ –
راعٍ لا قطيع لديه ،
يتسلّم وصل الكهرباء .
[9] راعٍ معاصر –
في جرابه ألبوم فَراشاتٍ محنّطة ،
يقرأ فرناندو بيسُوَا .
[10] من أغاني الرعاة –
(الصَبَا تُرقِص أوراق الزهور اليابسة ،
.. في شماريخ الجبال)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*ما بين قوسين
لأبي القاسم الشابي.

من الهايكو، إلى القصة القصيرة جدا

من الهايكو، انطلق معاشو قرور إلى التصدي للقصة القصيرة جدا؛ هكذا نجح في تجربته الجديدة، من خلال عمله المنشور”الوصية” (2017)  ومن خلال نصوص أخرى قيد النشر؛ لا سيما بعد أن امتلك، من خلال الكتابة العميقة في الهايكو، القدرة على التكثيف والاختزال والإيجاز، كخاصيات لا مناص منها لكتابة القصة القصيرة جدا؛ ولعلها تجربة مهمة جدا في المشهد الأدبي الجزائري، والذي لأسباب غير مفهومة، تأخر عن اللحاق بركب الاهتمام في المنطقة العربية بهذا النوع الأدبي، الذي صار جنسا أدبيا قائما بذاته، من خلال الكم الكبير من الأعمال التي باتت تصدرها المطابع العربية، ومن خلال الندوات والأيام الدراسية التي تعقد حولها؛ وقد أتاح انتشارها، تواجدها في مواقع التواصل الاجتماعي، التي صار روّادها متصالحين مع هكذا نصوص قصيرة، لا تأخذ الكثير من وقتهم.

يقول الكاتب والناقد الأدبي مخلوف عامر عن مجموعته القصصية “الوصية”: “يتميَّز بهذه القدرة على حسن الالتقاط وعلى التكثيف بطريقة تنمحي فيها الحدود بين الكتابة القصصية والشعرية. ولأنَّ القاص غالباً ما يختار جوانب من الحياة لا تقع عليها أعينُنا، بل الأصح أننا نراها ولا نلتفت إليها بعيْن تُخرجها من زحمة العادي ، فإنَّه بخلاف ذلك، تستوْقفُه، فيبادرنا بما لا نحتسب، حيث يدفعنا إلى الضحك أحياناً، وإلى التفكير أحياناً أخرى، لكنَّه يظل في كل الأحوال حريصاً على التبليغ بأقصر ما يمكن من الكلمات. إذ قد لا تتجاوز القصة سبع كلمات في بعض الحالات، ونادراً ما تمتد على طول الصفحة،غير أننا لا نبرح ظلال السخرية يبقى فيها معاشو قرور، مولَعاً بالبحث عن قوَة العبارة وتماسُكها وسلامتها، ما من شأنه أنْ يجعل منه قلماً مميَّزاً في كتابة هذا اللون، بين أقلام أخرى أكَّدت حضورها على نحو لافت”.

نماذج من القصة القصيرة جدا عن المجموعة القصصية  “الوصية”

القمر

غاظه أن الجميع أغلقوا عليهم أبوابهم، والتهموا بمشاهدة المباراة في غزّة، فاحتال مع الرعد والسحابة، فزمجر الأول، وفوق صحونهم المقعرة، اعتصرت ماءها الثانية.. فخرجوا يشهدون القمر في الليلة الماطرة.

العرافة

جلست تشرب فنجان الشاي، ولغت فيه ذبابة…

قالت : – ليتكِ كنتِ قارئة الفنجان.. !

سنمار

صباحا رأوه في الشرفة يسقي أصص الورد، مساء قفل عائدا إلى بيته محزونا، بعدما شج رأسه في ورشة البناء. وفي طريقه اشترى ضمادا ودواء.

لدى الباب أدار المفتاح، فلم يفتح !

عالجه بعنف، فأسقط أصيص الورد على رأسه، فأرداه قتيلا.

الهزاز

عندما شرعتْ تفك أزْرار قميصها زرّاً فزرّاً، لم تكن تريد غوايته، فهو لم يعد من عمله بعد، وحتى ساعة إرضاع وليدها بعد لم تحن، ولم يخطر ببالها أنَّ ابنتها البكر قد تعود للتو من حضانتها، لكي ترتمي في حضنها وتعبث بالأقفال..
لا هذا ولا ذاك حدث، كل ما في الأمر أنَّ اهتزازاً أقضَّ قعدتها، ففكَّت الأزرار عروة عروة، وأخرجت الموبيل من حمَّالة صدرها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …