الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

فنزويلا.. رواية الخراب

لورنس دوبراي. ترجمة: جلال الدّين سماعن

ألبرتو باريرا تيزكا

لقد فرغت فنزويلا من مثقّفيها. ألبرتو باريرا تيزكا(Alberto Barrera Tyszka)، هو واحد منهم. غادرها ليبنيّ حياته من جديد في مكسيكو. غادرها لكنها لم تغادر كيانه وفكره. هو كاتب افتتاحيات وبخاصة لجريدة “نيويورك تايمز”، في نسختها الإسبانية، يحمل نظرة ثاقبة عن بلده.

كطبيب أمام مريضه، يقوم ألبرتو بفحص الأعراض وتحليل أسباب المعاناة. ثم إن المرض هو إحدى تخصّصاته: فقد سبق وأن شرّحه في روايته “المرض”(صدرت ترجمتها الفرنسية عن دار غاليمار سنة 2010)، وذلك من خلال الحديث عن تلاقي أقدار أطباء ومرضى يخافون الموت، وأكثر من ذلك هم يخافون الحقيقة.

في روايته “الأيام الأخيرة للقائد”(أفريل 2018)، يعود ويتناول مرّة أخرى مسألة المرض، مرض الزعيم الفنزويلي هيغو شافيز. هو يعرف جيدًا هذا الحيوان السّياسي والإعلامي كونه قد سبق وأن ألّف كتابًا عنه برفقة زوجته الصّحافية الفنزويلية كريستينا ماركونو، بعنوان “Hugo Chavez sin uniforme” عام 2005.

لم يقع في فخّ الإيديولوجيا بل اهتم أكثر بالجانب النّفسي للشّخص وذلك بفضل حوارات والديه وأقاربه، وبفضل “يومياته” أيضًا والتي كشف عن وجودها.

“أن تفهم شافيز هو أن تفهم بلدي”، يقول ألبرتو باريرا تيزكا. حيوي وتعلوه ابتسامة، لم يتوقّف هذا الأخير عن فكّ شيفرة مجتمع قام مع بداية القرن الواحد والعشرين بإحياء الكاوودييسم [رتبة جنرال إسبانية، كاودييو Caudillo] بنكهة بوليفارية.

لا يتفادى أستاذ الأدب السّابق والبالغ من العمر 58 سنة الالتزام في زمن تُعتبر فيه الديمقراطية في خطر. شارك بحماس في الحملة الانتخابية لهونريك كابريلاس، أوّل مُعارض تجرّأ وتحدّى شافيز، والذي يُعتبر اليوم غير قابل للانتخاب. ولأن المجتمع الفنزويلي قطبيّ حدّ التطرف فإن ألبيرتو باريرا محسوب على معارضي السّلطة. غير أنه وحتى ولو كان قلمه حادًا إلا أنه يبقى رزينا يستشعر أخطاء معارضي ماديرو وفاهمًا لأصول الشافيزم. أما اليوم فالألم طغى على الأدب: لم يعد في مستطاعه أن يجد الكلمات المعبّرة على حال بلد هو بصدد الموت جوعًا ومرضًا بسبب نقص الغذاء والأدوية. التراجيديا الحالية أفقدت ألبرتو باريرا قواه ولن يكون لماديرو روايته الخاصة.

تدور أحداث رواية “الأيام الأخيرة للقائد” في بداية سنوات 2010 في عمارة وسط العاصمة كاراكاس وذلك قبل انهيار البلد، أي في تلك اللحظة التي كان المجتمع يعيش فيها معلقا بخطابات، شائعات وتمثيليات جنرالها (شافيز) الذي كان يصارع مرض السرطان، صراع أشبه بذلك الذي جمع النبي داوود ضد جالوت.

تواصل حينها تقديس شافيز؛ كان كلّ شيء عبثيّا لكنه كان واقعيّا أيضا. في الرواية، وضع ألبيرتو باريرا أبطالا موالين لشافيز وآخرين محسوبين على المعارضة، كل ذلك دون أدنى حكم عليهم. الرابط المشترك بينهم؟ “كلهم أصابتهم لوثة السياسة”. لأن في فنزويلا كلّ شيء مسيّس. والأسرار غدت هي طريقة العيش عند الأزواج والعائلات. وهو انعكاس لما كان يفعله تشافيز مع شعبه. تتعامل شخصيات الرواية مع جزع رهيب ومرهق وكأن سرطان الرئيس ينخر أيضا جسد البلد بأسره. الأمر خانق بصدق.

“الأيام الأخيرة للقائد” الحائزة على الجائزة الإسبانية الرائقة “Tusquets” هي بمثابة تصوير دقيق للوضع في فنزويلا وهي تشريح قاس للخراب الذي نال منها.

[والحديث قياس]!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …