الجمعة، 22 يونيو 2018

يحي بلعسكري: “كتاب أمراي” أو الإنسان الأبدي

سليمان آيت سيدهم. ترجمة: جلال الدّين سماعن

يحي بلعسكري
يحي بلعسكري

يواصل الكاتب يحي بلعسكري في أعماله الروائية، سبر أغوار تاريخ الجزائر بمقدور الخيال، وبفضل جانبه الغرائبي أن يحمينا ضد التوظيف مبيّت النوايا(Instrumentalisation) لبعض الأحداث التاريخية.

باختصار، يبقى تاريخ بلدنا – بعظمته وبجوانبه المظلمة – المكان المشترك الذي يمكن لأي كان أن يجد نفسه فيه. وهو بالضّبط ما يفعله يحي بلعسكري في روايته الجديدة والتي صدرت في فرنسا، في الثالث من ماي الجاري، تحت عنوان “كتاب أمراي” (Le Livre d’Amray).

عنوان الرواية في حدّ ذاته يحمل في طياته برنامجا دلاليا كاملا، ذلك أن فرضية المعنى المنبثقة منه، ودون الغوص في تلابيب الهيرمينوطيقا، تفتح أمامنا العديد من الرؤى أو الدّروب، التي تدّلنا على المشروع الروائي للكاتب.

أولاً، لكل مقام مقال، وكلمة “كتاب” يمكنها هنا أن تأخذ معنى مقدسا. فهي تشير إلى الكتب المقدسة للديانات وبخاصة التوحيدية منها. فمنذ شبابه الأول، يُبدي أمراي، عمق إنسانيته من خلال الأصدقاء والجيران الذين أحاط بهم نفسه، والذين ينتمون إلى أهل الكتاب. هكذا سنجده دائما برفقة شلومو اليهودي، باكو المسيحي، دون أن ننسى الجميلة أوكتافيا والتي هام بها قلبه. فالكتاب وبعيدًا عن طبيعته المقدّسة، يمكن أن يكون أيضا الميثاق الذي تدوّن فيه الصّداقات، وروابط الأخوة إلى الأبد.

كلمة العنوان الثانية، أمراي، تعني في الأمازيغية “الشّخص الذي يمتلك رأيا حول كل شيء”، لكنها تعني أيضا “الشّخص الذي يمكنه أن يعطي رأيا في كل شيء”، وأكثر من هذا “الشّخص الذي بمقدوره أن يكون قائدا”. من خلال هذه المعاني الثلاثة، نستطيع أن نقترب من طموح هذه الرواية وطموح صاحبها.

غلاف الرّواية
غلاف الرّواية

“كتاب أمراي” يروي مسيرة شاب يحتضن لوحده تاريخ الجزائر بأكمله، منذ بدايته وإلى اليوم. حياة يبدو فيها الراوي فخورًا بأصوله التي تتزايد أكثر فأكثر، مؤكدًا بذلك بأنه وعاء تذوب فيه كل الإسهامات الحضارية التي عرفتها الجزائر. في أحلامه الأكثر جرأة، يرى بأنه قد تجلّت فيه ملحمة الكاهنة وملحمة الأمير عبد القادر، كرمزين بارزين امتزجت فيهما الروحانية، الشّعر والشّجاعة.

قبل أن يعطي لقصته نبرة مرتبطة بتاريخ البلد، يكشف أمراي للقراء عن بعض تفاصيل حياة عائلته الصغيرة. والده عاش حياة أسطورية بمشاركته في أكبر حربين عرفهما القرن العشرون. يحدثنا بحنان عن هذا الأب الذي اجتُث من أرضه، ومن الطّمأنينة التي تميّز الفلاحين، وتم اقتياده إلى خنادق الموت المرعبة للحرب العالمية الأولى. هذه الأخيرة كانت أيضًا مشؤومة على كتّاب بداية القرن العشرين، وشهدت مقتل أزيد من أربعمائة وخمسين كاتبا، ولعل أشهرهم شارل بيغي (Péguy). يمكننا القول بأن حرب 14-18 كانت بمثابة مقبرة للنّزعات الأدبية الحديثة أو المكّرسة.

ولا يفوّت يحي بلعسكري فرصة مدح الأمهات اللواتي عرفن كيف يعوّضن غياب الرجال. بالتأكيد فإن القارئ سيتذوّق هذه الصّفحات المخلّدة، التي يهديها الكاتب لوالدته، والتي تشبه تلك التي في كتاب “كتاب أمي” لألبير كوهان، صفحات تحاول نسخ هذا التّعلق الخرافي بالأم.

بعد أن يُنصب ديكور الحياة العائلية بمختلف تعقيداته إبان الفترة الاستعمارية، يروي أمراي قصة حياته الشخصية وكأنها حكاية سعيدة بالرغم من بعض التقلبات والتغيرات الشاملة التي مسّت تقريبا كلّ الجزائريين. يحدّثنا عن طفولته اللامبالية في أعالي وهران، طفولة كانت خلفيتها حرب التحرير التي كان صداها يصل على شكل أجزاء صغيرة إلى مسامع الأطفال. ثم تحل المراهقة والتي تصادف استقلال الجزائر ونهاية ليل الاستعمار الطويل. بعينين يملؤهما الفضول، تخطر على باله الكثير من الأسئلة وأكثرها أهمية تلك المتعلقة برحيل صديقيه: شلومو وباكو.

تبقى هذه الأسئلة عالقة وتواصل الحياة مضيّها إلى أن يتحصل على شهادة البكالوريا. حدث بالغ الأهمية بالنسبة له ولعائلته لأنه يُكسبه مكانة راقية في حيّه. في الجامعة يتشكّل لديه وعي عن مختلف المشاكل التي يعاني منها البلد، فيجعل من المدرجات حلبة صراع، لإيجاد أجوبة ملائمة، لكل ما يعرقل تقدّم الجزائر.

سرد أمراي، يصبح أكثر شراسة انطلاقا من لحظة الوعي هذه المصبوغة بزوال وهم، مسّ جيلا بأكمله، وهو جيل ما بعد – الاستقلال. فعلى سبيل المثال، لم يفهم أمراي، أثناء لقاء جمعه في وهران مع المرحوم جان سيناك، كيف لهذا الأخير أن يساند لوبيات نظام ديكتاتوري! لم يكن أمراي مقتنعا بهذه الصراعات منعدمة الصدى على مقاعد الجامعة، بل كان يرغب في النزول إلى الشارع، والخروج من أسوار الحرم الجامعي.

سيجد نفسه مسيّرا لشركة تقع في الهضاب العليا، وسيكتشف حينها بأن الواقع أيضا تعشش فيه الرداءة، وبأن الضّرر عميق جدًا، زاد من حدّته الفساد وسياسة تفتقد لأدنى منطق. يتمرّد أمراي، لكن هامش تحركه ضئيل جدا، فيغرق في الملنخوليا، والتي ستقوده نحو الهجرة مع بداية العشرية السوداء. تنطلق حينذاك حياة جديدة في أوربا، لكنها حياة شخص مبتور ،يراوده دائما أمل، في أن يرى أحد أعضاءه يحيا من جديد.

من خلال “كتاب أمراي”، يتحفنا يحي بلعسكري بملحمة شعرية، تجعل الجزائري يتصالح مع تاريخه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بختي بن عودة في تسجيل إذاعي نادر

في مثل هذا اليوم 22 ماي، من سنة 1995، اغتال الإرهاب الهمجيّ، بختي بن عودة …

فصل من رواية " آرّيس" ليمينة مشاكرة

فصل من رواية ” آرّيس” ليمينة مشاكرة

تقديم وترجمة: لميس سعيدي انتظرت الرّوائية الجزائرية  يمينة مشاكرة (1949-2013) عشرين سنة لتُصدر روايتها الثانية …