الإثنين، 17 ديسمبر 2018

فصل من رواية ” آرّيس” ليمينة مشاكرة

تقديم وترجمة: لميس سعيدي

يمينة مشاكرة

انتظرت الرّوائية الجزائرية  يمينة مشاكرة (1949-2013) عشرين سنة لتُصدر روايتها الثانية والأخيرة والتي تحمل عنوان “آرّيس” (صدرت  باللغة الفرنسية سنة 1999 عن منشورات مرسى).

تؤكّد ناشرتها أنّ يمينة كانت تحرص في كلّ مرّة على تشديد حرف الراء ليكون نطق كلمة آرّيس سليمًا وفقًا للغة الأمازيغية؛ آرّيس هذه المنطقة الجبلية في الشّرق الجزائري والتي تُعتبر مهد الثورة الجزائرية (1954-1962)، حوّلتها مشاكرة إلى شخصية روائية في روايتيها: “المغارة المتفجِّرة” و”آرّيس”، شخصية الابن مسلوب الهويّة والذي تسكنه لغتّه الأمّ دون أن يكون قادرًا على التحدّث بها.

تؤكّد مشاكرة أنّها لم تتوقّف يوما عن الكتابة، لكن الفوضى التي كانت رفيقة حياتها جعلتها تضيّع الكثير من المخطوطات بما فيها جزء من مخطوط رواية آرّيس، مع ذلك فهي لم تضيّع هذه السّنوات الطويلة في خيبات وآلام لا طائل منها؛ انشغلت مشاكرة معظم حياتها بأبحاثها العلمية في مجال الطبّ العقلي (حصلت على شهادة الدكتوراه من باريس سنة1991) وبالعمل كطبيبة في القرى والمناطق النائية في مختلف أنحاء الجزائر، هذا العمل الذي جعلها تقترب من حقيقة الألم الجسدي والألم النفسي، اللذين كانا في كثير من الأحيان مصدر إلهام بالنسبة لتجربتها الروائية: “كيف لا أحبّ البشر، بعد أن غمست أصابعي في دمائهم،  جمعت أحشاءهم، تنفست رائحة فمهم الكريهة،  التقطت نَفَسهم الأخير؟”

تقول يمينة مشاكرة في أحد حواراتها عن رواية “آرّيس” والتي نقدّم ترجمة إلى اللغة العربية لأحد فصولها: “آرّيس هو هوس البحث عن الجذور الأولى، عن الثقافة الأوليّة، خارج كلّ دين وكلّ لغة، كما في ميثولوجيا “آراكي”. كلّ الأدب الجزائريّ مصاب بحالات اضطراب ذهني تتعلّق بالهويّة. آرّيس شخصية مقتلعة من جذورها لكنّه أيضا رمز للعناد الهويّاتي خلال الهجرات الجغرافية، خاصة الدّاخلية منها داخل النّفحات الهذيانية للبحث عن الذّات.”

***

يقول البطريرك: في الزّمن الغابر، قبل مجيء الربّ، كان المُلك لآراكي؛ ثمّ جاء اليوم الذي قرّرت فيه، آراكي، أمّنا جميعا، أن تحاسبنا.

انفتحتْ السّماء وظهرت هيئة إلهية؛ زمجر الرّعدُ فانفتحتْ السّماء أكثر وظهرتْ هيئة نورانية وقزحية الألوان.

شعب آراكي كان هنا. وهي، كان قوس قزح حِزامها. تقدَّم الرّعاة بنعاج صوفها أبيض كبياض الثّلج. ركعوا وقدَّموا لأمِّنا ثمرة السنة.

مزَّق الفلاحون أَشولة ضخمة فتناثر القمحُ بلون الذّهب عند قدميها. وضعتْ كلّ امرأة حامل حملها وتقدّمت وهي تحمل طفلها على ساعديها. مارس المراهقون الحبّ. سلال فواكه من كلّ نوع وفصل كانت هنا؛ تبعثرت الأشجار المحمّلة بالفواكه. تَناقشَ كلب وذئب حول إصلاحات جديدة تخصّ الصيحات المتبادلة بينهما في كلّ ليلة؛ هناك، علّمتْ دجاجةٌ ثعلبًا كيف يطير بجناحيه الخاصين. وفي مكان أبعد، عرضَ حمار على امرأة عجوز أن يحملها فوق ظهره. كان الموكب الذي جاء لاستقبالها هائلا. أمسكَ غرابٌ بيد رجل عجوز فقد بصره. تبع النمل والفِيلة، كلّ على حدة بطريركه، وتحدّث النمل عن السّنة المقبلة: سيكون القمح نادرًا لذا لن نفتح أبوابنا للجنادب. كان عليهم أن يحافظوا على مخزونهم من الحبوب .

أنصتتْ سلحفاتان عانستان إلى دردشة النّمل. قالتا: تسس! منذ أن حلّت النّجوم هنا، أصبح التفكير مَشاعا.

شرح نِمر لقِطّ بأنّه وفقًا للتّحليل النفسي، فإنّ الانتحار ليس من اختصاص مجتمعهم. تابعت الفئران، بآذان صاغية، النّقاشَ دون أن تنطق بكلمة واحدة، لكي تحسن الدفاع عن نفسها.

وضع فيل دون قصد إحدى قوائمه على شعب النمل. آآي! صرخ النّمل. لسنا كائنات غير مرئية. تسس! قالت إحدى السّلاحف العوانس: اللامتناهي في الكِبر واللامتناهي في الصّغر يلتقيان الآن!

هنا وهناك، لعب الأطفال مع الفراشات، فيما استفسر النّحل عن حاجة الجماعة إلى العسل.

قامتْ حمامة بعدّة جولات في السماء ثم ركعتْ عند قدمي آراكي.

أنا أسود، قال الغراب لرفيقه الأعمى. ستُدلي الحمامةُ بشهادتها لأجل لحيتك البيضاء وليس لأجلي.

اسكتْ، أيها الطّائر المشؤوم، ردّ الرجل العجوز مجادلا. ظلّ الغراب ممسكًا بيد صديقه لكي لا يتعثّر.

ثم جاء الشّاعر. أدّى فروض التحيّة وابتسم لآراكي. اللعنة، يقول الغراب بصوت عالٍ. بالنّسبة إلى هذه السلالة، الغراب هو أكثر الكائنات انحطاطًا. قام الرجل العجوز بحركة تعبّر عن تذمّره ثمّ تأفّف. لا أستطيع أن أحبس دموعي أمام هذا المشهد، قال الغراب. ثمّ استأنف: يا آراكي، لا زلتُ أجيد البكاء.

ساد صمت ما. فلتُمحى ذِكراي من ذاكرتكم إلى الأبد! مع ذلك أتركها للشّاعر وأترك الحياةَ الأبدية لشعبي بأكمله.

انشقّت الأرض إلى نصفين وتبع الشعبُ بأكمله الشاعرَ، حتّى النّمل تبعه.

قال بطريرك النّمل: الشاعر، الشاعر الملعون، استقطب الجميع، حتىّ نَملي! كان الغرابُ يحرس خطوات صديقه. لا أعرف، قال الغراب، من سيدفن آخرَ واحد منّا…

لمدّة طويلة، التزموا الصّمت، ثم قال بطريرك النّمل: أظن بأنّ الشاعر محقّ. كانوا يسمعونه وهو يغنّى؛ وكان صوتُه ينطفئ كلّما ابتعد عنهم.

  • فليشرب كلّ واحد منكم من هذا الماء، قال الشاعر.

اندفعوا نحو النّبع وارتوَوْا.

  • اقطفوا وكُلوا هذه الفواكه؛ مَدّوا أيديهم نحو الفاكهة التي أدهشهم تنوّعها.
  • انظروا إليّ، قال الشاعر.

حدَّقوا إليه دون أدنى اندهاش.

  • أنا الشاعر.

لم يجيبوا.

  • أمثِّل كلّ واحد منكم وأمثِّلكم جميعا.

لم يجيبوا.

  • أنا أحبّكم.

استمرّ صمتهُم.

  • أحبّكم على شاكلة أمّنا جميعا… آراكي.
  • آراكي… ردّد الكورس.
  • فلنشيّد معبدًا باسمها.
  • فليكن، أجاب الكورس.
  • أريده عاليًا، عاليًا حتى تلمحَه وحينها سأبوح لها بحبّي.

نعم، بالفعل، هذه هي الحقيقة، أن تكون محبوبًا أو أن تعرف بأنّك محبوب. وجدت نفسي منفصلا عن العالم هناك. قوّة عنيفة، بعيدة كانت تجعلني أكتشف العالم المنسي. لا أحد يمتلك ذاكرة تكفي لتَذَكُّره. أنا أفقر الفقراء. لا إرث لي سوى الذّاكرة. رهيبة، رهيبة هي الذاكرة.

  • ما الحقيقة؟ سأل الشّعب.
  • الحبّ، أجاب الشّاعر.
  • ما هو الحبّ؟
  • حين يحدّق بعضنا إلى بعض دون أن نطرح على أنفسنا أدنى سؤال.

سيأتي اليوم الذي سأسجد فيه عند قدميك… آراكي.

سينال توتُ العُلّيق من لحمي، وينال تجاهلُكِ من كبريائي…

أنتِ التي أناديك ولن تأتي، امنحيني مرّة أخيرة ابتسامتي في الأيّام الخوالي. مرّة واحدة، مرّة أخيرة.

تركتِ لي الذّاكرة. ذاكرتكِ، لكن… ابتسامتي. شَعبي ليس بحاجة لا إلى تاج ولا إلى تمجيد. هو بحاجة إلى الحقيقة. أريد ابتسامتي قويّة، قويّة… لن أكون بحاجة حتّى إلى الكلام. ستُهدِّئ العواصفَ، ستُخرس الرّعدَ ولن يرتجف الأطفال بعدها. ستُخرس السّيف ولن يسيل الدّم بعدها.

لن تسيل قطرة دم واحدة، ولا دمعة واحدة. ستنكسر القيود من تلقاء نفسها، وتسقط كحبّات غبار. ستندملُ الجروح وستتفتّح أياد جديدة، جديدة، مع طلوع الشمس… يا آراكي.

أَمّا قلوبنا، فستكون رقيقة كقلوب الخِراف.

على قطعة الأرض التي انفصلت عن عالم آراكي، كان الشّاعر يغنّي وشعبه يردِّد خلفه لازمة أغانيه.

كم هو بعيد العالم القديم!

  • غدًا، قال الشّاعر مخاطبًا الكهنة، سنبني محرابًا.
  • تكريمًا لمن؟ صرخوا.
  • تكريمًا للتي أنجبتنا، تكريما لآراكي.
  • فليكن، قال الكهنة، وشُيِّد معبدٌ بلون الأسفلت.

في الوقت ذاته الذي كانت فيه النّجوم تضيئ في السّماء، كان الشّاعر يغنّي، رفقة الكهنة. آراكي كانت هنا، تحملها الأصواتُ بكامل عظمتها. كان كلّ واحد يشعر بها تنساب في الجسد، ثمّ في الدماغ.

  • آراكي، صرخ الشّاعر، وأرسل ابتسامة إلى المعبد، أحمل لكِ قوّة محبّتي. حبّي، ذاكرتي. أحبّكِ كهؤلاء الذين خسروا كلّ شيء، عدا حقيقتهم. لذا أرحل، وسأرحل أبعد من هذا، وهناك، سأقيم عالما على صورتكِ. سيخفق هذا القلب الذي يرتجف داخل هذا العالم إلى الأبد. وسوف يحملنا الزّمن، يا آراكي، الزّمن الذي يصوغ الحَجَر، ويصوغ الحبَّ، هذا البعد الآخر خارج ذلك الذي نعيش بداخله.

خلف الشَّعر الذي يحجب وجهه، كانت تطفو ابتسامةُ الشِّاعر الحزينة.

  • فلتُحرَم ذاكرتكم إلى الأبد من الحبّ ولتُحرَم عيونكم إلى الأبد من نوري، قالتْ آراكي.

كانوا يتقدّمون عبر دروب صخرية لونها أرجوانيّ.

  • تُذكِّرني هذه الدّروب بزهرة البنفسج، يقول الشّاعر.
  • ما هو البنفسج؟ يسأل رجل عجوز.
  • زهرة.
  • زهرة، يردِّد طفل.

توقّف الشّاعر، وتحدَّث إلى شعبه:

– أنتم الذين ضيَّعتم آراكي من ذاكرتكم، هل تحلمون؟

– نعم، لكننا عاجزون عن وصف ما نراه.

– لقد حلمتُ، يقول الشاعر، بأنّه في مكان شبيه بهذا المكان، رأيت الماء ينبثق من الصّخرة، والنّار تنبثق من أيديكم، ورأيتُ، بل أرى، شرارةً تخرج من عيونكم وتعبر الليل!

– شرارة تخرج من عيوننا، وتعبر الليل!

– أرى رجلاً من الشّمال قادمًا من البحر. يحمل حقيقة أخرى غير حقيقة آراكي.

– أيّة حقيقة أخرى؟

– الرّجل قادم من البحر؛ عيناه بلون الماء. ستعيد لكم كلماتُه الذاكرةَ والبصر، لكنّها ستبعدكم إلى الأبد عمّا كنّاه سابقًا، عن الحياة الأبدية.

– من هو هذا الرجل؟

– إنّه قادم، وإنّني أراه، لكن لا تنصتوا إليه، لا تتّبعوه.

– فلنَتوقّف!

يتوقَّفون دون أن ينطقوا بأيّة كلمة.

هكذا بدأ عهد الرّب. يَصلُب الشّعبُ الشاعرَ ويتبع البَّحارَ الذي يعظهم ويحدِّثهم عن الربّ الواحد. يحمل البَّحارُ الشّعبَ على متن سفينته ويرحل تاركًا الشّاعر على الصّليب، وهو يصلّي لآراكي. يسمع شعبه يتغنّى بالرّب ويبتعد. يحملهم البَّحار إلى عالم الرّب.

هكذا بدأ عهد الرّب.

أنا، أعرف، تقول الأمّ الصغيرة، سيستقبلهم الموتى بالجمرات. سيثورون ضدّ بشر يأتون لاستعراض إحسانهم أمام الإله ولطلب عفوه. سيفتح لهم هذا الأخير أبواب الجنّة. يصرخ الموتى: “لقد خدعهم الرّب؛ الأحياء يساندونه”. لا تصل صرختهم. يواصل الأحياء حلمهم بحجّة أن الرّب عَفُوّ. هكذا أفضل، أليس كذلك؟ ليس الموتُ سوى سلسلة تعبيرات جسدية وروحية تؤثِّر على حياة الكائن، حتّى ما بعد القبر. ينتهي الموت حيث تبدأ الحياة. تتكاثر الحياة وتستمر إلى الأبد، بما أنّ الموت بداية جديدة وأبدية.

أنا، لا أؤمن بكلّ هذا… أو، إذا شئتَ، لم أعد أؤمن به. لا ثروة لديّ لأدفع ثمن تقاعدي في جوار الرّب. انتزع منّي المحبّة الوحيدة التي منحني إيّاها. فليكن. في الوقت ذاته الذي ينتزع فيه منّي ابني، يحرّرني منه. الآن، وقد كفرت، عليّ أن أصبح ثريّة، وبالتالي عليّ أن أكذب، وأسرق، وأقتل. بهذه الطريقة سأدفع إيجار الإقامة في بلد الرّب. الرّب، ما هو إذن؟ كان البطريرك يقول لنا، بأنّه قبل عهد الرّب، طُرِدنا من مملكة آراكي، أمّنا جميعا. بشر، ونباتات، وحيوانات، يلتقون، يتمازجون، ثمّ يتحوّلون. كانت أمّنا آراكي تقول بأنّ كلّ واحد منّا هو محصِّلة الجميع. كانت تقول أيضا: أنا موجودة فيكم كما أنتم موجودون فيّ.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هالوسين.. أو رواية الجرأة

هالوسين.. أو رواية الجرأة

فاجأ الفيلسوف الجزائري المثير للجدل إسماعيل مهنانة الجميع مؤخرًا، بولوجه إلى عالم الكتابة الرّوائية وإصداره …

حميد سكيف

حميد سكيف: بيم بام بوم

هذا النّص صدر، عام 1971، في أنطولوجيا الشّعر الجزائري، التي أشرف عليها جان سيناك. نقدّمه، …