الإثنين، 17 ديسمبر 2018

نزار قبّاني.. عن الشّعر والجنس والثّورة

محمد علاوة حاجي

في خريف 1971، التقى النّاقد (ولاحقاً المفكّر والمؤرّخ) الفلسطيني منير العكش بالشّاعر السّوري نزار قبّاني (1923- 1998)، الذي مرّت قبل أيّام ذكرى رحيله العشرون، في بيروت.

وأجرى معه حواراً مطوّلاً استغرق قرابة عشر جلسات، على مدار شهرَين. وصدر الحوار نهايةَ العام نفسه في كتابٍ من 75 صفحةً، تحت عنوان “عن الشّعر والجنس والثورة” (منشورات نزار قبّاني).

في هذا الحديث الطويل الذي اعتبرَه “من أدقّ أحاديثي وأخطرها، وأكثرها مسؤوليةً”، يكشف صاحب “قالت لي السّمراء”(1944) عن رؤاه حول مسائل مختلفة، ضمن محاور فكرية وفلسفية متعدّدة؛ من بينها: القصيدة والمرأة والدّين والسّياسة والثّورة.

لم تكُن أسئلة العفش مسالمةً ولا خاليةً من النيّة العدوانية السّابقة، كما كتب قبّاني، مُعتبراً أنه أجاب عنها بروحٍ رياضية، لأن الهدف من الأسئلة المثيرة هو “فتح شهيّتي للكلام، واعتصاري حتى آخر نقطة، كحبّة الزيتون”.

الله ناشراً

تبدأ الأسئلة من دكتاتورية الجمهور. يسأل العفش إن كان جمهور قبّاني يشاركُه في كتابة قصيدته، فيُجيب الأخير بأن الجمهور لا يجلس على أصابعه حين يكتب، لكنه يستقطب همومه وانفعالاته ويتحسّسها خلال الكتابة: “بهذا المعنى، أنا أقف على أرض التوقّع والنّبوءة”.

يستفسر المحاوِر عمَّ إذا كان ذلك يعني أن “هموم الجماهير” تستغرق الشّاعر كليّةً، بحيثُ تتماهى مع تجاربه الصّغيرة، فيقول قبّاني إنه لا يُفرّق بين التجارب الصّغيرة والكبيرة، فكلّ تجاربه الصّغيرة هي تجارب العالم كلّه: “حين أتحدّث عن حبّي، إنما أتحدّث عن حبّ العالم كلّه، وحين أتحدّث عن حُزني، إنما أتحدّث عن حزن الدّنيا بأجمعها”.

هذا الحديث، سيقود العفش إلى طرح سؤالٍ عن الحريّة، إذ يبدو أن الاستغراق، إن وُجد، يفرض ضغطه ويُملي على الشاعر ما يُريده هو من القصيدة، فينفي قبّاني، بشكلٍ قاطع، ممارسة الجمهور أيّ ضغطٍ عليه قبل التجربة: “إنني على الورق، أمتلك حريّة إله، وأتصرّف كإله. وهذا الإله ذاته هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب”.

هنا، يذهب قبّاني إلى أن الكتب المقدّسة جميعاً ليست سوى تعبيرٍ عن الرّغبة الإلهية في التواصل، إلّا حكم الله على نفسه بالعزلة، مضيفاً أن تجربة الله في ميدان النشر والإعلام، وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التّجارب التي تُعلّمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى النّاس هي “سمكة ميتة”.

غلاف الكتاب

شاعر مدلّل.. سابقاً

سيُواجه الشّاعر سؤالاً/ اتّهاماً بالمتاجرة بعواطف الجمهور، إذ يرى العفش أن تحوّلاً عميقاً طرأ على شعر قبّاني منذ “الممثّلون والاستجواب” تمثّل في طغيان الجماهيرية عليه، فيُجيب بالقول إن التحوّل من الحبّ إلى السياسة ليس تجارةً رابحة مطلقاً؛ لأن “النّوم في عيون النّساء أكثر طمأنينة من النّوم بين الأسلاك الشّائكة”.

ويُبرّر قبّاني هذا التحوّل بما أسماه هزّةً داخلية تسبّبت بها “نكسة حزيران”(هزيمة جوان 1967)، مضيفاً أن الشّعر السّياسي علّقه “على أكثر من صليب، وأكثر من حبل مشنقة، وأن نصف الأنظمة العربية تقف من شعره السياسي موقف العداء والرّفض، وتمنع كتبه من دخول أراضيها، بعد أن كانت تدلّله كشاعر حبّ.

لكن ما الذي دفعه إلى هذا الخيار؟ سؤالٌ لا يطرحه العفش لكنّنا نقرأ إجابته: “اخترتُ أن أموت على الطّريقة البوذية، لأنني أؤمن أن الكتابة نوعٌ من الشّهادة، وأن الشّاعر الحقيقي يُذبَح بسيف كلماته، كما فعل سقراط والحلّاج”.

المنسف وجسد المرأة

ينتفض “شاعر المرأة” ضدّ ربطه بشعر الحبّ الذي تُحدّده جغرافية جسد المرأة، معتبراً المرأة ليست سوى “قارة من القارات التي سافرتُ إليها”. هنا، يربط قبّاني قضيّة المرأة بما يُسمّيه حرب التحرير الاجتماعي التي يخوضها العالم العربي(اليوم): “ما لم نكفّ عن اعتبار جسد المرأة منسفاً (أكلة شعبية في المشرق) تغوص فيه أقدامنا وشهواتنا، فلا تحرير إطلاقاً”.

يُلمّح العفش إلى ما يبدو تناقضاً: “هذا لا ينفي عن شعرك احتراف الإثارة”، فيردّ قبّاني بأن ما فعله كان نقل سريره إلى الهواء الطّلق، من منطلق رفضه أن يلعب اللعبة خلف الكواليس. أمّا الهدف من ذلك، فهو “أن أحرّر أثداء النساء من أسنان الخلفاء، أن أُنهي مرحلة السّرية والأحكام العرفية المفروضة على جسد المرأة العربية، وأُعيد للحبّ شرعيته”.

وهو يتحدّث عن المرأة، يُعبّر قبّاني عن رفضه القول بأنه يكتب اعتماداً على الذاكرة الشعرية العربية، لافتاً إلى ما يعتبرها ملاحظةً خطيرة لمسها من قراءاته، تتمثّل في كون كلّ الحبيبات في الشعر العربي امرأة واحدة، بمقاييس جسدية واحدة، وأن الانفعال بجمال المرأة كان “صحراوياً” دائماً؛ فحبيبة جرير هي نفسُها حبيبة الفرزدق، وأبي تمّام، والشريف الرضي، وأحمد شوقي، وخليل مطران، وسامي البارودي.

هذه “الحقيقة المرعبة” دفعتهُ، كما يُضيف، إلى دخول الشعر العربي من بابٍ آخر، من دون استعارة عواطف الآخرين. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يعتبر أن “شعري هو وثيقة اجتماعية للحياة العاطفية بين الجنسًين خلال الثّلاثين سنةً الأخيرة”.

لا يخلو الحديث عن محاججةٍ؛ إذ يعقّب العفش بالقول إن جرير والفرزدق وأبا تمّام لا يُمثّلون شعر الغزل العربي. وفي بعض المواضع، يُصعّد أسئلته، كما في السّؤال الذي يُخاطب فيه محاوَره قائلاً: “أنت تعيش على شكلٍ نسجته لك أصابع الآخرين”، فيُعلّق قبّاني بالقول: “هذا كلام سائبٌ وغير مسؤول. ومطلوبٌ منك أن تُوضّح من هم الآخرون”.

نزار قباني

الدّين والثّورة

مجيباً عن سؤالٍ عن إيقاع الشّعر وإيقاع الدّين، يقول قبّاني إن الشّعر يُحوّل كلّ شيءٍ إلى ديانة، فـ”حتى الجنس يصيرُ ديناً، والسّرير يصير مذبحاً وغرفة اعتراف. والغريب أنني أنظر إلى شعري الجنسي بعينَي راهب، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجّادة صلاة”. وعمَّ إذا كان التصادم بين الإيمان والألوهة شرطاً أساسياً في الإبداع، يجيب: “حين أكتبُ شعراً، لا أقبل أن يُشاركني أحد مساحة الورقة التي أكتب عليها، لأنها من الأملاك الخصوصية التي أمارس عليها سلطتي المطلقة”. مضيفاً: “ليس ضرورياً أن يصطدم الله والشّاعر”، على اعتبار أن كلّاً منهما يحكم على أرض مختلفة.

هل تستحق مشكلة العرب الجنسية أن تستنزف من حياتك الشعرية أكثر من ربع قرن؟ سؤالٌ يُجيب عنه قبّاني بالقول: “الجنس هو صداعنا الأبدي”. ولا يغيب الجنس حين يتطرّف إلى “الثّورة العربية” التي يعتقد أن عليها أن تضع في حسبانها تغيير الجسد والفكر معاً؛ لأن “الشمولية هي الشرط الأول للعمل الثوري، فالثورات لا تكون بالتقسيط”.

يتواصل الحوار في شكل صدام بين العفش وقبّاني، متطرّقاً إلى الشّعر واللغة والشّكل وشعر النثر والإيقاع والأصوات الشعرية، ووظيفة الشعر. يُلخّص الشّاعر رأيه في الجزئية الأخيرة قائلاً: “من وظيفة الشعر أن يتّجه إلى المستقبل بالانقضاض والتّجاوز وكسر السّاعات الرملية التي حبست الزمن الشّعري العربي”.

يقول قبّاني إنه أصبح، بعد هذا الحوار، متأكّداً من أن قصائد الشاعر وحدها لا تكفي للتّعبير عن حقيقته. وبالتأكيد، فالحوار يكشف عن رؤى الشّاعر في مرحلةٍ معيّنة، ولا شكّ أن كثيراً منها تغيَّر مع التغّيرات والتحوّلات التي عاشها خلال ستّة وعشرين عاماً التالية.

وفي مقدّمة الكتاب، الذي صدرت طبعته الثانية في جانفي 1972، يلفت قباني إلى ذلك، حين يقول إن الحوار لا يُشكّل “الجدار النّهائي لأفكاري. هو صورة تفكيري الآن. وعلى وجه التحديد في هذه المرحلة التاريخية التي يُحاول فيها العقل العربي أن يثور على نفسه، وأن يعيد النظر في مقولاته القديمة”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هالوسين.. أو رواية الجرأة

هالوسين.. أو رواية الجرأة

فاجأ الفيلسوف الجزائري المثير للجدل إسماعيل مهنانة الجميع مؤخرًا، بولوجه إلى عالم الكتابة الرّوائية وإصداره …

حميد سكيف

حميد سكيف: بيم بام بوم

هذا النّص صدر، عام 1971، في أنطولوجيا الشّعر الجزائري، التي أشرف عليها جان سيناك. نقدّمه، …