الأربعاء، 21 أغسطس 2019

“سفّاح قالمة”.. مجازر 8 ماي 45 كما رآها الأوربيون

جلال الدّين سماعن

يقول بطل الرّواية، موريس فابر، بأن “الحقيقة التّاريخية هي مسألة وجهات نظر”. بهذا المنطق سيقدم وجهة نظره كمستعمر سابق وكمتّهم أول في أحداث 8 ماي 1945 في هذه الرواية البوليسية التّاريخية والتي صدرت سنة 2007.

في حوالي ثلاثمائة صفحة سيسرد موقفه والدّوافع التي كانت وراء قراره بإبادة مئات الجزائريين. موقف مغايّر تمامًا لذلك الذي عبّر عنه الكتّاب الجزائريون في مختلف أعمالهم، التي أرّخت أو حاولت التّأريخ لهذه المجزرة الشّنيعة.

لكن وجب أولا أن يعرف القارئ بأن كاتب الرواية. فرانسيس زامبوني، صحافي وروائي فرنسي من مواليد 1947 بقسنطينة. عاش فيها حتى سنّ المراهقة ثم غادرها كغيره من آلاف من سيعرف لاحقا باسم “الأقدام السوداء”. معلومة قد تساعد متصفّح العمل على فكّ شفرات بعض أجزائه “المتحاملة” والتي ستصدمه لا محالة.

تبتدئ أحداث الرواية التي تدور في بدايات القرن الحالي، حين يتم توقيف موريس فابر، وهو نائب محافظ مقاطعة قالمة في سنوات الأربعينيات، وذلك في مطار باتنة أين حطت الطائرة التي كانت تقلّه بسبب خلل تقني وهي التي كانت متوجهة إلى تونس.

لم يكن يتوقع بأن تلك المذكرة المطالبة بتوقيفه والتي أصدرتها جمعية ضحايا وأبناء ضحايا مجزرة 8 ماي 1945 قبل سنوات قليلة سيكون لها مفعول وستوقع به يوما ما. رفض أن يعتبر احتجازه توقيفا قانونيا، بل راح يصّر في كل مرة يتم استجوابه على أن ما يحدث له هو عملية اختطاف ستدفع السّلطات الجزائرية ثمنها عاجلا أم آجلا.

يتم اقتياده إلى محكمة سطيف، لكن وبسبب مشاكل صحية يعاني منها نتيجة هشاشة قلبه، سيتلقى معاملة خاصة نظرًا لحرص السّلطات الجزائرية على عدم تفويت فرصة لاكتشاف الكواليس التي صاحبت التحضير لواحدة من أفظع المجازر التي عرفها البلد.

كعادة الطرف الفرنسي، يلّح موريس فابر على تكذيب الرقم خمسة وأربعون ألف ويعتبره مبالغا فيه ومضخما جدًا. سيؤكد مرة أخرى بأن عدد الضحايا لم يتجاوز الألفين وفي أحسن الأحول ضعف هذا العدد، مقابل 103 ضحية أوربية. يؤكد الرقم ببرودة أعصاب وكأن 2000 أو 4000 قتيل في ظرف شهر واحد رقم تافه وبأن أرواح الذين قتلوا هي أرواح حيوانات وليست أنفسا بشرية.. ثم هو يعتبر بأن ما حدث كان ردّة فعل وليس فعلا إراديا: لم يكن ليُقتل الجزائريون لو أنهم لم يبادروا بقتل ثلاثين أوربيا.

حين يتم عرض المحامي صالح براهيمي على موريس فابر يرفضه ويفضل إيكال مهمة الدفاع عنه إلى المحامية “نجمة مقدم”.

القارئ العارف سيفكر وهو يقرأ اسم نجمة في واحدة من أعظم الروايات الجزائرية وهي رواية “نجمة” لكاتب ياسين. سيتأكد بعد صفحات قليلة حين تتحدث المحامية عن هذه الرواية وتوصي موكلها بأن يقرأها. “نجمة” كاتب ياسين رمز للحبّ لكنها أيضًا رمز للجزائر وللحرية التي كانت تسعى لنيلها إبان صدور الرواية، سنة 1956. ولا يحتاج القارئ إلى كثير من الذكاء ليدرك سرّ اختيار هذا الاسم من طرف الكاتب فرانسيس زامبوني! لكن القارئ غير المضطلع في اللغة الفرنسية لن يتفطن إلى سر اختيار اسم “قدور” للممّرض الذي سيتولى مهمة التكفل بالمتهم – المريض، موريس فابر. بالفعل، “قدور” اسم عربي وهو تصغير لاسم عبد القادر. لكنه انتقل إلى اللغة الفرنسية بمعنى آخر وأصبح “Cador” وهو يعني القايد أو.. الكلب.

وحين نلحظ تصرفات الممرض تجاه موريس فابر وتشابهها الصارخ مع العملاء والعبيد الذين اختاروا الانضمام إلى الصّف الفرنسي إبان الاستعمار سنفهم سرّ اختيار هذا الاسم..

غلاف رواية سفّاح قالمة

تبدأ القاضية مهمة التحقيق مع المتّهم لكنه يرفض التعامل تارة أو يتعامل تارة أخرى بطريقة تشبه تماما تلك التي تبناها النازي كارل أدولف أيتشمان: “أنا أعطيت الأوامر فقط ولم تتلطخ يديّ بأي دم!” (وهو الموقف الذي دافعت عنه حنة أرنت بطريقة ما وفق نظريتها المعروفة عن الشّر).

في الجزء الثّاني من الرواية وهو الأهم، ستدخل حيّز الأحداث شخصية “باتريك أوهارا” وهو عميل أمريكي في ثوب مستشار ثقافي في سفارة أمريكا. من خلال أوهارا، سيكتشف القارئ فصلا آخرا مغيّب أو لم يلق عليه الضوء كما ينبغي: النوايا الأمريكية التي صاحبت حلولها بالجزائر إبان الحرب العالمية الثانية وخاصة الدور الأمريكي عن طريق CIA في مجازر الثامن ماي 1945. في لقاءاته وأحاديثه مع موريس فابر سيكشف عن نظرته للأشياء وعن الطريقة المثلى التي يجب على فرنسا إتباعها إذا ما هي أرادت أن تبسط كامل هيمنتها على الجزائر: فعلى عكس موريس فابر الذي كان يأمل ويخطط من أجل سياسة ستسمح بتساوي عدد “الأهالي” مع الأوربيين، كان باتريك أوهارا يرى بأن على فرنسا أن تحذو حذو أمريكا التي أبادت الهنود عن بكرة أبيهم لتستحوذ على أرضهم بطريقة نهائية. وكثيرا ما ردد على مسامع موريس فابر بأن تعليم وتوفير الصّحة للجزائريين سيمنحهم القوة اللازمة للقيام بثورة شاملة لن تستطيع فرنسا مقاومتها.. وسيثبت التاريخ بأن أوهارا هذا قد صدق.. وهو كذوب!

في هذا الفصل أيضا سيكتشف القارئ تفاصيل عديدة قبل وبعد الثامن ماي وكيف سيّر موريس فابر ما يسميه هو “تمردا” وما سيسميه الجزائريون “إبادة جماعية”. سيتعرف على الدوافع الحقيقية التي تم التخطيط لها بدقّة لكن الأمر سيفشل بسبب تغيير أمريكا لرأيها وتقريرها صرف النّظر عن شمال إفريقيا والتركيز على إيطاليا خوفًا من استيلاء المعسكر الشيوعي عليها.

سيكتشف كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتضرر بشكل مباشر لو أن فرنسا تقوم بالاعتراف بجرائمها سواء المتعلقة بالثامن ماي أو بحرب التحرير.. ولهذا ترفض السلطات الفرنسية إلى الآن تقديم مثل هذا الاعتراف والتعويضات المنجرة عنه.

رواية “سفاح قالمة” مزيج بين التحقيق البوليسي والاستدعاء المتواصل لحقائق تاريخية حدثت فعلا. هي خليط بين المونولوج، الحوار والتقارير البوليسية والقضائية المكتوبة والتي كلّها تمنح القارئ، الجزائري خاصة، زاوية رؤية جديدة هو حديث عهد بها، كونها مختلفة عن الرّواية الرّسمية التي طالما قرأها أو سمع عنها في كل ثامن ماي من كلّ سنة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …