الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

عندما ثأر الفنان نايل بلوفة لأبيه المخرج

 

رحل المخرج الجزائري فاروق بلوفة ( 1947 – 2018)  وفي قلبه غصّة من الوضع الثقافي في الجزائر؛ لم تتحقق أمنياته ومشاريعه، وهو الذي أظهر كفاءة عالية في إخراج فيلمه الوحيد «نهلة»، الفيلم الذي صوّره في عز الحرب الأهلية اللبنانية.

فاروق بلوفة

درس فاروق بلوفة الفن السابع في المعهد الوطني للسينما في الجزائر، وواصل دراسته في باريس، ليتخرج من المعهد التطبيقي للدراسات العليا هناك، بأطروحة عن “نظرية السينما” تحت إشراف الناقد الشهير “رولان بارت”.  في بداية مشواره الفني، عمل كمساعد مخرج ليوسف شاهين في فيلمه “عودة الابن الضال”، الذي شاركت الجزائر في إنتاجه؛ وكان قد أخرج فيلما وثائقيا سنة 1973 تحت عنوان «حركة التحرير» لكن الرقابة منعته وقامت بحرقه، حسب تصريح بلوفة.

افيش فيلم نهلة

وفي عام 1979، أخرج فيلم «نهلة» ويعتبر الفيلم الوحيد في مساره؛ أعد السيناريو والحوار رفقة الروائي رشيد بوجدرة والناقدة السينمائية منى براح، وأوكل أدواره لممثلين لبنانيين؛ في حين قام الجزائري يوسف السايح، بدور المصور الجزائري القادم لبيروت لتغطية الحرب الأهلية اللبنانية. الفيلم تناول بعمق موضوع الحرب الأهلية اللبنانية؛ هكذا أشادت الصحافة اللبنانية بالفيلم، اعتبره أحد النقاد اللبنانيين “أحد كلاسيكيات السينما العربية، وواحداً من أولى الأفلام التي عالجت موضوع الحرب الأهلية اللبنانية بشكلٍ جدّي وعميق، مبتعداً عن البروباغندا، وعن التسخيف”.

بعد رحيله، كتب يقول الإعلامي اللبناني بيار ابي صعب : “.. في المنفى عاش ومات فاروق بلوفة، ولم نعلم برحيله إلا عن طريق المصادفة عبر حساب الكاتبة وسيلة تمزالي، التي أعادت نشر صور من «الزمن الجميل». كان لا بد، كي يكتمل الوداع، أن توجّه بيروت تحيّة أخيرة للسي فاروق. بيروته التي لم يبق الكثير مما عرفه فيها، لا من رموزها ولا من أحلامها، ستبقى تستعيد صوراً وأغنيات ووجوهاً من «نهلا» وزمنها، كي تحافظ على شعلة الصداقة والزمن الجميل”.

كانت تلك تجربة سينمائية جزائرية جريئة وناجحة، خاضها المخرج فاروق بلوفة، إذ يكاد يكون الفيلم الجزائري الوحيد الذي لامس قضايا خارج الحدود.

بعد النجاح الذي حققه فيلم «نهلة»، وإشادة النقاد به، تشجع فاروق بلوفة في خوض تجربة سينمائية أخرى، هكذا أنهى سيناريو فيلم عن شخصية “ايزابيل ايبرهارت” (1877-1904) ، الصحافية والرحالة الأوروبية التي عاشت في الجزائر وكتبت عنها، ودافعت بكتاباتها عن السكان الجزائريين وفضحت ممارسات الاستعمار الفرنسي؛  لم يلبث أن وافقت لجنة القراءة على السيناريو، وأبدت اعجابها كثيرا به، كما تؤكد الفنانة والناقدة السينمائية فاطمة بلحاج، والتي كانت عضوا في اللجنة، وصفته بالسيناريو “الهايل”؛ ثم أضافت بحسرة : “ولكنه لم يتمكن من جمع ميزانية فيلمه، إنتاجه لم ير النور، ولم تحرك أي مؤسسة ثقافية عندنا وغير ثقافية ساكنا”.

وسرعان ما هاجر فاروق بلوفة، يائسا، محبطا نحو فرنسا، بعد أن أغلقت جميع الأبواب في وجهه، ليعيش مع أسرته الصغيرة هناك ويعتني بابنه نايل، الذي كانت لديه ميول فنية.

نايل بلوفة

سيكبر نايل بلوفة (1985) وسيصبح، وهو لا يزال شابا، واحدا من كبار الفنانين في الفن المعاصر ليس في فرنسا فحسب، بل في العالم؛ سيبدع في فن جديد يجمع بين الفن البصري والفن التشكيلي، وسيعرض أعماله في كبرى مدن العالم، وينال عشرات الجوائز العالمية في الفن المعاصر؛ وستفتح أمام موهبته أبواب العالم وهو لا يزال شابا.

هكذا، وبينما أغلقت الأبواب على المخرج الراحل فاروق بلوفة، في بلده؛ فتحت الأبواب على مصراعيها لابنه نايل بلوفة، الذي سيثأر لأبيه، ويحقق ما عجز قسرا عن تحقيقه.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …