الخميس، 4 مارس 2021

محمد ديب.. يبوح بأسراره، في آخر حوار أجري معه

قام بترجمة الحوار: د. حسين علام

لم يكن لنا قبل ذلك من تاريخ. كنّا نعيش الأيّام التي كتبت لكلّ واحد منّا و كنّا  نمضي. وعندما كانت تمرّ، لم نكن بهذا المعنى قد وُجدنا حقّا. لم نكن نعرف من نحن و لا أبناء من نحن، وكان كلّ شيء على ما يرام هكذا”.  “الصحراء بلا منعطف”  ـــ محمد ديب.

محمد ديب

داني توبيانا: السّيد محمد ديب، هل من الممكن أن تعرّفنا على نفسك قليلا، على حكايتك؟

محمد ديب: بالنسبة لي كانت تلمسان هي المكان الذي أشعر أنّي أحيا فيه فعلا. وأنا احتفظ دوما بذكرى دقيقة عن تلك الألفة مع أجواء الحياة  فيها. لقد كانت المدينة الانعكاس الخارجي لشعوري الداخلي. كانت عائلتي تغيّر من السكن في كلّ حين وكنّا في كلّ مرّة نعيش في بيوت أو في أجزاء من البيوت، وسط مجموعة من دروب التي تكوّن الحواري. هذه الحواري كانت أشبه بالميادين المنعزلة عن سائر المدينة، ومن الممكن أن نقول عن بقية العالم. كان كلّ هذا يخلق جوّا سحريا، إذ كنّا أسياد كلّ تلك الأمكنة، بما أنه لم يكن من سيارات، ما عدى حمار يمرّ أو دراجة هوائية. كان هذا الفضاء خاصا بنا .  وكنّا اجتماعيا، نعيش في ما كان يسمّى قديما ” العائلات الكبيرة ” . لقد جئت في الوقت الذي لم يبق لنا من الثروة الشيء الكثير، على الرّغم من أن والدي كان يمارس مهنا كثيرة. لقد سبقني بشكل ما في طريقة الاشتغال، وفي طريقة العيش. وما دام قد بقي لنا من الإرث القليل، فقد كان ذلك كافيا بعض الشيء للعيش أفضل. حتى جاء اليوم الذي توفي فيه أبي. مات شابا في 41 من العمر. لم أكن قد بلغت العاشرة بعد، بخاصة بالنسبة لوالدتي مع أربعة أبناء، والتي كان لزاما عليها أن تعمل من أجل إعالتنا لأن الحياة صارت أصعب.. وحتى أنا كان عليّ أن أعمل، وأنا أرتاد الثانوية، لكن في أياّم العطل فقط من أجل التكفّل بحاجياتي المدرسية الشخصية من كتب و غيرها. هكذا و في وقت مبكر عملت معلما في الثامنة عشر من العمر، ورحت بذلك أقوم على حاجات أسرتي الصغيرة، وحاجات والدتي وإخوتي.

داني توبيانا: كنت تكلمني عن والدك الذي عمل في مهن كثيرة . ما هي؟

محمد ديب: لم يكن أحد في عائلتي يقرأ أو يكتب. وكان والدي الوحيد الذي يفكّ الخط و بخاصة الحساب. كان نجارا و ما يمكن أن نسميه جوازا ” رجل أعمال”. كان يشتري عقارات ثم يبيعها. أي ما نسميه اليوم ” بائع عقارات”. كان يملك حانوتا، ولم يكن يديره بل آخرون يقومون بذلك، وكان يقوم بأشياء أخرى.

داني توبيانا: كنت تنحدر إذن من أسرة غنية نوعا ما، ولم تكن سليل المحيط الرّيفي مثل ذلك الذي تصفه في بعض كتبك.

محمد ديب: كلاّ . يمكن أن تقول أنّي سليل عائلة كانت تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة. لكن تلك العائلات انهارت بسبب الاستعمار الذي راح يتسبب في فقر الجزائريين. أجدادي كانوا حقّا من ميسوري الحال، إذ كانوا يملكون بيتا وعقارات أخرى.كان جدّي سيدا من الأسياد. كما كان موسيقيا. موسيقي جيّد يشرف على فرقة صغيرة. كان موقّرا بين النّاس إذ كانوا يعتبرونه الأفضل.  و كذلك الأمر في عائلة والدتي فقد كانوا من محبّي الموسيقى. إذن ما هي العلاقة التي تربط الموسيقى بالأدب؟. حسنا الجواب هو أنّ العلاقة هذه أهم من الأدب نفسه. لأن أهل الجنوب حتى و لو كانوا من فرنسيين أيّ من الفرنسيين المتوسطيّين، أو لنقل أولئك النّاس الذين يعيشون على الضفة الأخرى، يسمعون ما يكتبونه. أما أهل الشمال فيشاهدون ما يكتبونه. هذا يحدث فرقا كبيرا. أما عند أهل المتوسط فهناك تقاطيع صوتية، تقول أنّ الكتابة هي شيء مسموع بالأذن أوّلا، ممّا يعني أنّ الكتابة ذات علاقة وطيدة بالموسيقى.

داني توبيانا: و ما هي العلاقة التي تربطك بوالدتك؟

محمد ديب: كنّا أنا وهي نعيش معا في حميمية الخبز. خبزنا لم يكن ممنوحا لنا بسهولة. أعني أنّ والدتي و أنا لم يكن يناسبنا أبدا أن يصنع الآخرون خبزنا. كائنا من كان،  سواء كان خبازا أو رجلا أخر أو مقابل المال أو حتى أختي الكبرى أو عمتي أو الجارة .. لم تكن أمّي تحب أن تخبزه لنا أيّة امرأة من العائلة، بل كانت تعجن خبزنا بيديها… أن أفكر في الخبز يحيلني إلى التفكير في أمي و العكس صحيح.. هذا و تلك مرتبطان حتى أن تناول الخبز يعني بالنسبة ليتناول الأم. و أن تحب الخبز يعني أن تحب والدتك. لم تكن والدتي منذورة لتكون عاملة . كانت تصنع قبعات أنيقة يمكن أن تكون اليوم من الموضة من أجل الفتيات الشابات. لم تكن تترفع عن الاستجابة لزبائن يطلبون مصنوعاتها. ومن تلك الأشياء التي كانت تصنعها بيديها كتان منسوج، يدخل في صناعة بعض الأحذية التقليدية. كانت والدتي ذات شخصية قويّة، وهي كذلك حتى و لو لم تكن على عاتقها تلك المسؤوليات. لقد كانت في الوقت ذاته امرأة مرحة تحب الرّقص و الموسيقى. تسمع “موزارت” اذكر ذلك جيدا. تردّد مقاطع من “موزارت” تحفظها، ثم تشرع في الرقص دون أن نترجاها حتى تفعل ذلك. وكانت علاقتي معها علاقة صراع دون أن ينتهي ذلك إلى فاجعة، أو إلى قطيعة. هناك نوع من الحياء يجعل أنّه ما بين بعض البشر ليست الكلمات الطيبة، هي ما يسود لكن قد يسود بينهم شكل من أشكال الحياء. إنّه نوع من الحياء عندنا.

داني توبيانا: السّيد محمد ديب، كيف تخيّلت كلّ تلك الشخصيات في رواياتك؟

محمد ديب: كانت نقطة البداية في ” الدار الكبيرة” و في ” الحريق” و ” النول” كما قلت دوما هي المعاينة ، إثبات الحالة، و كان ذلك في الوقت نفسه” فعلا نابعا من الإيمان”، وهذا الفعل يتمثّل في أن تسمي ما لم يكن يحمل اسما ــ في الأدب طبعا ــلم يكن أحد قبل ذلك قد شاهد شخوصا مثل أولئك الموجودين في “الثلاثية”. لم يكن لهم من وجود أدبي قبل هذا. هؤلاء الشخوص و تلك الأماكن لم يكن لها وجود أيضا ، على الرّغم من انه وجد قبلي كتّاب فرنسيون أو كتّاب جزائريون من ذوي الروح الفرنسية يعيشون في الجزائر، والذين كتبوا و وطَّنوا نصوصا في الجزائر، لكنّهم ــ لنقل ذلك ـ لم يكونوا ليتمتّعوا بالحميمية الضرورية مع المشهد الجزائري. كانت أعمالنا بحكم الضرورة القاهرة منخرطة أكثر في المشهد.

على الرّغم من أن بعض المظاهر شوهدت هنا و هناك عند بعض الكتاب الفرنسيين، لكن لم يكن ذلك يعني أنّها كانت بتفصيل كبير وبالحميمية المطلوبة، وبالعمق الصميم،  وعلى الخصوص، لم تكن منخرطة في العلاقات مع النّاس، مع البشر و المحيط الذي يعيشون فيه؛ مع أنّ هذه العلاقة هي الجوهرية.. هذه العلاقة عنصر مهم في تشكيل هويّة الفرد والشعوب.

هذه اللبنات الجديدة توغّلت في حيطاننا .. في اللّيل فقط كنّا نسمعها تنمو و تتكاثر.  لقد وصلنا إلى درجة أنّنا نخشى أن يمسي نورها فيضيء غرفتنا الوحيدة. في الوقت الذي كانت هذه الطبقات من الجنون تتكاثر بشكل كارثي. كان فيها بين السلالم ظلال الأرق متربصة بنا. كنا نتساءل إلى أي مدى سيصل انتشارها. في هذا المساء كان مذياع  الجيران يحمحم ثم تصدر عنه الموسيقى. كنت أتصوّر في يوم ما، أن من يستمع إلى هذا المذياع خائن لكن شيئا من هذا لم يحدث، كانت زوجتي تخيط شيئا، وهي منحنية على ظلّها، تنصت باهتمام إلى قوّة الضربات التي تحدثها البنايات التي تغرز خراطيمها القبيحة في الحجر. لم تكن سخرية تلك الكائنات المخيفة قد منعتنا بعدُ من أيّ أمل

من يتذكر البحر . لوسوي. 1962

من يتذكر البحر

كنتُ مناضلا نقابيا. و كلّ شيء كان يحدث في الأرياف. كانت هناك مشاريع فلاحية مهمّة في حقول المعمّرين الكبار كالحصاد مثلا. و كانت هناك معايير مقرّرة من قبل الحكومة الاستعمارية في ما يخصّ الأجور، وكان على المعمّرين احترامها لكن هؤلاء لم يحترموا أبدا تلك المقاييس . كان عمال الحصاد يتقاضون أجورا تافهة، وعندما لا يعجبهم الأمر كانوا يستقدمون فلاحين آخرين من المغرب. أذكر أنّ هؤلاء كانوا يحلّون في نواحي تلمسان جماعات جماعات قادمين من  المغرب على الأقدام. كان المغاربة المساكين يقبلون العمل بأجور بخسة. وكانت معركتي الأولى هي الوقوف في وجه هذا الظلم.

لذا نظّمت مع بعض الفلاحين الجزائريين إضرابا كبيرا شمل كلّ مكان و اتّسع مداه من وهران حتى الحدود مع المغرب .ممّا يعني محيطا قطره أكثر من 200 كلم. شلّ هذا الإضراب كلّ أشغال موسم الحصاد و مكّن العمال من الحصول على بعض الحقوق، وتم تطبيق قرارات الحكومة بشأن معايير الأجرة تلك، و أجبر أصحاب المزارع على عدم الاستعانة بالعمالة الأجنبية. لقد توسّعت هذه الحركة إلى الأرياف في وقت لاحق، على الرّغم من تأخّرها بالنسبة للمدن الكبيرة. كان هذا النوع من الوعي  واحدا من بوادر الثورة الجزائرية، وكان هؤلاء الفلاحين هناك هم من تحمّل أوزار الحرب التحريرية كلّها. وأما أصحاب المدن فقد التحقوا بالثورة فيما بعد. لقد طلب منّي يومها  العمل في جريدة “الجزائر الجمهورية” كصحفي فواصلت العمل النضالي باعتباري كذلك، ومنحت لهذا مسؤولية كتابة الكلمة الافتتاحية . بذلك كنت املك الوسائل للذهاب للأرياف وكتابة التحقيقات الكبرى، تلك التي وضعتني في المواجهة مع بعض الأوساط  من اليمين الفرنسي، وخلقت لي عداوات قويّة و خطيرة.

داني توبيانا: و هل تخلّصت من العراك السياسي عندما تفرّغت للكتابة فيما بعد؟

محمد ديب: كان في تصوّري أنّ الاستقلال سيفضي إلى أنّ كلّ أولئك الذين ناضلوا من أجله سيجدون مكانا لهم في وطنهم. كما كنت أتصوّر أنّه كان عليّ أنا أيضا أن أنال الاستقلال  باعتباري كاتبا. لم يكن هناك من حاجة في تلك اللحظة بالذات إلى الاستمرار في ذلك الخط من الالتزام فقد حقّقنا الهدف المنشود ،  و النصرــ بين قوسين ــ قد نلناه. وباعتباري كاتبا كنت كما المحارب الذي يسرّحونه من الخدمة و كان عليه أن يعود إلى الديار. قلت لنفسي عليك  لكونك كاتبا أن تقوم بشيء آخر الآن غير كتابة أدب ملتزم ، حتى  ولو كان هذا الالتزام سياسيا، مع أننا ملتزمون دوما على المستوى الاجتماعي و على مستوى الأفكار. لقد وهبت نفسي أكثر للعفاريت التي تسكنني وكتبت ما كنت أعتبره جزءا من حياتي الداخلية الشخصية، وكان هذا التزاما آخر منّي بشكل من الأشكال. على المستوى الإنساني وعلى المستوى التأمل الأكثر رحابة.

 “إنّ اسمك جاهز قبل مجيئك، فهو من ينتظرك. لم تكن حرّا في تشكيله. أنت تتلقّاه عند ولادتك و عند ذلك فأنت تحتفظ به . و المشكلةهي : هل  يمكن أن نحاسبك في الوقت الذي أنت لست فيه مسئولا عن ذلك؟ يبدو أنّه: نعم ، إنّك مسئول. نعم،  حقّا، و بخاصة إذا ما كنت مسلما و ذكرا. نعم ، فمن جهة أخرى فاسم محمد حمله النبيّ الكريم كما أنّ هناك أسماء حملها أصحابه، و مع بعض الاستثناءات، كان الآخرون في العالم الإسلامي ينسبون أنفسهم عبادا لله دون أن يذكروا اسم الجلالة صراحة بل يلحقون أنفسهم بأسمائه الحسنى. و نحن المسلمون في الجزائر لا نقول: ما هو اسمك؟. بل نقول : كيف سمّاك الله؟.وهكذا تتجاور فيك السماوات و الأرض. هكذا..لكونك بشرا فليس بإمكانك أن تضع بينك و بين ما هو ربّاني أيّة مسافة.إن اسمك هو مايحملك بعيدا إذن حتى و لو كان قد مُنح لك دون أن يُأخذ رأيك فيه. شجرة الكلام. ألبين ميشال .1998

شجرة الكلام

داني توبيانا: سيد محمد ديب ها نحن نصل إلى موضوعات رواياتك. هناك تيمات مهمة طبعا، لكن أوّل ما يتبادر إلى ذهني هو موضوع البحر. البحر و فضاء الساحل .. إلى ما يرمز البحر في كتاباتك؟  فكثيرا ما نجده فيما تكتب غير أنّه في رواية “من يتذكر البحر؟” نجده حاضرا بقوّة..

محمد ديب: إنّما البحر غاية ننتهي إليها  كي نتلقى فيه اسمنا الطاهر..البحر هو الماء الذي نتوضأ به قبل القيام للصلاة. و البحر هو أكثر من أمل، لذلك فهو الحقيقة الماثلة أمامنا. يمثّل البحر الرّغبة في الهواء الطلق. وفي التجدّد و التعميد. إنّه أبعد من كونه نمطا ، إنّه رمز بعيدا عن كونه حقيقة معطاة ..حقيقة مجسّدة. لقد كانت الأجواء الرحب و الأراضي الواسعة في الهضاب العليا و الفضاءات الشاسعة في الصحراء الجزائرية جنوبا.. تلك الصحراء التي لا أعرف عنها سوى القليل على الرّغم من أنّه عندما نعيش في بلد كالجزائر … الجزائر المأهولة و التي ليست سوى قطعة كبرى من الصحراء ، فإنّه لا يمكننا سوى أن نعيش تحت تأثيرها، تحت تأثير كلّما تستثيره فيها..

 ” باسم الجحيم، هاهنا ، أعطي لنا الأمر. تجمعوا هنا ، ابقوا هنا. كنا قد اطعناه  و رحنا نجلس جنبا إلى جنب على  هذه الأرض خلف ذلك السياج.أماما هو مصيركم فستعرفونه عما قريب. ثم تركونا في الغبار أين طلبوا منا أن نجلس متقرفصين. كنا ننتظر . لقد جاؤوا بنا إلى هنا  ثم أجبنا عندما دعينا بأسمائنا و الآن نحن ننتظر ما سيحدث.ماذا؟ . ليس هناك من شيء سوى الصحراء. ما من شيء . أنا أعرف ما هي الصحراء. أنا من الصحراء أيضا. نحن أمام صحراء أكبر فقط. لا شيء يحدث ، لا شيء يرى، ما عدا هذا السياج الذي يفصلنا عنها.”

الصحراء بلا منعطف. دار سندباد.باريس.1992

الصحراء بلا منعطف

داني توبيانا: نساء كثيرات كنّ محور رواياتك. هل كان ذلك من أثر المجتمع أم أثر والدتك عليك؟

محمد ديب: كانت الأم في الوسط الجزائري في ذلك الزمان، أكثر مما هو عليه اليوم، هي رجل البيت. الأم هي التي تصرف و هي التي تعمل و هي التي تحمي أبناءها. كانت الشخصية المحورية.

و قد تكون رأس البيت عندما يتوفى الأب خاصة. أو يكون غائبا. هناك هذه الشخصية و هناك  شخصية الأخت. و بما أن نمط الحياة هو كذلك و بما أنّ الأطفال يعيشون متلاصقين و قريبين جدا من بعضهم البعض في الأسر الجزائرية القديمة ، فانّ هذا القرب الذي يمكن أن نسميه اختلاطا.  كان ينشئ بينهم عواطف متداخلة و التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تصل إلى الفساد الأخلاقي.  لكن لنقل إنّه هذا يخلق بين الإخوة و الأخوات علاقة حميمة متعاظمة و إشكالية. و هنا كانت الزوجة هي البديل عن الأخت وعن الأم، وهي التي ستخلص الرجل من سيطرة الأخت و سيطرة الأم. وفي الحقيقة العاطفية و في الحقيقة النفسية، فإنّ المرأة هي من يتكفّل بالرجل من هذه الناحية، على العكس مما يبدو في هو ظاهر.

داني توبيانا: مع ذلك هناك مكانة مميزة للمرأة الأجنبية في مجمل أعمالك سيد محمد ديب، و يظهر ذلك جليا على الخصوص في ” رقصة الملك” و في “الإله في بلاد البرابرة”؛ أين وضعت لها مكانة خاصا، فهي تبدو كالمرأة الكاملة .. المرأة التي حقّقت ذاتها بعكس النساء اللائي كنت تصفهن الآن. أليس كذلك؟

محمد ديب: على كلّ،  فالمرأة الأجنبية محاطة دائما بهالة المرأة الأجنبية في كلّ الأحوال. و لكن أكثر من ذلك و في السياق الجزائري و في السياق الذي كنت أعيش أنا شخصيا فيه، كانت المرأة الأجنبية، و باعتبار الأثقال التي كانت تشلّ و التي لا تزال تشلّ الأفراد المنتمين للمجتمع الجزائري، كانت تعتبر طوق النجاة، بل كانت الشخصية المحرّرة.

إذا ما كنت في ذلك الوقت قادرا على الزواج بامرأة أجنبية أو العيش معها، فأنت قادر على التخلّص من أثقال التقاليد التي لا يزال يرزح تحت نيرها الكثير إلى يومنا هذا. لن تصبح مستعبدا منذ اللحظة التي تعيش فيها مع المرأة الأجنبية، وليس هذا في تصوّري مجرد حلم فقط. إنّك معها تستطيع أن تتخلّص من عالم الممنوع  و الأفكار الجاهزة.  في مجتمع يسعى دائما إلى التحكّم فيك. أن تعرف امرأة أجنبية و أكثر من ذلك أن تعيش معها فذلك يعني أنّك قد تخلّصت من هذه الكماشة. و أكثر من ذلك، فمنذ تلك اللّحظة سيفهم هذا المجتمع أنّك لن تخضع لبعض التقاليد و العادات و لبعض أساليب الحياة، و عندما تكون الأمور على هذه الحال و عندما يلتقي مغاربي وجزائري على الخصوص بامرأة أجنبية، فإنّه يكون موعودا بعشق تام و بحب يمضي به إلى الأقاصي. ومن الواضح أن المجتمع الجزائري حتى يومنا هذا لا يزال يعاني من ذلك الإجهاض على المستوى العاطفي.

الدار الكبيرة

داني توبيانا: سيد محمد ديب، منذ متى و أنت تكتب؟

محمد ديب:  لم أعد أحصي السنوات. لا أدري كم من الوقت قد مضى. منذ  1951 أو 1952.. إنّها فترة طويلة حقّا.  و لماذا أكتب؟ أكتب لكي أعيش. إنّها طريقتي في الحياة. أمّا اليوم فيمكنني أن أقول هذا : صحيح أنّي في البداية لم أكن أريد أن أصبح كاتبا على الخصوص، و لكنّه حدث أن سوّدت كمّا هائلا من الأوراق و كنت قد تركتها ترقد جانبا. كنت أقول لنفسي أنت لا تزال شابا و الشباب قد يميلون إلى هذا النوع من النشاط  كأن يكتبوا شعرا مثلا أو بعض النثر إلخ.. لكن عليك الآن أن تتحوّل إلى الأمور الجادة في هذه  الحياة. عليك أن تبحث عن حرفة و أن تكسب قوت يومك. عليك أن تجد لك مكانا في المجتمع. كنت عاطلا، و لم أجد عملا مناسبا لي. عندها تذكرت  فقلت لنفسي: ” هذا هو. لمَ لا تحاول أن تكسب المال بما كنت قد دوّنته ؟”  كنت مدفوعا إلى ذلك أكثر، بما أنّي كنت متزوّجا و على عاتقي  مسؤولية زوجة و طفل.

كانت تبدو لي الأمور هكذا أكثر عملية في الوقت الذي كنت قد تعرّفت فيه على  بعض الكتاب و بخاصة مثل “جان كايرول”الذي كان مديرا للنشر في دار “لوسوي”. كان صديقا و كان شخصا  من الممكن أن أعرض عليه  شيئا. وهكذا اقتطعت من تلك المخطوطات ما يمكن أن يصبح كتابا. و كان أن صار ” الدار الكبيرة”. كنت قد بعثته إلى “جان كايرول” و أنا لا أزال أعيش في تلمسان. شهر بعد ذلك خرج الكتاب إلى الوجود، ا أزال أعيش في تلمسانايرول.  قد تعرفت فيه ا شعراتبا على المستوى العاطفي,بامرأة أجنبية فإنه يكون موعودا بحب ديمة ، كان هذا القربثم أعيد طبعه بعد أن نفد بسرعة. وهكذا ،  إذا ما كنتِ مكاني. كان من الممكن أن تقولي ربّما: ” حسنا ،ها هي طريقة لتكسب قوتك و أنت تتمتّع “. لكنّي كنت قد قطعت عهدا  على نفسي. هذا العهد يتمثل في أن أمضي إلى نهاية الطريق، وأن ألامس التخوم. و من يقول مغامرة بالنسبة كان  يعني السفر و ارتياد أراضي غير معروفة. مناطق لم تصلها قدم.  و الإبداع يعني المغامرة أي أننا سنغادر إليها للبحث عن شيء ما، و نحن لا نبحث في الأخير سوى عن أنفسنا..في هذا التيه.

في الأخير قد أقول: إنّه عندما يكرّس الكاتب نفسه باعتباره كذلك فهو رجل قطع الأواصر و حطم الجسور. وعندما لا يكون قد فعل ذلك فهو لم يضع بعد المسافة الضرورية بينه و بين ما يصف، وفي ذلك الحين فإنّه لن يستطيع الكتابة عنه.

———-

داني توبيانا: صحفية من أصول جزائرية درّست الأدب في “كاليدونيا الجديدة” لسنوات عدّة. تخلّت عن التدريس  لتستقر في باريس سنة  1986. ذات اهتمام بالدراما و هي اليوم ممثلة على خشبة المسرح ومنشطة في مدارس مسرحية  موزّعة بين الجزائر و فرنسا.

.CONFLUENCES Méditerranée – N°47 AUTOMNE 2003

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …