الإثنين، 21 يناير 2019

الرّصاصة التي أطلقها محمد ديب على نفسه

سعيد خطيبي

قبل 15 سنة تحديداً، غاب محمد ديب(1920-2003)، لكن صوته ما زال يُسمع، يتحرّك بين ورق الرّوايات الجديدة، في الجزائر، وشخصيّاته لم تهرم. تعدّدت، وتسلّلت، إلى نصوص أخرى، كي تُذكّرنا – دائماً – بصاحبها.

شخصيات محمد ديب تخرج من هوامش الحياة الجزائرية، من الأقاصي، من القرى المعزولة، ومن زحام شوارع المدن، هي تُشبه مؤلّفها، الذي لم يتأقلم مع الاستقرار، لم يطمئن له ولم يثبت في أي مهنة، في حياته، عدا مهنة الكتابة.

بدأ مدرّساً، في قرية، على الحدود بين الجزائر والمغرب، ثم مُحاسباً. حين اندلعت الحرب العالمية الثّانية، وجد نفسه مترجماً، بعدما تعلّم الإنجليزية، ثم عمل صحافياً، ليتخلّى عن كلّ ذلك، وينسحب إلى الكتابة، خصوصاً بعد صدور ثلاثيته الأولى: “الدّار الكبيرة”(1952)، “الحريق”(1954) و”النّول”(1957).

في ثلاثيته الشّهيرة، التي صارت من كلاسيكيات الأدب المغاربي، كتب ديب عن الجزائر اللامرئية، تلك البلاد التي كانت تختفي عن أعين الإدارة الكولونيالية، تضيق بفقرها وتتّسع بأوهامها، عن أطفال كبروا بأرجل حافية، وفي سوء فهم التّاريخ، عن رغبة الأمهات في أن يتخطّى أولادهن سور العزلة، ويتمدّدوا تحت شمس ترأف بهم وبهشاشتهم، فشخصية الطّفل عمر، في الثلاثية، هي صورة مصغّرة من المؤلف، صراعه للتّخلّص من الشّقاء هو أشبه بصراع شعب للتّخلّص من “العبودية”، التي كانت قد أحكمت قبضتها عليه.

كانت ثلاثة نصوص، أعلنت ميلاد كاتب وجيل من المتحرّرين، الذين آثروا المواجهة المباشرة مع منطق الكولونيالية، هذا ما تسبّب في طرده من بلده، عام 1959، ليُحاول العودة إليه بعد الاستقلال(1962)، ويكتشف – متأخراً – أن لا شيء تغيّر، أن “الاستعمار” ثقافة وليس وجوداً عسكرياً، وأن سلطة الكاتب تزعج سلطة السّياسي، فهم أن “منفاه” هو الثّمن الذي يجب أن يدفعه، وهو ما سيحميه من التّورّط في لعبة التّصفيات، ويوفّر له شهادة وجود، ستستمر معه إلى آخر أيّامه.

محمد ديب لم يكن يعتقد أن “المنفى” سيطول، أعتقد أنه تجربة تُعاش، لتكتب ثم تنسى، أنها حتمية ومرحلة لا أكثر، لكن حصل العكس، وجد نفسه عالقاً، بين ضفتين، في ضفة أخرى، ضفة متوحّشة، لا هو في أرضه، حيث ينام الأسلاف، ولا هو مقبول كليّة، في الضّفة المُقابلة. هذا ما دفعه إلى أن يكتب في واحد من مقالاته: “كلّ كلمة أكتبها على ورقة بيضاء هي رصاصة أطلقها على نفسي”.

مع الوقت، تحوّلت الكتابة من خيار إلى مُداواة. يُطلق رصاصة على نفسه ويُعالج الجرح بنصّ. كانت السّبب الوحيد كي يمنع نفسه من السّقوط، كي لا يخسر ذاكرته، يكتب عن ماضيه وعن حياته السّابقة، كي يشعر نفسه أنه ما يزال حيّاً ويعيش في الأرض التي وُلد فيها.

تبدو كلمة “منفى” جدّ رحيمة إزاء ما عاشه محمد ديب، حقيقة، فقد قضى حياة أشبه بشتات، لم يستقر في مكان إلا ليُغادره، وينصرف عنه، قضى أشهراً طويلة، في الولايات المتحدة الأميركية، في السّبعينيات، ثم سنوات في فنلندا، حيث كتب ثلاثية الشّمال: “سطوح أورسول”(1985)، “غفوة حواء”(1989) ثم”ثلج الرّخام”(1990). في كلّ واحدة من البقاع التي أقام فيها، كان يفكّر بمنطق كاتب، لا يعيش في مكان ما سوى ليخرج منه بكتاب، ومهما اختلفت هذه الأمكنة، وتباعدت، فقد كانت ذاكرته الجزائرية نشطة، تحضر، وتترك رائحتها فيما يكتبه.

شتات الكاتب لم يكن فقط في الجغرافيا، وفي رحلاته الشّمالية، بل أيضاً شتاتاً في الأنواع الأدبية، التي كتب فيها، ربما يُعرف ديب كروائي، بالأساس، لكنه كان أيضاً من الشّعراء المجدّدين، ويمكن العودة إلى ديوانه الأول “الظّل الحارس”(كتب توطئة له الشّاعر الفرنسي لويس آرغون)، الذي صدر، لأوّل مرّة، عام 1961، ومازالت تصدر طبعات جديدة له. هو أيضاً قصّاص ومسرحي، أصدر مجموعته القصصية الأولى عام 1955: “في المقهى”، وأصدر قصص أطفال(بابا فكران، 1959)، ونصا شعرياً تأملياً، يمثّل علامة فارقة في تجريته: “فجر إسماعيل”(1996).

محمد ديب

يبدو أن “القطيعة”، التي عاشها محمد ديب، أو بالأحرى فُرضت عليه، علّمته كيف يجمع بين الضّدين، أن يقف برجل واحدة، على حبلين، هو لم يقسّم حياته إلى مرحلتين: المرحلة الجزائرية ثم مرحلة المنفى، بل وصل بينهما،  اعتبر أن الأولى امتداد للأخرى، من منطلق أن المنفى امتداد طبيعي للعيش الأول، في أرض المنشأ. لهذا، في غالبية كتابات محمد ديب، نجد أن الشّخصيات تتحرّك وتتطوّر في فضاءات مُغلقة: في بيوت أو غرف أو مقاهٍ، تماماً كما كانت في بداياته، يبدو أن “الدّار الكبيرة”، التي كبر فيها وكتب عنها، لم يخرج منها، اختلفت تسميّاتها، في رواياته اللاحقة، وظلّت تحضر – في كلّ مرّة – بشكل مبطّن وغير مُباشر. هذا ربما يعبّر عن نفسية الكاتب، التي تفضل أن تحيا في الأمكنة الدّاخلية، المعتمة إلى حدّ ما، البعيدة عن صخب الخارج، والغارقة في الحميميات وفي الذّكريات الطّفولية. فالكاتب لم يفقد قطّ مرجعياته، التي عجن من طينها نصوصه الأولى، لم يتخلّ عن رائحة تلمسان وقراها، كما لو أنه اختراع لنفسه “تلمسان صغيرة”، تتغيّر أسماؤها، من رواية لأخرى، وتتعدّد، لكنها تتشابه كلّها، في شكلها وفي طريقة تعامل الكاتب معها.

في روايته “هابل”(1977)، تتقاطع – ضمنياً – الشّخصية المحورية مع شخصية محمد ديب، المنفى بالنسبة لهما كان لحظة تحرّر أولية، ثم صار عبئاً، مأزقاً، فراغاً، هكذا راح هابل(بمعنى مجنون) يُعيد ترتيب حياته، وأولوياته، كي ينجو من السّقوط، الذي كان يحوم حوله، كان يمسك بيده خيط الماضي، كي لا يُفلت منه، ولا ينساق إلى معاركة محسومة مع حاضره.

في العام 1994، بينما كانت الجزائر تعيش أيّام العنف والدّم، عاد محمد ديب، حافياً، إلى وطنه، ليس جسدياً، ولكن رمزياً، في ذلك العام، “رفع الحظر” عن الحوارات الصّحافية، وشعر بواجب الوقوف في صفّ مواطنيه، تكلّم – بعد صمت أكثر من عشر سنوات – وفرّق بين السّلطة التي ظلمته والشّعب الذي لم يتخلّ عنه يوماً. كان وفياً لروحه الأصلية، وفي العام نفسه أصدر كتاباً بعنوان “تلمسان أو أمكنة الكتابة”(تضمن الكتاب صوراً لفيليب بورداس)، أراد من خلاله “مُصالحة” مع تاريخه الشّخصي، واستعادة لشبابه، ليُحافظ بذلك على قدم في أرض الأسلاف. من خلال تلك العودة المصوّرة إلى تلمسان، كان يُعلن عودته إلى الجزائر ككلّ، يُعيد بعث ذاكرته، التي لم تتعبها سفريات الكاتب المطوّلة والمكرّرة، فقد كان دائماً – بشهادته – يعيش في بوتقة الموسيقى الأندلسية، وأصوات شيوخ الحوزي وموسيقى الشّعبي، القادمة من الجزائر العاصمة.

محمد ديب هو واحد من القلائل، في الأدب المغاربي إجمالاً، الذي يمكن أن نطلق عليه صفة “الكاتب”، بما تتضّمنه الكلمة من محمول. كاتب في حياته وفي ممارساته وفي قناعاته الشّخصية. ترك كلّ شيء، أو تخلّص منه، بما في ذلك الفنّ التّشكيلي، الذي مارسه في مُراهقته، ليتفّرغ فقط للكتابة، انتصاراً للكتابة، ودفاعاً عنها.

على خلاف مولود فرعون(1913-1962)، الذي حصر كتاباته في منطقة القبائل، أو كاتب ياسين(1929-1989)، الذي جعل من الأدب “التزاماً” وخياراً نضالياً، كان نصّ محمد ديب إنسانياً، أكثر انفتاحاً، غير مُحاصر لا بالجغرافيا ولا باللحظة التّاريخية التي كان يعيشها، مع ذلك فقد عانى كثيراً من النّقد المنحاز، خصوصاً في فرنسا، الذي تعامل معه ككاتب وافد، لأنه ليس فرنسي الأصل، رغم تجربته الاستثنائية، في الأدب المغاربي. فقد أسّس ما يمكن أن نطلق عليه “الرّواية الدّيبية”، التي رافقت البداية ثم المرحلة الأخيرة من حياته، رواية تختلط فيها الكتابة عن الطّفولة، العائلة، الذّاكرة وبدايات الوعي السّياسي، تماماً كما نجدها في ثلاثيته الأولى.

اسم محمد ديب يتقاطع مع التّاريخ المعاصر لبلده، الأوّل يُحيل على الثّاني والعكس صحيح. لقد جعل من الجزائر فضاءً مفتوحاً على التّأمل وعلى التّأويلات، حوّله إلى أصوات، بعدما كان صوتاً واحداً ومكرراً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مثل وردة تتفتّح في تراب القلب!

لاثيو، لم نُبلّل الطّريق بعرق خطواتنا، وانتهى بنا الكلام. يدي التي تُغافلني وتتحرّك صوب يدك …

كريمة سماعلي تكتب: الفقراء يعودون مساءً

سماعلي كريمة تكتب: الفقراء يعودون مساءً

سماعلي كريمة تكتب: الفقراء يعودون مساءً