الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

ميهوبي.. ثلاث سنوات من “ثقافة الظلّ”

سعيد خطيبي

أخيراً، مكتبة تحمل اسم كاتب. فقد أُطلق اسم آسيا جبار على مكتبة تيبازة العمومية.

هو تكريم مُستحق للرّاحلة، لكنه جاء متأخرا؛ فبعد أشهر من افتتاح مكتبة في باريس تحمل اسم الكاتبة نفسها، وما لقيه الأمر من احتفاء وترويج إعلامي، وجدت الجزائر نفسها في ورطة.

لا يُعقل أن يُحتفى بكتاب جزائريين في الخارج، بينما بلدهم يتنكر لهم.

إن إطلاق اسم كاتب على مكتبة يبدو أمرا طبيعياً، في أي بلد آخر، بينما في الجزائر يعتبر استثناء، فقد عودتنا التّجارب أن المثقفين هم «خصوم» السّلطة الأساسيين، أو ضرائرها، وغالباً ما يتم التّعتيم عليهم، ومنعهم من الظهور في الأمكنة العامة، كي لا يشوشوا نظر المواطن وثقته في الجماعة الحاكمة.

الصراع بين السّياسي والمثقّف ليس جديداً، بل يعود إلى سنّوات الثورة التحريرية، ويمكن تفسيره بضعف مخيّلة السياسي وأنانيته. ففي السابق، كان رؤوساء الجزائر يُعلنون «مُعاداة» مثقّف ما، بشكل واضح، يُحاولون التّضييق عليه، وخنق صوته، بضغوطات ترتفع تدريجيا؛ تبدأ بمنعه من الكتابة أو من الظّهور في وسائل الإعلام، وتنتهي، في بعض الأحيان، بالسجن أو النفي، لكن في السنوات الأخيرة، منذ بداية الألفية الجديدة، وجدت السلطة حيلة جديدة؛ بدل أن تتورّط بنفسها في عداء مكشوف مع مثقفين، لا يتفقون مع آرائها، راحت توظّف مثقفين آخرين للقيام بتلك المهمة. مثققون سلطويون، يقومون بما يُطلب منهم، ينفذون ما يُملى عليهم، وتخرج الّسلطة، في الأخير، بيدين نظيفتين.

قبل ثلاثة أعوام، عُيّن عزالدين ميهوبي وزيرا للثقافة، استبشر البعض، بحكم أن الرّجل من المحتكين بالسّاحة الثقافية، ومن المحسوبين على الشّعراء، ويعرف الكتّاب المغيبين والمظلومين، وسينصفهم. هكذا كانت الانطباعات الأولية المستعجلة.

لكن الأشهر التي تلت تعيينه ستكشف عكس ما كان يتوقعه المتحمسون للشاعر الوزير، فقد قضى ثلاثة أعوام على رأس وزارة، وهو يهدم بمعول «الأنانية» أو «الحسابات الضيقّة»، كلّ الأشياء الجميلة المتبقية في البلد.

العام الماضي، كان مثقفو قسنطينة ينتظرون أن يُطلق اسم واحد من الرّاحلين، على مسرح المدينة، تكريماً وعرفاناً له، فهذه المدينة كانت – دائماً – قاعدة خلفية للثقافة الجزائرية، لكن وزير الثّقافة أراد شيئا آخر، أو ربما لم يقم سوى بتنفيذ ما أُملي عليه، بدل أن يكرّم واحداً من مسرحيي المدينة أو كتابها – ما أكثرهم – برفع اسمه على واجهة المسرح، أسماه على مغني المالوف الرّاحل محمد الطاهر فرقاني. هذا الأخير يعتبر من رموز المدينة، لكن في المجال الموسيقي لا خارجه، وقد عاش في علاقة وطيدة مع حكّام الجزائر، لهذا فضّلوا اسمه، بدل اسم واحد من المثقفين الآخرين، المناوئين للسّلطة.

في فترة «استوزار» ميهوبي، دُعيت الجزائر إلى ثلاثة معارض كتاب كبرى، بصفتها «ضيف شرف»: باريس، القاهرة ثم تونس. وهو أمر نادرا ما يحدث. كان يمكن استغلال الأحداث الثّلاثة في ترويج حسن للكتاب وللكتّاب في الجزائر، لكن حصل العكس، حيث أثبت ميهوبي –  فعلا – إطلاعه على الفعل الأدبي، و«خاط» وفودا ثقافية، تتماهى مع الخطّ الرّسمي للحكومة التي ينتمي إليها، هكذا سنجد من الكتّاب، الذين مثّلوا الجزائر في الخارج، من أعلنوا «اعتزالهم» الكتابة، في السّابق، لكنهم لم يعلنوا – بعد – اعتزالهم السّياحة الثقافية، وآخرين لم يصدر لهم نصّ أو كتاب واحد – على الأقلّ – في العشر سنوات الماضية. لكن هذه الأمور لا تعني الوزير بقدر ما يعنيه أن يكون الوفد كله من «مُحبي» الرئيس ومن المتماهين مع سياسته.

الظهور الباهت في معرض القاهرة الأخير، دفع أحد الكتاب المصريين للتّعليق: «حضرت الجزائر وغابت ثقافتها»، وهو ما ينطبق على الاستعراضين الآخرين في معرضي باريس وتونس.

في السّنوات الثّلاث الماضية، عادت، بقوة، سينما «البروباغندا» خصوصا مع فيلمي «ابن باديس» للمخرج السّوري باسل الخطيب و«أسوار القلعة السبعة» لأحمد راشدي، بينما سنجد الفيلم الوحيد، الذي مثّل الجزائر في مهرجانات عالمية: «السّعداء» لصوفيا جمعة، والحاصل على واحدة من جوائز مهرجان البندقية، العام الماضي، لم يستفد من دعم الوزارة. تُصرف أموال على أفلام البروباغندا، خدمة للسّياسة الرسمية، ويعجز الوزير الشّاعر، المحسوب على فئة المثقفين، والخارج من ضلعهم، عن فتح أي قاعة عرض جديدة، بل يعجز أيضا عن كسب ثقة الجمهور، فقد شاهدنا قاعات عرض شبه فارغة في مهرجاني وهران وعنابة. لم يقم بأي خطوة في سياق توفير شروط عمل سينمائي محترم، يحفظ ماء وجه البلد العربي الوحيد الحاصل على «سعفة ذهبية» لحد اليوم.

بداية هذا الشهر، توفي المخرج الإشكالي فاروق بلّوفة (1947- 2018)، في منفاه الباريسي، ولم يبلغ النبأ الجزائر، إلا بعد أسبوع من دفنه. هل يُعقل أن واحداً من أهمّ السينمائيين يموت، في صمت ولامبالاة؟

لم يكتف ميهوبي بصناعة «ثقافة الظلّ»، للتعتيم على المثقفين الحقيقيين في بلده، بل راح – أيضاً – يخوض صراعات «دونكيشوتية» لا تليق بمن هو في منصب وزير، كصراعه الأخير مع اتحاد الكتّاب الجزائريين، ومحاولته التدخل في شؤونه، ما عجل برئاسة هذا التنظيم – الذي هو أيضا لا يمثّل سوى الوجه المعتم للجزائر – للردّ عليه، بلهجة حادّة، مع العلم أن اتحاد الكتّاب كان من الداعمين له، قبل ثلاث سنوات.

والأسوأ من ذلك، واصل الوزير تضييقه على أغنية الراي، واختصر مهرجان الراي، الذي يعتبر تقليديا سنويا، يُنظم منذ أكثر من ربع قرن، في سهرة واحدة ويتيمة، العام الماضي، واحتمالات أن يُلغى هذا المهرجان نهائيا إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

هكذا نجد أن السّلطة قد أدركت اللعبة، وأمسكت بخيوطها، وفهمت أن التخلّص من مثقفين سيكون أسهل بتوظيف واحد منهم، فهذه الصّراعات والخرجات، التي يصرّ عليها الوزير، تأتي في وقت يسبح فيه القطاع في جملة من المشاكل ومن عدم الإتزان، ففي واقعة غريبة، قبل أسابيع، انتقلت لوحة «المجاعة في الجزائر» لغوستاف غيوميه، من قسنطينة إلى ضفاف بحر الشمال في فرنسا، لترميمها، بعدما شُوهت، لأسباب تبقى مجهولة. أليس من مهام وزارة الثقافة الحفاظ على الإرث الفنّي وحماية مقتنيات المتاحف؟ والغريب في الأمر أن فيلا «سلفاتوري كولي»، في عنابة، التي شيدت في القرن التاسع عشر، وفق معمار موريسكي، وكانت من علامات المدينة، قد هُدمت، بدون أن يتحرك واحد من مسؤولي الثقافة لحمايتها.

وكالعادة، حين تحصل «مصائب ثقافية» من هذا النوع، يتوارى ميهوبي، ولا يظهر له أثر، بل ينتظر فقط لحظات ما بين الشّوطين، والوقت المستقطع، ليظهر في الميديا، ويتحدث عن مشاريع مستقبلية. الحديث عن «المستقبل» هو بوابة «الفرار» الآمنة من الرّاهن، فالحاضر لا يُبشر بأي مشاريع جادّة.

بالعودة إلى موضوع إطلاق اسم آسيا جبار، على مكتبة عمومية في مدينة تيبازة، فهذا – فعلاً – استثناء، في هذه السنوات التي يعيش فيها مثقفو البلد «حصارا» غير مسبوق، ولم يكن هذا الانتصار الصّغير أن يتحقّق لولا ضغط معنوي، من الخارج. وإن كان رأينا غير صائب، فهل ستقوم الوزارة بإطلاق أسماء كتّاب آخرين على منشآت وبنايات أخرى وتجعل من «الاستثناء» عادة؟

(عن القدس العربي)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف بقايا قصر أثري أمازيغي بولاية النعامة

  بجانب واحة نخيل وارفة الظّلال، عند السّفح الجنوبي لجبل شماريخ شرقا، تستقر أطلال أحد …

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى …