الإثنين، 17 ديسمبر 2018

الأمازيغية: ثيخسي إيتيغان ذيذامنيس!

جلال الدّين سماعن

أعداء الأمازيغية هم الأمازيغ أنفسهم؟

في نكتة مشهورة ولكن جدّ معبرة، يتساءل الباحث المغربي عبد الكبير خطيبي قائلا: “لقد استعمرنا العرب حوالي 14 قرن فأصبحنا نتكلّم ونكتب العربية بطلاقة. استعمرتنا فرنسا لأزيد من قرن فأصبحنا نتكلّم ونكتب بالفرنسية، لكن لماذا لم نستطع الكتابة بالأمازيغية؟”. سيتم الإجابة عن تساؤل الباحث المغربي – وبطريقة غير مباشرة – في ملتقى نُظّم في قسم اللغة والأدب الأمازيغي بجامعة البويرة منذ سنوات قليلة؛ فمن أصل 26 مداخلة، اثنتان فقط كانتا بالأمازيغية والباقية كانت.. بالفرنسية!

ثيخسي إيتيغان ذيذامنيس

“ثيخسي إيتيغان ذيذامنيس” هو مثل شعبي أمازيغي. يعني بالتقريب أن من يقتل النّعجة هم أهلها، وقد يكون مثل “على نفسها جنت براقش” أو الآية الكريمة: “قل هو من عند أنفسكم” من مرادفات المثل. وقد وضع عنوانا لهذا المقال عن قصد، ذلك أن المتتبع لتطوّر اللغة الأمازيغية في الجزائر، وخصوصا لأولئك الذين يدّعون الدّفاع عنها، سيتوقّف عند أمرين ربما لا ثالث لهما.

الأول هو أنه وكمعظم قضايا العالم الثالث، أول خائني القضية الأمازيغية هم.. أهلّها. معظم الأمازيغ بمختلف لهجاتهم لا يتقنون الأمازيغية (وأنا منهم)، بل أكثرهم لا يفكّر حتى في تعلمها! خيانة تنبأت بها الكاهنة ديهية منذ مئات السنين حين قالت: “نحن الأمازيغ يسهل شراء ذممنا” (رواية الكاهنة – جيزال حليمي).

أنصار “كابيل إي فيار دو لاتر”(Kabyle et fier de l’être) لا حاجة أن تحاولوا تكذيب نبوءة جدّتنا: السّاحة السياسية أوالثقافية متخمة بنماذج باعت قضيتها مع أول صفقة.. وينعل بو ألي يحبهم.

آن الأوان أن يستبدل شعار(Pouvoir assassin) بشعار “لا تلومّن إلا نفسك”. وهو ما فهمته هذه العجوز في الوثائقي الذي أنجزته آرتي غداة أحداث أفريل2001 حين خاطبت شباب قريتها قائلة فيما معناه: “بالأمس كان العدو واضحا؛ فرنسا. أما اليوم فهو غير واضح والقتل ليس حلا [قُتل 127 متظاهرا إبان أحداث 2001]. محند ضد محند، أتقتل أخاك؟ [استعمال اسم محند دلالة على الإسلام كرابط مشترك بين الجزائريين]. […] بين هؤلاء الذين يحكمونكم هناك أفراد تربطكم بهم قرابة ما (أب، عم، خال، جد، جدة).. الحكم ليس في يد شخص واحد. فحتى الأمازيغ يحكمون جنبا إلى جنب مع العرب”.

الأمر الثاني هو أن غالبية المدافعين عن اللغة الأمازيغية لا يدافعون عنها بقدر صرفهم وقتا كبيرا في التهجّم على العربية (وبطريقة ما على الإسلام). يدافعون عنها بلغة فرنسية سليمة لأن معظمهم لا يتقن الأمازيغية أيضًا. ولكم أن تجرّبوا أن تطلبوا من أي مدّع النّضال الأمازيغي على الفايسبوك (وما أكثرهم) أن يُترجم لكم ترجمة سليمة أغنية لمعطوب الوناس أو آيت منقلات، فإما سيعتذر أو البلوك في انتظاركم.

لكن وجبت الإشارة إلى أن هذا العداء ضد العربية هو ردة فعل، أكثر منه فعل إرادي مع سبق الإصرار. كيف لا ومنذ أزمة 1949 مرورا بأفريل 1980 وصولا إلى 2001، كان الأمازيغ حتى في قراهم تصلهم قرارات تمنع منعا باتا استعمال هذه اللغة في المؤسسات العمومية، حتى خارج أوقات العمل أو في المراحيض! ومثل هذه التصرفات المعروفة بها “الجماهيريات” ستوّلد – آليًا – فئة تكون حادّة وعنيفة في نضالها. “الماك” أنموذجا عن قضية القبائل والعشرية الحمراء عن قضية الإسلام السياسي. ستولد أيضا فئة محتقرة لذاتها، للغتها ولهويتها: الشاوية على سبيل المثال وطائفة من القبائل على غرار إحدى بنات عمي التي كانت مع جمع من العربيات وحين سمعنها تتحدث بالقبائلية سألنها: إذن أنت قبائلية؟ فأجابت: “لا، نهدرها بصّح مانفهمهاش! “.

إن النّضال الحقيقي يكون بالفعل لا بالقول (صدقوني: يمكن إسكات زوج بنات ولاو من عرس ويستحيل إسكات زوج قبايل حين ينخرطان في الحديث عن اللغة!). يكون بالدّفاع عن القضية لا بالتهجّم على قضايا أخرى بعيدة كل البعد عن مركز نضالنا.

مولود معمري

الوفاء لدا المولوذ معمري هو أن نحذو حذوه، أن نسافر ليس فقط عبر ربوع “المغرب المعرّب” لكن أيضا في أدغال إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بحثا عن بقايا هذه اللغة الرائعة للحفاظ على مفرداتها من اندثار يتزايد يوما بعد يوم. وهو ما يمكننا العثور عليه عند أهل بني مزاب مثلا باعتبارهم شعبا تمكّن من المحافظة على كمّ هائل من الكلمات الأمازيغية الأصيلة بالرغم من انتشارهم في معظم أرجاء الجزائر (وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه عالم الاجتماع ناصر جابي في مقاله الأخير في القدس العربي). كلمات يصعب العثور عليها في باقي المناطق والتي تأثّرت بطريقة كبيرة جدًا بالعربية وإلى حدّ ما بالفرنسية. نفس الحال مع شعوب الطوارق وبخاصة متكلمي التاماشاق الذين بمقدورهم إغناء المعجم بالكثير من الكلمات.

ثرزف أتشطح أوثسين!

يقول محمد فلاڨ متحدّثا عن الجزائريين بصفة عامة بأنهم شعب إما يكتفي باللاشيء وإما يريد أن يمتلك كل شيء وفي الحين. هذه الملاحظة تنطبق تماما على المنادين بالتعميم الفوري للأمازيغية على مستوى 48 ولاية.

المشكلة ليست في التعميم الوطني، أشهرا معدودات بعد ترسيم اللغة كلغة رسمية لكن المشكلة في تدريسها كون طريقة كتابتها وقاموسها لم يفصل فيهما بعد. المشكلة الكبرى الأخرى هو أن هذا التّرسيم ليس إلا شكليا وخاضع بنسبة كبيرة إلى أجندات انتخابية لا يجب الوقوع في فخّها.

هذه الرّغبة وهذا الإصرار على تعميم اللغة الأمازيغية على المستوى الوطني هو أقرب إلى التّسرع منه إلى السّرعة. عوض الاعتقاد المنتشر، الرغبة في فرض هذه اللغة على غير الناطقين بها سيزيد من الهوّة الموجودة أصلا بين الجزائريين (أنظر مساهمة علي براهيمي في جريدة الوطن الفرنسية بتاريخ 14 أفريل 2018). هذا التسرع إذن هو توكيد لما يمكن أن نطلق عليه جملة: ثرزف أتشطح أوثسين (ذهبت لترقص في حين أنها لا تجيد الرقص) – وهو مقطع من إحدى أغاني إيدير–.

لا يعقل أن نُطالب بتدريس لغة لم يفصل بعد في طريقة كتابتها ولا في مفردات قاموسها. مثل هذه الأشياء تتطلّب وقتًا طويلا، خاصة مع هذا الصّراع الذي يشهده الإخوة الأعداء من دعاة الحرف العربي ودعاة الحرف اللاتيني. وحتى ولو كنت من مناصري الحرف العربي (نظرا لامتلاك أبجديته حرفين زائدين على الأبجدية اللاتينية ونظرا أيضا لمقدرة الكتابة بالحرف العربي على كسب ودّ باقي الجزائريين غير الناطقين بالأمازيغية وذلك بسبب البعد الديني الواحد (الإسلام) والذي لا يمكن إنكار مدى تأثيره على هوية الفرد الجزائري)، إلا أنني من دعاة استعمال حرف التيفيناغ كوسيلة تقريب بين المتنازعين وكساحة وسطى هي الوحيدة القادرة على لم شمل المتفرقين. زد على ذلك فحرف التيفيناغ هو الحرف الذي كُتبت به هذه اللغة منذ البدء، وعدم اللجوء إليه وتعويضه بحرف آخر سيؤدي لا محالة إلى زواله مع الزمن!

هذا فإن وفقت فهكذاك خير وإن أخطأت فلي في ما قاله القاضي الفاضل عزاء: “رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده:ل و غُير هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قٌدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …