الأربعاء، 15 أغسطس 2018

الفائز بالكأس: رواية التاريخ وكرة القدم

عادة ما يلجأ الروائيون الكبار، إلى التقاط حدث تاريخي يكاد يكون منسيا، قام به إنسان بسيط، لينسجوا من خلاله حكاية عظيمة؛ مثلما هو الشأن عند الروائي رشيد بوجدرة  (1941-) الذي صاغ روايته “الفائز بالكأس”، من خلال قصة المجاهد الجزائري محمد بن صدوق؛ الرجل الذي كلفته فيدرالية جبهة التحرير الوطني في الخارج، بتنفيذ عملية اغتيال الخائن الباشاغا علي شكال، في مدينة باريس، بتاريخ  26 ماي، من عام 1957.

محمد بن صدوق بعد القاء القبض عليه

هكذا خلق بوجدرة رواية عميقة، من خلال تلك الواقعة التاريخية، التي شكلت – في تلك السنة-  حدثاً مُدوّياً وأثارت ضجة واسعة في الإعلام، ولدى الرأي العام الفرنسي. تكمن حنكة بوجدرة وذكائه، في قدرته على الجمع بين الواقع والخيال، في شخصية هذا الإنسان الجزائري البسيط، المؤمن بقضية بلده؛ بحيث جعلته يُقدّم رواية بالغة الأهمية عن الثورة الجزائرية، رافعاً من قيمة هذا الرجل البسيط، الذي عاش في الشرق الجزائري على الهامش، وفي الظلال المُعتمة والمنسية للتاريخ.
تجري أحداث الرواية في ملعب “كولمب” بحديقة الأمراء بباريس، حيث تجري المقابلة النهائية لكأس الجمهورية الفرنسية في كرة القدم، بين فريقي “تولوز” و “أنجي”؛ وكما كانت المُباراة حامية الوطيس بين أرجل اللاعبين وسط الملعب، تدور في جوّ محموم بالهتافات والصياح والتصفيقات الحارة؛ تَسلل البطل بين الجموع المُحتشدة، بين مناكب الجماهير، ليُسدد رمية مُسدسه في الدقيقة الواحدة والتسعين، بين العينين، للخائن “الباشاغا شكال علي”، الذي كان جالسا في المنصة الرسمية، إلى جانب رئيس الجمهورية الفرنسية روني كوتي، وكبار المسؤولين الفرنسيين.

هكذا وبرصاصة واحدة، أرداه قتيلاً، غارقاً في بركة من الدماء؛ لحظات فقط ، قبل أن يصفر الحكم، نهاية المقابلة الصاخبة، لصالح الفريق التولوزي بنتيجة 6 أهداف مقابل 3.

غلاف الرواية

رواية “ضربة جزاء” أو “الفائز بالكأس” لرشيد بوجدرة، تُعدّ واحدة من أعمق الروايات الجزائرية، التي قاربت ثيمة الثورة في العمق، بعيدا عن التبجيل المُسرف والتمجيد الشعبوي الزائف؛ هكذا سلطت الرواية الضوء، على زاوية المنطق الذي كان يتحكم في الثورة الجزائرية؛ والذي لا يعرف المُلاينة، أو التراجع في المواقف الحاسمة، التي ينبغي لها أن تُتّخذ في الوقت المحدّد لها.

صدرت الرواية بالفرنسية سنة 1981 عن دار نويل الفرنسية، ثم أعيد طبعها في دار غاليمار  سنة 1989، تحت عنوان “الفائز بالكأس”  Le Vainqueur de coupe ، قام بترجمتها إلى اللغة العربية، الروائي الجزائري المعروف مرزاق بقطاش، واختار لها كعنوان : “ضربة جزاء”، وقد صدرت عن المؤسسة الوطنية للكتاب عام 1985.

اختار رشيد بوجدرة كعناوين فصول الرواية، متابعة لمجريات المباراة : تصدرها كعنوان الفصل الأول: تولوز0 أنجي 0؛  لينهي الرواية في الفصل 12 والأخير: تولوز6 أنجي 3 ؛ وهي النتيجة التي انتهت عليها المباراة.

تبدأ رواية  “الفائز بالكأس” من هذا المقطع:  “كان الرجل الأول على علم بأن له موعدا في محطة (( الاوديون ))، غير أن المغسل ظل بجسمه الصغير، ومربعاته الخزفية الباهتة المتقشرة التي بدت و كأنها مطلية بصبغة شاحبة، وقد انتشرت عليها، هنا وهناك، بقع من الصديد مثل بثور تصادف و أن نبتت فوق لحيته الخفيفة التي لم يتمكن من حلقها لشدة ما كان واقعا تحت وطأة العمل و مشدودا بكامل روحه إلى ذلك الموعد الذي ما انفك يقرع دماغه طيلة يومين كاملين .

حقا : المغسل هو الذي ظل آخذا بتلابيبه، فهو على عماه، وخلوه من أية مرآة، يبدو مشروحا، متبقعا بلونه الباهت الذي يبلغ، في أماكن منه، حد النفاذ عبر صفحته المصقولة مثلما يشاهد الإنسان ذلك في مثل هذا النوع من الفندق الموبوء الذي تتخلله فتحات تعدو في جميع اتجاهات السقف و ترشح على طول الجدران كأنما هي جداول دم تتشابك في دوامة من العقد المخضرة المفضية إلى بطنه الزنخ الزلق، الملئ بالرغوة، لا برغوة الصابون التي يضطر إلى تناولها بعد حين بيسراه بينما تقبض يمناه الفرشاة المنقوشة التي تنفرط شعيراتها كلما أمعن في وضع الرغوة على خديه، و تأتي لتختلط بلحيته البالغة الشقرة”.

الرواية مترجمة

رواية “ضربة جزاء” أو “الفائز بالكأس” لرشيد بوجدرة : رواية تستحق أكثر من قراءة، وتستحق فضلا عن ذلك، أن تتحوّل إلى فيلم سينمائي، نظرا لتوافرها على شروط السيناريو الناجح، من لوحات وحوار ومشهدية وحكاية.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …

جنس جماعي.. وكتب من التراث العربي الإسلامي

بثينة سرمدة يمثّل الجنس الجماعي أحد أهم مرتكزات الايروتكية العربية ، تعود جذوره إلى عصور …