السبت، 24 أغسطس 2019

فضيلة الفاروق تكتب: جحيم الصّمت

فضيلة القاروق

لكلّ مجتمع قاعدة فكرية وأخلاقية، وهي التي تُبنى عليها باقي لبناته، إذ يستحيل أن تُبنى الأمم على قواعد هشّة من هذا الجانب، ﻓ”إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم  ذهبوا”..!

وثمة معطيات كثيرة اليوم تقول أننا منهارون فكريًا وأخلاقيًا، وأننا في حالة يُرثى لها، وأن هذا المثقّف الذي نعتمد عليه لتأسيس قواعد مجتمعنا، جبّان، منافق، كذّاب، استغلالي، لصّ أحيانا، نمّام وغشّاش، كما يمكنه أن يكون “خائنا” بامتياز بما أنه يُباع ويُشترى بسهولة..!

وعلى سبيل الذّكر لا الحصر، تغلق مؤسسات إعلامية أبوابها وتصرف مئات العمّال، من بينهم إعلاميين وكٌتّاب وجدوا أنفسهم في مواجهة الخواء، بدون تعويضات، وبدون حتى مرتباتهم حين كانوا يداومون و يكتبون بحذر للإبقاء على مداخيلهم، فقد سحب البساط من تحت أقدامهم فجأة، وإذا بهم يكتشفون أن دورهم انتهى، وأن الوسائل الإعلامية التي اعتقدوا طويلاً أنّهم يتحكّمون فيها ويتحكّمون بها في غيرهم ليست سوى سلطة وهمية فلتت من بين أيديهم…

هكذا عاد “روّاد الكلمة” و سادتُها إلى بيوتهم منكسي الرؤوس، وغيرهم يتحضر ليخرج بالطريقة نفسها من معاقل صناعة “الرّأي العامّ” والتّحكّم فيه، وحماية الأنظمة بدروع الخطاب السّحري الذي صاغته أقلامهم…!

واقع مزري كشف إلى أي مدى يمكن التنكُّر لذلك الإعلامي البسيط، الذي يجتهد طيلة تواجده في مهنته ليكون “العبد المأمور”، حفاظًا على باب رزقه، و ليكون صوتا لفلان وعلان، داعسا على مبادئه، أفكاره وأصدقائه أحيانًا، فقط ليبقى باب رزقه مفتوحا…

تغلق المؤسسات الإعلامية أبوابها في ظاهرة لا مثيل لها  في تاريخ الأمّة العربية، التي أثبتت أنها لا تحتاج إلى أصوات شعوبها، ولا إلى فكر يقودها، ولا إلى حوار بين فئاتها، لقد اكتفت في الأخير بشعوب خرساء لا تحسن حتى لغة الإشارات، بعد تصفية “الخائن”، الذي كان وسيطا سيئا بين الحكّام والمحكومين، وفي غفلة منه لم يكوّن أية علاقة طيبة بينه وبين أبناء مهنته، ولو من باب الحرص على حقوقه توقعا ليوم كهذا..

في العالم العربي كله لا نقابة صلبة للصحافيين، لا عائلة إعلامية محترمة تضمّ شتاتهم، لا قوانين تحميهم من  الطعنات المفاجئة في ظهورهم، سوى القوانين التي تمررهم من خرم الإبرة أحيانا وتسكنهم عنق الزجاجة أحيانا أخرى قبل أن تُنهي مصائرهم في سلال المهملات…

فلا قرابة الحبر ولا خطورة المهنة وحدّتهم، وهذا ما يجعل هذا العصر الأسوأ  للصّحافة العربية على الإطلاق، فهل من منقذ في الأفق، لمواجهة عمليات إسقاط الإمبراطوريات الإعلامية وحمايتنا من جحيم الصّمت؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …