الأربعاء، 15 أغسطس 2018

جلال حيدر: التّعريب أنتج جيلاً من الدّراويش

جلال حيدر
جلال حيدر

جلال حيدر(1989-) لا يهتمّ بتزييف حياة الأرياف الشّاوية، بل يصفها كما هي؛ بوقاحتها وصبرها. يستعين بقاموس “البذاءة السّاخرة” ليصف أفراح شخصياته المعزولة. في باكورته “المذياع العاقّ”(منشورات بغدادي، 2018)، نقرأ نصاً بشجن عيسى الجرموني ونجد نسوة، يخرجن من عبودية طوعية إلى تحرّر مشروط. الكاتب يردّ هنا على بعض الأسئلة، لمزيد من الإضاءات على الرّواية.

  • بطل الرّواية “العلمي” يُولد يتيماً، تماماً كحال الثّقافة الشّاوية، الميتّمة..
  • في البداية دعني أترحّم على الشّهداء، ضحايا الطائرة المجنونة التي أبت إلاّ أن تفجعنا فيهم. أحزاننا كثيرة في هذا البلد.

أجل، ميتّمة، خاصّة بعد الإستقلال، عندما كان النّظام يُعادي الثقافة الأمازيغية، ويسعى لكسرها عبر موجة تعريب، أنتجت جيلاً من الدراويش، لايعترف بشيء، إلا بالفتاوى والخطابات التي تأتي من الحجاز.

لقد كان سهلا على هؤلاء تقمّص موضة العصر، هروبا من الحياة المتوحشّة هنا، التي ابتكرها النظام، حين تخلى على الجميع، بما فيهم مجاهدين كبار، ولم يسعى لبناء المنطقة؛ تركهم في أكواخهم، ومن جهة هروباً نحو جنة مزعومة، تفرض عليهم أن يحاربوا لباس المرأة التقليدي، الذي يتناسب في ألوانه مع الطبيعة، ومع طريقة عيشهم البسيطة، فطالما كانت المرأة هنا عارفة بالألوان، والزربية أجمل لوحة وصلت أجيالنا.

غير أن هذا الجيل الذي أتحدّث عنه، ساهم في جعل النّاس يعيشون اغترابا آخر، بمحاربته لبعض الشيوعيين خاصة، الذين نادو بالهوية على مدار عقود، ولاعادة الاعتبار، حاولوا تنظيم مسيرة عالمية في باتنة، غير أن أبناء المنطقة على رأسهم المجاهد الحاج لخضر، رفعوا نداءً للرئاسة وأجهضت المسيرة، هذا ماكان يحدث في بعض الأعراس، وكثيرا ما تسمع هذه العبارة ” المزمار في النار” حتى أصبح محرما في بعض المناطق الاحتفال بالفرق الفلكلورية، وأصبح الفنان الذي يؤدي الأغنية التقليدية أو يعزف على القصبة شخصا خارج الأعراف.

حدث منذ أيام أن سألني أحدهم، عندما شاهد قلادة على رقبتي تحمل رمز “ز” بالتيفيناغ، إن كنت أمازيغيًا، لك أن تتخيّل حجم الألم عندما تصادف شخصا مشوّها كهذا. المدرسة لم تعلم الأجيال ضرورة إحياء ثقافتهم، وهذا ما يطبع جميع مناطق البلد باختلافها، لقد تقرر أن يُستثمر في العنف فقط، وكأن هؤلاء مقدورهم أن يكونوا جنودا عاطلين، ينتظرون فقط خلف قطعان شياههم أو خلف الجدران التي يتكؤون عليها، موعد حرب ما يلوح في الأفق. وخلال كل هذا يطحنون بعضهم مثل دفتي الرحى.

  • حاولت الانتصار للغة الشّاوية، ووظّفتها في النصّ، لكن تبدو غير مقتنع بذلك، فكلّ فقرة بالشّاوية رافقتها ترجمة لها بالعربية..
  • ليست قضية أني لست مقتنعا، بل النصّ فرض علي استعمالها. في شخصية الجدة “نانة” مثلاً كان مفروضاً علي أن ألتزم بالموضوعية، فالعجائز في الأوراس كنّ أميّات، لم تدخل إحداهن المدرسة، تأخر كثيرا الأوراسي في تدريس بناته، حتى مطلع الثمانينات تقريباً. وجدتني أمام امرأة لا تتقن سوى الشاوية، في وسط لا يتحدّث لغة غيرها، وانتقيت بعض العبارات، وظفتها في النصّ، لأني عجزت على ترجمتها بشكل يرقى لما تحمله في طياتها من مشاعر ومن خصوصية تتميز بها الشاوية عن غيرها.

النصّ موجّه بالأساس للقارىء باللغة العربية، وهذا يفرض علي أن لا أقصيه. فمجرد أن أضع حوارًا بالشاوية دون ترجمة فهو إقصاء للقارىء بالعربية.

غلاف الرواية
غلاف الرواية
  • “المجانين ملح هذه الدّنيا” تقول واحدة من شخصيّات الرّواية. من هم مجانين بلاد الشّاوية؟
  • هم الذين عجزوا عن ابتكار المعنى، وسط كومة من الفوضى.
  • الثّقافة الشّاوية كانت، لعقود طويلة، ثقافة شفوية. لماذا تأخّرت في التّوسّع كتابياً؟
  • لم يكن من السّهل الإقلاع من قرية في الأوراس، كل الظروف ستكون ضدّك. الكتابة تحتاج تفرغا كليا، وأنا كان لزاما علي أن أكون جنديا، لأحضى بالكتب. كان لزاما أن أعيش كل تلك التجارب، قبل أن أكتب. لكن القلق كان يُرافقني بشكل دائم.
  • بعض المكتبات رفضت عرض الرّواية. لماذا؟
  • منذ البداية كان الغلاف مرفوضا، حتى عندما عرضته على حسابي في الفايسبوك. منظر السيقان جعل بعض المكتبيين، الذين ينتمون إلى أيديولوجيا هدّامة، يرفضون الكتاب، وفيهم من برّر رفضه للناشر، بالإضافة إلى الغلاف بوجود كمّ من الشتائم، على لسان بطل الرواية. هؤلاء لا يريدون أخلقة الأدب فقط، إنما يعتبرون أن العربية مقدّسة، يجب أن تظل نقية، تقديسهم لهذه اللغة يجعلهم يتعاملون وكأن مكتباتهم موجودة داخل المساجد، وليست موجودة من أجل تلبية رغبات القراء، وهنا يقعون في التناقض، إذ تجد بحوزتهم روايات إيروتيكية، بلغات أجنبية، غير أنهم لم يطلعوا عليها، ولم تصدر أحكامهم تجاهها.

لقد جذبتهم السيقان العارية للإطلاع على الرواية، وهذا يفسر حجم البؤس الذي يعشش في رؤوسهم، من المؤسف أننا في هذا العصر ملزمون بتبرير شتيمة على لسان بطل رواية، أو التنازل عن غلاف يُحاكي مضمون رواية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …