الإثنين، 18 نوفمبر 2019

«الفتوحات التّونسية».. من أجل فهم صحيح للإسلام

غلاف الكتاب

من بين أهمّ الكتب، التي صدرت هذا العام، كتاب «الفتوحات التونسية، ما بعد الحداثة الإسلامية»، الصّادر عن دار النشر تبر الزمان بتونس، والمعروض في بعض مكتبات الجزائر.

الكتاب مجموعة خواطر في أهم قضايا السّاعة على الساحة العربية والإسلامية، بل والعالمية طرا، من جميع زوايا العلم والمعرفة، خاصة الأخلاق والدين.

لعل الأهم فيه قناعة مؤلفه فرحات عثمان، المبيّنة حسب منهج علمي، أن التاريخ اليوم يُكتب على الأرض المغاربية، خاصة التونسية. ففيها ممكنة الفتوحات على جميع الأصعدة، أولها فهم الدين الإسلامي فهما جديدا متجدّدا، هذا الدين الثقافي قبل أن يكون شعائريا كما يريده له أعداؤه، وألدهم من هو بالداخل مما يُسمّى الطابور الخامس.

بهذا المصنّف، وبعد موسوعة الفتوحات المكية لابن عربي، يكون للمكتبة العربية فتوحاتها التونسية؛ فهي بحقّ التّفصيل الممنهج للنموذج التونسي لإسلام سمح متسامح، هذا الدين الذي هو أولا وآخرا سلام، أو كما يرى كتابته صاحب المصنّف: إ-سلام،  بمطة قبل السلام؛ وهو الإسلام الما بعد حداثي.

الكاتب يعتقد أن دين محمد من شأنه أن يعود إلى أصله الذي حاد عنه، أي صفة السلام الروحي والمعنوي قبل كل شيء، وإلا لن يدوم. فهو بعد في غربة فظيعة لما أصبح عليه من حالة الدعدشة المزرية التي نعاينها، هذه الداعشية المقيتة لإسلام دعي لا يتورّع أهل الإسلام السنّي عن الأخذ بها أو السعي في ركابها لتدمير صرح الدين من أساسه بوعي أو لا وعي.

يأتي الكتاب إذن في الوقت المناسب لإطلاق الصرخة المدوية لأجل عودة وعي، تخلّص إبريز الإسلام في روحانياته وإنساته من أدران السياسة التي لا أخلاق فيها لصفة التجارة الوضيعة التي هي عليه لأجل مادية عالمنا المفرطة. فالكتاب ينوى بحق الإحياء الجديد المتجدّد لعلوم الدين، بله فنونه، وذلك بالمرور من الشعائرية الحالية التي قزّمت تعاليم الإيمان الإسلامي وروحه إلى ما ميّزه في ذورة مجده، تلك المسحة الثقافية التي تميّزه عن سائر الأديان.

فرحات عثمان

إعادة فتح باب الاجتهاد

يأتي المصنّف في أكثر من 400 صفحة متمحورا حول خواطر   تنطلق من واقع معيش فيه كلّ تجليات الزمن الراهن الذي يختزله، كما نقرأ في خطبة الكتاب التي عنوانها «في فهمنا المغلوط لديننا»: «تطلّع عشوائي، لكنه جامح، للروحانيات كأفضل ما يُمكن أن يُجابه به الانزلاق القهار إلى متاهات الماديّة التي غرق الغرب الرأسمالي في أفضع صورها، وهو يسعى ليُغرق معه الشّرق الروحاني وقد أغواه تزمّت مطلق العنان في ظلّ تحالف مقيت بين توحّش رأس المال وسلفيّة هوجاء».

لهذا، يُحي حق الاجتهاد وواجبه في هذا الدين الذي يثيب الله فيه المجتهد عن حسن نيّة ولو أخطأ، فيفضّله على المقلّد الذي لا يجتهد بل يجتر اجتهاد غيره. بمثل هذا الاجتهاد يكون زمن ما بعد الحداثة العودة لما يُسمّيه الكاتب «شرف الإيمان». فالأمثلة العديدة المذكورة كلّها بالتفصيل في الكتاب متجذّرة حيويا في العادات والتقاليد العربية الإسلامية، إلا أنها مصفاة مما شابها من إسرائيليات، طامسا ما فيها من ضياء ورونق.

في ديباجة فتوحاته، يقول فرحات عثمان: «نندّد في فيض الخاطر المكون للكتاب بما يشين سماحة ديننا، إلاّ أنّنا لا نقصد تيارا بعينه وأشخاصا محددين، بقدر ما نتحدّث عن ذلك التزمّت الديني الذي يذهب في غلوه إلى تقديس الجهاد الأصغر على الأكبر وتفعيل ما انقضى للمروق عن واجب إقامة ما لم ينقض ولا ينقضي واجبه… وهو الجهاد الصحيح في الدين القيم، جهاد النفس وجهاد الفكر، أي الاجتهاد المستدام».

نقد الإسلام السياسي

لا شكّ أن هذا الكتاب سيكون له الوقع الأكبر والأليم على المتاجرين بالقيم وأهل الدين الدعي من إسلامويين، إذ يفنّد فرحات عثمان ادعاءاتهم بكل موضوعية ورزانة، بما فيها التفاصيل العلمية والفقهية. وهو لا يستثي أي موضوع حسّاس كما يُبيّنه فهرس الكتاب. إن همّه لهو التعرّض لهذ المسكوت عنه عادة لأجل رفع الكوابل التي تمنع العقل العربي من الارتقاء للدرجة التي وصل إليها سابقا في عزّ الحضارة الإسلامية برافديها العربي والأمازيغي.

وبما أن الإسلام السياسي بتونس يمثّله شخص راشد الغنوشي، فهو يجرؤ على التوجّه إليه مباشرة، لا لملاسنته كما يفعل البعض، بل لمجابهته بمدى تصديق فعله لقوله وتعلّقه بالأخلاق؛ إذ يُجابهه بما يقول ويعلن مما لا يتبعه عمل ولا فعل، فأنت تسمع الجعجعة ولا ترى الطحين. وليس هذا، طبعا، حكرا على الزعيم التونسي، إذ هو ميزة أهل السياسة طرا، ومنهم بالأخص أهل الدين السياسي. وفي مجابهته للزعيم التونسي بحقائقه، يلتزم الكاتب بكل الموضوعية والرصانة، كأنه الأخ الذي يهيب بأخيه الأكبر لإعطاء المثل الأسنى الذي يحتّمه عليه دينه وقد جعله مطية لأغراضه الدنياوية.

لذلك ينتهي الكتاب برسالة موجّهة للشيخ الغنوشي بصفته زعيم الحزب الإسلامي التونسي المدّعي الوسطية، والحاكم تونس اليوم. وقد جاء عنوانها عمدا بالتعبير العربي القح «ألوكة»، إذ يرى صاحب الكتاب أن هم الغنوشي استعمال العربي له مغزى يكمن في متخيّله، كما نبيّنه لاحقا. في هذه الرسالة، يذكّر فرحات عثمان راشد الغنوشي بما قاله وبما لم يأخذه من المفكّر الجزائري الفذ مالك بن نبي رغم اعترافه بشديد تأثيره عليه.

يمكن القول اليوم أن «الفتوحات التونسية» لهي أخيرا البيان الشافي عن هذا الإسلام الآخر الذي ينتظره أهله ممن يرى فيه كل الاحترام للآخر المختلف لصفته العلمية العالمية. فهو غير ما نرى ونسمع، أي الإسلام السمح، إسلام الحقوق والحريات، لا إسلام الإسرائيليات؛ ذلك أن ما نعيشه اليوم لهو التجلّي لما رسب في الإسلام من عادات يهودية مسيحية. تلك هي «ما بعد الحداثة الإسلامية»، وهو العنوان الفرعي لكتاب فرحات عثمان.

فهرس الكتاب

يتكوّن الكتاب، بعد الخطبة والديباجة، من خواطر تفصّل بأمثلة حيّة النموذج التونسي؛ وهي كلّها مستوحاة من المسكوت عنه عادة. كما للكتاب ذيل في مائة صفحة يلخّص روح المعاصرة وتحديات الحالي والآني. وهذه مواضيع الخواطر المقسّمة إلى خمسة أبواب، بعد فاتحتها:

*في الهوية: في جاهليتنا الجديدة| اللخبطة القيمية عند المسلمين| الختان، عيد الأضحى وهويتنا المشوشة| الإسلام كنظام محبّة عالمي| التصوّف، إسلام تونس الشعبي.

*في الأخلاقيات: أخلاق المجتمع وأسباب قبحها المسكوت عنها| إحياء الأخلاق الإسلاميّة بتونس| التقوى اليوم هي الجرأة في العدل والنزاهة| القبُلة حلال في الإسلام |النقاب والحجاب ليسا من الإسلام.

*في السياسة والحريات: الدعوى للخلافة دعوة للباطل| القرار التونسي وأوامر الغرب| أفضل الإسلام السياسي الدعوة للإفطار لإنقاذ البلاد| حقّ التلميذ عدم الصّوم وواجب الفقيه التذكير بحريّة المؤمن.

*في الاجتماعيات: رعاية المسنّين ومرضى الألزهايمر| الجنس في تونس وفي الإسلام| تدبير الرأس، هذه الحكم الشعبيّة| هل الحج والعمرة اليوم من التقوى؟| أضرار التبغ أعظم، فهل من العدل تجريم الزطلة؟| رمضان، المهرجان الشعبي لشعائر الإسلام.

*في الدّيانة: العدل في الإرث هو المساواة، من مقاصد الإسلام القطعية| الإسلام لا يحرّم الخمر بل السكر| الجهاد اليوم هو الأكبر، أما الأصغر فهو إرهاب| لا تحريم للردة في الإسلام| تحريم اللواط في الإسلام من الإسرائيليات| الإسلام لا يمنع إبطال عقوبة الإعدام| إحياء فنون دين الإسلام.

أما ذيل الكتاب، الذي يتبع خاتمة الخواطر، فهو يأتي في شذرات لواحق، هذا بعضها:

*ترجمان الأحاسيس: تنمية المشاعر| زمن الحبّ؛

*حكمة ما بعد الحداثة: غربة إسلام الحداثة| غربوية الإسلام التونسي؛

* متخيّل المسلم ما بعد الحداثي: نماذج من حداثة الإسلام التراجعية، صور من الواقع المعيش التونسي أو إ-سلام التصوّف.

*نماذج هياكل لما بعد الحداثة: إمبرياليّة ما بعد الحداثة الافتراضية، الصعلكة والفتوة ما بعد الحداثية؛

*في إسلام ما بعد الحداثة: من أجل عودة ابن عربى إلى مشرق الشمس المغربي| ألوكة أخيرة لراشد الغنوشي أو شاهد لما بعد حداثة النهضة التونسيّة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …