الأربعاء، 17 يوليو 2019

بشير مفتي.. خرائط للحبّ والانتقام والخيبة

د.باديس لونيس

الرّوايات التي تستحق أن توصف بالجميلة، هي تلك الروايات التي تدفعنا إلى إهدائها لمن نحب، وفضلاً عن ذلك نعود إليها بعد مدّة من الزمن، وقد ملأنا حنين لقراءتها من جديد.

“خرائط لشهوة الليل” هي إحدى تلك الروايات، حسب رأيي. هي رواية نفسية بامتياز، تعكس إلى حدّ بعيد نظرة أناييس نين في الروائي اليوم، الذي تراه يسير على خطّ مواز للعالم النفسي، حيث يتبين ثنائية الشخصية الإنسانية وتعدديتها.

وهذا ما فعله الرّوائي مفتي بشير حين قدّم لنا شخصية تبدو للعالم أنها مرضية يمكن تصنيفها ضمن المنحرفين، بل وحتى المجرمين. لكنها – بحسب الروائي – تبقى تمثل جانبا إنسانيا يعكس سياق ما، وظروفا اجتماعية ونفسية ساهمت في تشكيلهم وعجن ذواتهم.

هذه الازدواجية التي تعترف وتقرّ بها البطلة ليليا عياش، كانت محور القصّة والخيط الذي حاك منه الروائي حبكة الحكاية، في محاولة جميلة لطرح قضايا فلسفية عميقة (كالخير والشرّ)، ووصف انعكاسات اجتماعية وسياسية فارقة (كالفترة التي مرت عليها الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988).

تقول البطلة التي اختارها الروائي دون غيرها لتسرد الأحداث من زاوية رؤيتها: “كنتُ مقتنعة بازدواجيتي وانفصاميتي تقريبا، وبكوني أمتلك رؤيتين منسجمتين، تجمعان الليل بالنّهار، والسّواد بالبياض والخير والشرّ”.

ليليا التي فُجعت بوفاة والدها، وزواج أمها المبكر بعشيقها الذي كانت تمارس معه خيانة الوالد، امتلأ قلبها بالسواد، والرغبة في الانتقام. فرسمت لنا حالة تراجيدية مُربكة؛ “كنتُ أرغب في الانتقام، ولكن لم أكن أعرف ممن؟ ولكن كان انتقامي دائما يأتي من أولئك المقرّبين إلي، من أولئك الذين يُفترض أن لا أنتقم منهم، وأن أنعم بعلاقة طيبة معهم”.

هذا الانتقام الذي كان يسري بداخلها كرغبات قاتلة ومجنونة، وينبض في كامل شرايين جسمها. كانت تشعر به متلهفا للانفكاك على كل من يجرؤ على الاقتراب منها. بل ذهب بها الأمر إلى أن تغري صديق منيرة، وعاشقها الولهان، فيخضع لها، ويترك صديقتها باكية حزينة، وهي تتلذذ بذلك.

ولكي يكون لحضور “فكرة الانتقام” وقعًا أقسى، ومذاقًا أقوى، ربطه الروائي بالجنس الذي برعت فيه ليليا، واستخدمته بنهم للانتقام من الآخر (زوج أمها، وصديق منيرة وحبيبها الغالي) ومن نفسها أيضًا. تقول البطلة في فقرة حادّة السّرد: “وماذا أيضا؟ الجنس؟ نعم، هذا أيضًا كنتُ بارعة فيه، بارعة ونهمة وأشعر أن يخرس أصواتا مجنونة بداخلي، يطفئ نيران غضبي، يخمد شيئا قاتلا بروحي، كنتُ أمارسه بنزق وحرية، بجنون وطيش، غير أنه جنون أدرك معناه، وأفهم حدوده، كان مثل أقراص مهدئة تصلح لجعلي أرتاح في سريري على الأقل، وأنام منهكة من التعب الجسدي، لا غير.”

غلاف الرّواية

لكن البطلة/الشّاهدة، تبقى نقية في داخلها كما يصفها حبيب منيرة الغالي في روايته عنها، والذي استخدمه مفتي بشير بطريقة ذكية كراوي ثاني داخل الرواية، كي يبرر لنا واقع ليليا المفرط في نزقه فهي حسب رأيه: “لم تستطع أن تكون في النهاية غير ما هي عليه. امرأة تتوق للجمال الذي يسكنها، لروح سماوية متطهّرة من كلّ دنس، رغم أنها كانت غارقة فيه، متوسّخة بأدرانه، وكانت ملوّثة من أخمص قدميها إلى قمة رأسها، لكنها بقيت تعلم أن روحها نقية”.

اعتقد أن مفتي بشير (مثلما يفعل في كل مرة) نجح إلى حدّ بعيد في رسم شخصية واقعية بلمسات هادئة غير متسرعة، تتطوّر بشكل مقنع داخل الرواية، وفي نفس الوقت تنمو داخل القارئ لتتشكل لديه أحاسيس ومواقف مرتبكة ومربِكة بقدر ارتباك الشخصية وتعدّد ذواتها.

وتصل حالة الإرباك وتعقّد أوجها حين تصرح الشخصية بندمها “كنتُ معهم والإحساس بالخيانة ما فتئ يمزقني، والاحتقار للنفس يسلخ روحي عن جسدي (…) وأدركتُ في لحظة من حياتي أنني صرت غريبة عن نفسي، غريبة عنهم، وغريبة عن العالم بأكمله. وأنني لا أعرف في أي طريق سأسير”. “بصعوبة كنتُ أفتش عن وجهي في المرآة”. “وشعرت بتأنيب ضمير غريب تجاه كلّ ما صدر مني من مساوئ، وأنا أدرك فجأة حجم ما عانيته من تمزّق وحيرة، لم يكن هناك عالمان في النّهاية، بل عالم واحد، كان الليل والنهار جزءا من تكويني ورؤيتي للحياة”.

ولكنها رغم كل الندم ورغم حالات الهدوء التي تعيشها إلا أنها لا تفتأ لتبرر عودتها لنزقها: “لكني كنتُ هاربة منه، لاهثة خلف شيء آخر، أنتقم منه، ومنهم، ومن كلّ واحد يقول إنه يحبّ، أو أحبّ، ولم أنظر للأمر على أنه خلل في نفسي، بل خلل في الحياة التي نعيشها”.

يستمر الحضور الفعّال لشخصية عزيز السبع/حبيب منيرة الغالي في الرواية، حين يقدم لنا نهاية احتمالية لليليا عياش؛ نهاية رسمها بشاعرية وإثارة، وهي تقرر الانتحار اختناقا بالغاز ببطء، راضية متقبّلة لموتها، موتُها الذي اختارت طريقته بنفسها، كما اختارت طريقها في الحياة. هذا الاختيار نفسه تراه الشخصية نوع من العبثية مرّة، ومرّة نوع من الحتمية.

من بين الشخصيات المهمة أيضا في الرواية والتي ظهرت مع الثلث الأخير منها؛ شخصية الأستاذ الجامعي صاحب التوجه الماركسي، والذي تعرض لخيبات جعلته يعيش هو الآخر نوعًا من الازدواجية في شخصيته بسبب قناعاته الفكرية ومجتمعه المحافظ الذي لابدّ أن يعمل حسابه في تصرفاته. يقدمه لنا الروائي في صورة مرتبكة ولكن رغم سوداوديته، إلا أن مفتي بشير لم يكن قاسيًا في رسم ملامحه، ولم يمارس معه جلد الذّات كشخصية تمثّل واقع المثقف في مجتمع مليء بالمفارقات. بل إنه جعل له نهاية سعيدة من منظور البطلة التي كانت سببا في تحرره من شبح زوجته المتوفية وأعادت له الرغبة في الحياة من جديد، ليتزوج فتاة اسمها (لولا) قد تكون نفسها أو شبيهة صديقتها العاهرة الوهرانية.

بشير مفتي

يتجلّى أيضا ذكاء مفتي بشير في توظيفه السلس ليس فقط لتقنية الرواية داخل رواية، ولكن وأيضا لتقنية الرسالة؛ حين قررت ليليا أن تراسل عزيز السبع/ الروائي، هنا يتحدث مفتي بشير بشكل جميل وعميق عن علاقة المثقف بالواقع “… لكن كنتَ في عالمك النظري في يوتوبياك الداخلية، مسكن الكتاب الدائم على ما أظن، بيتهم الخيالي والمصنوع من تمزقات وجودية ونفسية لا تنتهي”. لكن الرسالة لم تصل إلى حبيب منيرة الغالي، هذا الأخير الذي مزّق روايته الثانية بسبب الخيبة التي أصابته جراء ترك منيرة له، وهاجر إلى كندا.

في الأخير، وحين يكون القارئ منغمسا في أحداث الحياة/الرواية، وحين يكون متماهيا مع تقلبات الحالة النفسية للبطلة وهي تتبع خريطة ذاكرتها، وحين تبدأ مبررات اختيار العنوان في التوضّح، يرافقه الروائي في استكناه ذلك؛ بأن الليل الذي عاشته ليليا والجزائر معا، لا تكفيه خريطة واحدة لكي تهدي أحدًا إليه، ثم يستدرك بأن لا خرائط لليل سوى لحظة فارقة تتعلق بالذاكرة المتعبة. فنبوءة عزيز السبع في موت البطلة لم تتحقق، بل بقيت حيّة مع ذاكرتها وكوابيسها التي لا تريد مفارقتها خاصة بعد أن أقدمت على قتل زوجها مسعود الكومندان، هذا القتل الذي جاء في صورة أرادها مفتي أن تكون غامضة ملتبسة بين القتل الحقيقي والمعنوي، بين نهاية مأساوية وأمل جديد.

رواية “خرائط لشهوة الليل”؛ إحدى أهم ما كتبه مفتي بشير، بل إنها ورغم صغر حجمها نسبيا، إلا أني أعتبرها إحدى أهم الروايات الجزائرية؛ رواية كُتبت بذكاء ورويّة، وتقرأ على نفس واحدة، تجذبك من أول سطر، لتعيش تقلبات الحياة، وصدق اللحظات المتلونة بالأمل حينًا وبالخيبات في أكثر الأحيان. رواية تقدّم لك خرائط للحبّ والانتقام والخيبة كذلك.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …