الخميس، 17 أكتوبر 2019

الشريط الوثائقي عن يهود الجزائر: قراءة مختلفة

فايزة مصطفى

 

شاهدت الشريط الوثائقي للاعلامي سعيد كسال بعنوان “يهود الجزائر” في جزئه الأوّل، والذي عرضته قناة الشروق هذا الأسبوع؛ كما قرأت بعض التعليقات حوله، كتبها أصدقاء كتّاب وإعلاميون، وحتى لا نرى فقط نصف الكأس الفارغ، بحكم تعوّدنا على الانتقاد والنقد السلبي؛ أرغب أولا، في الإشادة بجهد فريق العمل من الناحية التقنية، وأيضا لجرأة الموضوع وحصريته؛ لاسيّما وأن الحديث عن اليهود يعدّ من الطابوهات المحرّمة، خاصة بعد صعود الفكر المتشدد، الذي أتى على الأخضر واليابس.
طريقة التصوير، وزواياه، وفنياته، وتسلسل السيناريو؛ وفّق فيها المخرج وفريقه، الأمر الذي يدل على تعامله مع تقنيين محترفين. أمّا عن المضمون نبدأ أولا بقيمة العمل، من حيث المعلومات فاعتقد أن هناك عشرات الآلاف من الجزائريين، اكتشفوا لأوّل مرة هذا الجزء المبتور من الذاكرة، فتاريخ اليهود لم تتطرق له المناهج المدرسية ولا المؤسسات الرسمية ، وتم تغييبه وتهميشه، ما عدا المقابر التي تعرّض بعضها إلى النبش، والمعابد المهجورة بعضها تحوّل إلى مفرغة للنفايات والخردوات.

يهود الجزائر

بفضل هذا الفيلم مثلا، عرف الكثير منّا أسماء فنانين ساهموا في الموسيقى الجزائرية، فهناك مثلا صحفيون قضوا عشرين سنة في القسم الثقافي، لم يسمعوا برينات الوهرانية أو ليلي بونيش؛ هناك موزعون موسيقيون مثلا لا يعرفون أن أغنية “أنا لولية” ليست لنعيمة الجزائرية بل هي للمطربة اليهودية، وهي “لينا مونتي” واسمها الحقيقي “ليلى فالح”.

هناك الآلاف من الجزائريين لم يزوروا منطقة التوات، وعلموا بفضل الفيلم بتاريخ “تمنطيط”، لقد قدّم هذا العمل معلومات هامة تبيّن ثراء تاريخنا وعمقه، ومدى التعايش الإنساني الذي ميز ماضي أجدادنا.
بلا شك واجه فريق العمل صعوبات خاصة من ناحية الحصول على تصريح للتصوير، ومن الرقابة بأنواعها. لذلك يستحقون الاعتراف والإشادة بمجهودهم.

الاعلامي سعيد كسال

لكن شخصيا أتحفظ على تصنيف العمل، فلا أدرى لماذا اعتبروه وثائقيا سينمائيا، وهذه التسمية لا توجد في أبجديات الإنتاج الإعلامي؛ اعتقد انه يصنّف ضمن الأفلام التسجيلية، لأنه سجّل شهادات، أكثر مما خاض في الكشف عن الوثائق المكتوبة أو السمعية بصرية؛ لم نر في الفيلم أيّة وثيقة تثبت ما قاله المتدخلون، لذا أشك في مصداقية ما يقولون بحكم تخصصهم، ولكن العمل الوثائقي يعتمد على الدليل التاريخي لدعمه أكثر؛ هناك الآلاف منها على الأقل في مكتبة فرانسوا ميتران، في المتاحف ومعاهد الدراسات الفرنسية والأوروبية، تحتوي على أرشيف مهم في متناول الجميع . هذا إن لم تكن تلك المخطوطات، في كل من تمنطيط وقسنطينة وتلمسان ووهران قد أتلفت عن آخرها.
وهناك نقطة مهمة جدا، أين هم يهود الجزائر في العمل ؟ هل انقرضوا؟
كان بالإمكان عدم الاستعجال، ومحاولة إجراء حوارات مع يهود جزائريين يقيمون بفرنسا، هناك مناضلون في الثورة ، هناك مثلا وليام سبورتيس هو الآن في الثمانين من عمره، وأصدر كتابا يوثق فيه طفولته .
أكيد، سعيد كسال وغيره من الصحفيين والباحثين الجزائريين والأجانب، تأكدوا أنه لم يعد يوجد يهود بعد العشرية السوداء، ولا حتى من الطوائف الدينية الأخرى، يكفي قراءة الصحافة لنعرف مدى التضييق الممارس على المختلف في مجتمعنا، وعلى هذا الأساس ربما استعان المخرج بمشهد تمثيلي لشخص يدّعي أنه اليهودي الأخير والمخفي في بلاده.

صاحب النص لم يقدم تبريرا للمتلقي الأجنبي (بحكم أن الدبلجة تمت باللغة الانجليزية، لان الفريق فيما يبدو، يسعى إلى وصول فيلمه لجمهور أوسع). فما عدا تبرير الباحثين عن مغادرة اليهود لتمنطيط، حاول إن يعتمد على كلام شخص في مقهى، لتبرير سبب القطيعة بين اليهود والمسلمين في قسنطينة، وفي مدن أخرى، بالاستناد فيما يعرف بقانون كريميو؛ لو اعتمد الصحفي على شخص قانوني مختص وسأله عن هذه النقطة لكان أكثر إفادة. وإذن ما سبب تخفي شخصية الفيلم وتخوفه ؟ هنا تكمن أهمية الاعتماد على التوثيق في العمل الوثائقي وأهمية إجراء مقابلات مع المعنيين بالعمل .

حتى وإن أكد الصحفي سعيد كسال، أن أكبر تحدّ واجه فريق العمل “كان من الجانب التقني بسبب مساحات تخزين المادة المصوّرة في مواقع التصوير التي لا تكفي، كما كانت الإضاءة أكبر هاجس واجهه الفريق وكذا التلوين في مرحلة ما بعد التصوير، حيث اصطدم الفريق التقني بصعوبة عملية تلوين اللقطات التي تكلف مبالغ باهظة جدا في الإنتاج السينمائي، لما تحتاجه من ذوق فني احترافي وتدقيق في المشاهد ثانية بثانية، إلى جانب تقنية التصوير التي كانت في شكل ملفات لمجموعة من الصوّر بسعة 25 صورة في الثانية، بدل الطريقة الكلاسيكية المستعملة في الإنتاج التلفزيوني (الفيديو)…”

في الأخير، تحية إلى الصحفي سعيد كسال وفريق عمله؛ في انتظار الجزء الثاني، وستكون لنا معه قراءة أخرى، أكثر شرحًا وتعمّقـًا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …