الأحد، 16 يونيو 2019

احميدة عياشي.. “ليون جزائري” ركب صهوة الحياة

جلال الدّين سماعن

احميدة عياشي

حين تتدرّج في قراءة “رسائل إلى أميرة”(منشورات الحياة – 2017)، وهي وقائع سيرة متشظية، يروي فيها احميدة عياشي(1958-) فصلاً من حياته(1965-1985)، ستفكّر لا محالة في أمين معلوف وفي رائعته “ليون الإفريقي”.

ستفكّر أيضًا في بطل روايته “سلالم الشرق”، سالم، ذلك الذي بدأت حياته قبل أن يولد بنصف قرن، مع فارق هو أن حياة احميدة عياشي بدأت مباشرة يوم ولادته ذات 27 ديسمبر.. لكنه لن يكتشف ذلك إلا لاحقًا، أي ذات 27 ديسمبر 1978 حين ترفض عائلته الاحتفال بعيد مولده لأن الرئيس هواري بومدين.. مات! ليس سهلا أن يصادف يوم وشهر مولدك نفس اليوم والشّهر الذي سيموت فيه واحد من أكبر الشخصيات الجزائرية ويدخل بعدها البلد في دوامة يصعب الخروج منها.

عليّ منذ البداية أن أقّر بأن هذا الكتاب سيوّلد شعوران متناقضان عند القارئ: الأول خيبة أمل كبيرة! والثاني تحفيز وعزيمة على تغيير مجرى حياته وفعل شيء مميّز فيها.

خيبة الأمل لا تتعلق بالكتاب في حدّ ذاته بل بحياة القارئ – على الأقل من أمثالي: سيكتشف هذا القارئ بأنه أهدر حياته في أشياء تافهة وبأنه لم يترك بصمته ولا فعلا ستذكره الأجيال المتعاقبة. احميدة عياشي هو نقيض هذه الكائنات السّلبية: عاش حياة مكثّفة، ركض خلف كلّ لحظة منها (مجازا وحقيقة أيضا لأنه من هواة العدو في سباقات الماراثون) بشغف، بحبّ.. بألم أيضًا. وهنا يكمن وجه الشبه بينه وبين ليون الإفريقي – وهو رحالة وجغرافي عاش في القرن السادس عشر وشهد كبرى الوقائع التي حدثت إبان عصره.. “سقوط غرناطة، حريق تومبوكتو، سقوط القاهرة وسقوط روما”.. في نهاية رواية اللبناني أمين معلوف، يتساءل بطلها بعد حياة حلّ وترحال إن كان هو من يستدعي المآسي أم أنّ هذه الأخيرة هي التي تناديه!

غلاف الكتاب

هكذا كانت حياة احميد عياشي، من سوء حظّه – والذي سيصبح حظًا كبيرًا فيما بعد – أنه في أكثر من مرة تواجد في أماكن وقعت فيها أحداث شكلت منعرجًا حاسمًا في تاريخ بلد بأكمله. أحداث كادت أن تودي بحياته لولا ستر الله ونصيب من اسم عائلته: عياشي.. ليعيش.

وُلد في سيدي بلعباس في عائلة تربطها صلة قرابة بالشيخة الريميتي وهي واحدة من ألمع مغنيات ما سيُصبح لاحقا أغنية الراي.. جلس في حضرتها واستمتع كثيرا بأغانيها وبأحاديثها. بداية اهتمامه بعالم الأدب والصّحافة والمجّلات وهو في سنّ السابعة عشر صادف تعيين أحد أعظم الكتاب الجزائريين على مرّ العصور، كاتب ياسين، كمدير للمسرح الجهوي لمدينة سيدي بلعباس. التقاه، حاوره، اكتشف فيه إنسانا طيّبا ومتواضعا لم يصبه أدنى غرور من الشهرة العالمية التي نالها بفضل روايته “نجمة”. سيعود ويلتقي مع كاتب ياسين بعد نيله لشهادة البكالوريا وتفضيله دراسة العلوم السياسية والإعلام في العاصمة عوض وهران التي كان يتجه إليها معظم قاطنة الغرب الجزائري. سيحظى بشرف العيش مع كاتب ياسين لقرابة عشر سنوات كاملة تأكد بفضلها بأن ذلك الحلم الذي رأى فيه بأن الله يكلّمه وبأنه يحبّه هو حقيقة وليست أضغاث أحلام ولا وسوسات شيطان.

ميله إلى الصّحافة “وحبّ الله له” سيقوده إلى وهران ليجريّ أول حوار صحافي مع الشاب خالد حين لم يكن هذا الأخير يبلغ من العمر عشرين سنة. ستكون دهشة احميدة كبيرة بعد عشر سنوات: من كان يتوقّع بأن هذا القادم من عالم فقير ومهمّش سيغدو نجما عالميا تتسابق كبريات القنوات لاستضافته وعرض أغانيه. نفس الحال حدث مع الشاب مامي، فرقة راينا راي… بل إن فضل شيوع الراي يعود إلى احميدة، هذا الصّحافي الشاب الذي كتب ردا على مقالة لسليمان جوادي يتهجّم فيها هذا الأخير على هذا الفن الجديد الذي برز على الساحة مع بداية الثمانينات.. هذا السليمان جوادي “سيصبح مصادفة كاتبا لأغنية للشّاب خالد فيما بعد”.

الحياة الجامعية لاحميدة عياشي كانت أيضا حافلة: قراءات ولقاءات بأشخاص سيكون لهم شأن عظيم في صناعة تاريخ الجزائر. إن سلبا أو إيجابا.. “حبّ الله له” سيجمعه بشخص قبائلي كانت تكفيه محادثة واحدة معه أفصح له فيها بأنه لم يزر أبدا منطقة القبائل فيدعوه هذا القبائلي إلى مرافقته في اليوم الموالي إلى قريته في ضواحي تيزي وزو. كذلك فعل هذا المغامر المحبّ للحياة لكنه لم يكن يعلم بأن هذه الزيارة ستسمح له بأن يعيش عن قرب أحداث الرّبيع الأمازيغي التي اندلعت بعد إلغاء محاضرة لدا مولود معمري. بهذه الطريقة وبفضل هذه الواقعة سيتشكل وعي جديد لاحميدة وسيتبنّى القضية البربرية ويُدافع عن هذه المنطقة ولغتها كمناضل وفيّ وكصديق للكثير من أبنائها.

أحد هؤلاء الأصدقاء لم يكن إلا المرحوم كمال أمزال. مرة أخرى، سيحمله القدر – الصّدفة – الحظ.. أو ربما فقط خطى احميدة عياشي إلى مقهى الإقامة الجامعية ليكون شاهد عيان على حادثة مفصلية في تاريخ الجامعة الجزائرية. حادثة ستكون فاصلة في جامعة تُفكر، تتبنى قضايا أمة، يتخرج منها حاملو شهادات على قدر كبير من الكفاءة والوعي في كل مجالات الحياة لتغدو جامعة النقاش الوحيد فيها بين الطلبة: زيت الزيتون عربي أو قبائلي. قُتل كمال أمزال من طرف إسلامويين وهو في طريقه إلى تعليق إعلان عن اجتماع سيعقد في التاسعة ليلا لمناقشة أمور متعلقة بالوضعية في الإقامة الجامعية. صُدم احميدة ومعه آلاف الطلبة لكنه وعلى عكسهم سيعلن وفاءه لصديقه المغتال هدرا ببراغماتيته المعهودة  وذلك بإنشاء فرقة مسرحية تحمل اسمه: كمال أمزال.

تستمر رسائل/حكايات/بوح احميدة عياشي لأميرة بوراوي ويستمر القارئ في اكتشافه لكواليس كان لها الأثر البالغ في تاريخ الجزائر.

سيكتشف القارئ – بفضل الأسلوب السّهل الممتنع الذي تبنّاه الكاتب – كيف أن أمورا ولقاءات تبدو تافهة في حياة المرء بإمكانها أن تصنع فارقا مهمّا فيها، بل أن تغيّرها بصفة جذرية. سيكتشف كيف يمكن أن تنحو حياة شخص ما نحوا غير متوقع تماما فيصبح أعقل الناس إرهابيا ويُغتال خلال العشرية السّوداء؟ كيف يُصبح مجرد سكير وأبله مستشارا رئاسيا أو وزيرا في حكومة؟ إلخ. كما سيشفي المحبّون لكاتب ياسين غليل فضولهم وهم يكتشفون مثلا بأنه لم يكن يملك رخصة سياقة وبأن له ابنا من امرأة بولونية اسمه… محمد هانس ستالين! سيكتشف القارئ أيضًا بأن “حبّ الله” سيقود احميدة عياشي ليكون شاهدا على اعتقال عباسي مدني ويقرأ شيئا من تفاصيل الحادثة.

لن أتحدّث عن بقيّة الأسرار المكنونة في الكتاب. لا أريد أن أكون أنانيا وسأترك لكم متعة اكتشافها بأنفسكم.. متعة الاندهاش باكتشاف العلاقة القائمة بين القناوي، الدولة الفاطمية، علي ابن أبي طالب وعبارات عيشة راجل، عيشة البواسة وعمار بوزوار! متعة “سمْطتها” بعض الأخطاء المطبعية لكن هي أيضا ليست مصادفة بل وقعت تأكيدا بأنك راك في الدزاير يا خو!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …