الخميس، 17 أكتوبر 2019

من المسؤول عن إتلاف لوحة “المجاعة في الجزائر” لغوستاف غيوميه؟

محمد علاوة حاجي

بينما كان المستشرق الفرنسي، غوستاف غيوميه (1840 – 1887) مُبحِراً إلى إيطاليا في مطلع ستينيّات القرن التّاسع عشر، حطّت به الصّدفة على شواطئٍ بلدٍ في جنوب المتوسّط لم يكُن قد زاره من قبل. سينبهر الرسّام الشّاب بجمال هذا البلد الذي مرّت قرابة ثلاثين عاماً على احتلاله، فيُقرّر زيارَته مُجدّداً.

وبالفعل؛ زار غيوميه، الذي نشأ في عائلةٍ تشتغل بالدباغة، الجزائرَ وأقام فيها أحد عشر مرّة بين سنتَي 1862 و1884. وخلال هذه الفترة، تنقّل بين عددٍ من مدنها، خصوصاً مدن الصّحراء التي كانت أكثر ما أبهره؛ مثل بسكرة وبوسعادة والمسيلة والأغواط.

هناك، رسم مجموعةً من اللوحات الفنيّة التي جسّدت المناظر الطّبيعية والحياة اليومية للبدو وسكّان الواحات؛ كما في أولى لوحاته الجزائرية “صلاة مسائية في الصّحراء” (1863)، وفيما تلاها من أعمال؛ مثل: “سوق عربي” (1865)، و”الصّحراء” (1867)، و”عين كرمة” (1867)، و”الأغواط” (1879)، و”الساقية” (1884).

لوحة صلاة مسائية في الصّحراء

في لوحاته الجزائرية، وعددها سبعة وأربعون لوحة، نلمس نزوعاً إلى استخدام الألوان الدّاكنة والتّلاعب بالأضواء والظلال. في بعضها، اكتفى غيوميه بالأسود والأبيض. أمّا اللمسة استشراقية، فتكاد تقتصر على دقّة الاشتغال الفنيّ الذي يجعل اللوحة قريبةً من الصّورة الفتوغرافية؛ إذ يحضر سحر الشّرق وغموضه الأسطوريَّان بشكلٍ غير مبالغ فيه، في مقابل تصوير بؤس الحياة اليومية وبساطتها؛ كما في لوحتَي “من الداخل في بوسعادة” و”طفلان عربيّان جالسان” مجهولتَي التاريخ.

إلى جانب الرسم، أصدَر غيوميه، في 1888، كتاباً بعنوان “لوحات جزائرية” (منشورات بلون- نوري)، جمع فيه سلسلةً من المقالات التي نشرها في “المجلّة الجديدة” منذ عام 1879، ناقلاً فيها مشاهداته الجزائرية.

تُوجَد معظم أعمال المستشرق الفرنسي، الذي لُقّب بـ “فنّان الصّحراء”، في متاحف فرنسية مختلفة. وطالما كانت حاضرةً في أبرز المعارض الفنيّة الخاصّة بالفن الاستشراقي. غير أن لوحةً واحدةً بعنوان “المجاعة في الجزائر” بقيت غير معروفة بالنسبة إلى الفرنسيّين، ما دفع “جمعية أصدقاء متحف الفن والتاريخ” في مدينة لا روشال، جنوب شرقَي فرنسا، إلى خوض رحلةٍ للبحث عنها، بهدف عرضها في معرضٍ استعادي هو الأوّل لغيوميه من نوعه من 1899، يُنظّمه “متحف الفنون الجميلة” في لاروشال بالشراكة مع عدد من المتاحف الأخرى، ومن المقرّر أن ينطلق من المدينة في حزيران (يونيو) المقبل، ليتواصل طيلة عام كامل في عددٍ من المدن الفرنسية.

لوحة المجاعة في الجزائر

في هذه اللوحة التي رسمها عام 1869، استلهم غيوميه لوحة رسّامه الأثير، أوجين دولاكروا (1798 – 1824)، “مشاهد الإبادة في سيو” (1824)، ليُجسّد مشهداً قاسياً يُلخّص الوضع الذي عاشته الجزائر خلال المرحلة التي تلت الاستعمار الفرنسي، وخصوصاً الفترة بين سنتَي 1866 و1868 التي شهدت هلاك قرابة ثلث الجزائريين بسبب المجاعة والأوبئة.

نرى في اللوحة، التي رُسمت كما لوحة دولاكروا بالحجم الطبيعي (3.20 على 2.34 متر)، شيخَين بأسمال بالية تُظهِر جسديهما النحيفيَن، وشابّاً عارياً وقد جعل منه الجوع جلداً على عظم، وامرأتين هزيلتَين احداهما مكشوفة الصدر وأمامها رضيعٌ يحاول التعلّق بثديها، إضافةً إلى وجوه وأجساد عائمةٍ في خلفية ضبابية.

وبحسب الجمعية، فقد كان غيوميه الفنّان الفرنسي الوحيد الذي “جسّد تلك المرحلة المأساوية من تاريخ الاستعمار”، مضيفةً أنه عرَض اللوحة عام 1869 “في محاولةٍ منه لاستدرار تعاطف الرأي العام الفرنسي مع ضحايا الجفاف وسياسة التفقير التي انتهجها الاستعمار الفرنسي”.

بعد رحلة بحثٍ وصفتها بالطّويلة، أعلنت الجمعية عثورها على اللوحة في “متحف سيرتا” بمدينة قسنطينة، شرقَي الجزائر. غير أن الخبر السّعيد لم يكتمل، بسبب وضعيتها المتدهورة. فرغم أنها كانت محفوظةً في متحفٍ عمومي، إلّا أنها تعرّضت إلى أضرارٍ جسيمة “لأسباب مجهولة” وفق تعبير الجمعية التي نشرت، على موقعها الإلكتروني، صوراً تُظهر اختفاء إطار اللوحة، وتمزُّق قماشها في عدّة مواضع، وظهور ثنيّات بشكل بارز، وآثار عمودية سببها الماء، إضافة إلى فقدان قطعةٍ من الرّسم، ووجود تشوّهات وعدم تجانس بسبب عملية ترميم تكون قد أُجريت عليها.

هذا الوضع دفع الجمعية إلى إطلاق حملةٍ عبر الإنترنت، بهدف جمع خمسة وعشرين ألف يورو لترميم اللوحة، بعد استعارتها من “متحف سيرتا”، لتكون حاضرةً في المعرض الاستعادي الذي يحمل عنوان “جزائر غوستاف غيوميه”، قبل إعادتها إلى المتحف الجزائري؛ حيثُ “ستحظى بتقديم استثنائي”.

باسكال برينيلي تقوم بترميم اللوحة

اُسندت عملية الترميم إلى المختصّة في ترميم الأعمال الفرنسيّة باسكال برينيلي. وبحسب “أرضية دارتانيان التشاركية للتمويل” التي تُعنى بحفظ التراث الثقافي في فرنسا، فقد نجحت الحملة في جمع قرابة 15000 يورو إلى الآن. وفي حال تخطّي هذا المبلغ، يُنتظَر تخصيص الفائض لتمويل فيلم وثائقي للمخرجة الجزائرية حبيبة جحنين بعنوان “من صحراء إلى أخرى”، ويتناول حضور الصحراء في أعمال غيوميه.

بينما يتواصل جمع التبرّعات في فرنسا لإنقاذ لوحةٍ نادرةٍ تُعدّ جزءاً من التّراث الثقافي والفنّي الجزائري، لا بدّ من التساؤل: لماذا تتطوّع جمعيةٌ فرنسية لترميم لوحةٍ تُعدّ “جزءاً من تراث الجزائر” الثّقافي؟ ومن المسؤول عن تعرًّض اللوحة إلى التّلف؟ وماذا عن ظروف حفظ بقيّة القطع الفنيّة في المتاحف الجزائرية، وبعضُها لا يقلّ قيمةً عن “المجاعة في الجزائر”؟

غوستاف غيوميه
طفلان عربيّان جالسان
من الداخل في بوسعادة
الأغواط
السّاقية

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …