الجمعة، 22 يونيو 2018

سيرج بيلي: تعوّدنا على رؤية الآخرين يتحدّثون عوضا عنا

ترجمة: جلال الدّين سماعن

سيرج بيلي
سيرج بيلي

في كتابه الأخير، “يازوكي”، يتحدّث سيرج بيلي وهو كاتب فرنسي من أصل إيفواري عن الحياة الفريدة من نوعها لعبد أفريقي تحوّل في ما بعد إلى ساموراي في يابان القرن السّادس عشر. بعمله هذا، قام الكاتب بنبش فصل جديد منسيّ من تاريخ القارة السمراء.

يمكن اعتبار سيرج بيلي آلة تشتغل بوتيرة كتاب أو اثنين في السّنة. منذ سنة 1994، يعيش هذا الكاتب الفرونكو – إيفواري في المارتينيك ويتابع نظام حياة أشبه بذلك الذي يعيشه الزهّاد: من السّابعة ونصف صباحًا إلى الثّامنة ليلاً يشتغل في قناة مارتينيك بروميير كمقدّم أخبار؛ وبعد العودة إلى المنزل يُواصل العمل لكن هذه المرّة على كتبه وذلك حتى الساعة الثّالثة صباحًا. لا يبقى له إذن إلا أربع ساعات لينامها. “لكن هناك عطلة نهاية الأسبوع لأستريح فيها”، يقول محاولا طمأنتنا. “يازوكي” هو كتابه السّادس عشر والذي يروّي قصة غريبة لكنها حقيقية لأول ساموراي زنجي. لقاء مع كاتب يشكّل التّاريخ المحرك الأساسي لأعماله.

نشرت كتابك الأول “الزنوج في معاقل النازيين” سنة 2005. في هذا الكتاب وفي الكتب التي تلته، تصبّ كامل تركيزك على تاريخ الزنوج. لماذا؟

سيرج بيلي: لأن فصولا كثيرة غيّبت من التّاريخ الذي رويّ لنا إلى غاية الآن. ربما لأنه ساد اعتقاد بأنهم أقلّ أهمية من غيرهم. يجب القول أيضا بأننا تعوّدنا على رؤية الآخرين  يتحدثون عوضا عنا.

يمكننا التّفكير في خطاب داكار الذي ألقاه نيكولا ساركوزي سنة 2007 وبقي في الأذهان..

كلنا يعلم من كتب له نصّ الخطاب (وهو مستشاره آنذاك هنري ڨيانو). هو صادر من شخص لا يعرف التّاريخ الأفريقي ومكتف حدّ السرور بنظرته إلى هذه القارة باعتبارها راضخة ولم يحدث أبدا أن شيّدت حضارة كبيرة.. ومن اللطف التّذكير بأن الزنوج كانوا على سبيل المثال يملكون عبيدا من البيض وذلك في الإمبراطورية السّودانية للقرون الوسطى.

هل كنت تتوقّع أن يُحدث كتابك الأول ضجّة؟ حاول بعض المؤرخين التقليل من مدى تأثيره واستبعدته “فرانس تلفزيون” من قائمتها لجائزة أحسن كتاب..

لم أكن أتوقع ذلك النّقد. كنت قد اشتغلت على هذا الموضوع لمدة عشر سنوات، كما أنني أخرجت وثائقيا حول الثيمة نفسها سنة 1995 دون أن أواجه أدنى مشكلة. وصلتني دعوات من كل جهة، حتى من القنوات اليهودية. لكن، في كلّ مجتمع هنالك دائما بعض الأطراف التي ترفض أن تُمسّ روايتها للتاريخ. لم أكن أريد أن أخوض جدالا حول تضارب مصالح الذاكرة. من المؤكد أن الزنوج الذين اقتيدوا إلى مراكز الاعتقال كانوا قلّة. ثم إنني كتبت بعدها كتابا آخر: “جلاّدون كئيبون، متعاونون أفريقيون، كاريبيون، ڨويانيون، رييونيون وسود أمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية” (منشورات باسكال ڨالودي): لم أشأ أيضا أن أقول بأن الزنوج هم الأجمل وبأنهم بريئون من كل شيء. أما فيما يخص جائزة فرانس تلفزيون فقد أنصفتني العدالة وحكمت على هذه المؤسسة بأن تدفع لي عشرة آلاف يورو كغرامة.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في كتابك الجديد، “يازوكي، السّاموراي الزّنجي”، تبدو أكثر حذرا وتذكر مصادرك على طول الصفحات.  

حتى في كتبي الأولى دائما ما كنت أذكر مصادري. تعلم، كل المؤرخين سواء كانوا فرنسيين، من كوت ديفوار أو من الكارييب، ينظرون بعين الريبة إلى صحافي يحشر أنفه في ما يعتبرونه حقلهم المعرفي الخاص والحصري. في الحقيقة، العمل الذي أقوم به لا يشبه عملهم فأنا “مُبسطٌ”. لا أكتب أبدًا بنفس أسلوب متنطعي القرن الثامن عشر لأن هدفي هو أن أؤثر في أكبر عدد ممكن من القراء.

كيف خطر ببالك الموضوع المميّز لآخر أعمالك؟

من خلال حديث جمعني بقارئ مارتينيكي شغوف باليابان وهو من كلّمني عن هذا العبد الأفريقي، يازوكي، والذي أصبح من الساموراي إبان القرن السادس عشر. بعدها تعمّقت في البحث واشتغلت مع مختصين في اليابان من أمثال الإيفوارية ناتالي كووامي والتي تدّرس تاريخ آسيا الشرقية في جامعة باريس –ديدرو.

ما هي الوثائق التّاريخية التي اعتمدت عليها؟

هناك بالأخص شهادة أحد اليسوعيين وهو الأب “لويس فروا”، الذي يروّي بالتفصيل إقامة يازوكي في هذا الأرخبيل، كيف كان اليابانيون يكسرون الأبواب من أجل رؤيته حين احتمى في أحد النزل، كيف كانوا يقومون بغسله ويفرطون في حكّ جلده من أجل التأكد من أن بشرته سوداء وبأنه ليس رجلا أبيض دهن نفسه.

إضافة إلى الحكاية، ما الذي يمكن أن يقدّمه هذا الفصل من التّاريخ للمعاصرين؟

بأن يازوكي نجح في الهروب من القدر الذي رُسم له. لم يبق عبدًا، لم ينتحر، بل أصبح محاربًا. إرادته أثارت انفعالي. كما أن الكتاب يبيّن بأن اليابان في تلك الحقبة لم يكن عنصريا ولم يكن يحمل نظرة سلبية تجاه الزنوج، بل مجرد تساؤلات. كان في مستطاع الزنجي أن يتزوّج بيابانية في حين أن مثل هذا الأمر سيشكل فضيحة لو حدث بالنسبة للبرتغاليين.

أنت تؤكد بأن الحديث عن هذه الفصول من التاريخ أصبح مسؤولية.

نعم وبالتحديد منذ سنة 1994. كنت يومها في ڨيانا (Guyane) من أجل فرانس تلفزيون والتقيت بأحفاد الرق المارونيين الذين هربوا من المزارع خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر واستقروا على ضفاف نهر ماروني. عثرت بينهم على أقارب لقبيلة “أكان” التي أصلها من كوت ديفوار، أشخاص يحملون اسما كاسمي، كاسم ابني وابنتي. ذُهلت حينها وشعرت بتأثّر بالغ. قلت بيني وبين نفسي بأنه من غير المعقول أن أفارقة وكاريبيون لا يعرفون تاريخهم وثقافتهم التي حوفظ عليها بشكل مذهل.

ما هو رأيك في أشكال النضال الأفريقي الجديدة، والتي تعبّر عن نفسها بصفة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

أشعر بأننا نضيّع الكثير من الوقت في التّباكي. شخصيًا، لست من هواة التذمر الدائم فلا وقت لي لأفعل ذلك. التنديد أمر ضروري لكن الأهم هو أن تتصرف، أن تبني، أن تُشارك في نقاش وطني. وأظن بأنني اكتسبت هذه الرغبة في الكفاح من طفولتي. وصلت في سنّ الثالثة عشر إلى فرنسا. كنت وحيدا في مركز في مدينة بواتيي. كانت “الدراسة عند البيض” يومها تقليدا عند العائلات ميسورة الحال. غير أنه كان عليّ وفي زمن مبكر بأن أتدبّر أمري بنفسي وأن أجابّه المشاكل. لم يكن في مقدوري أن أبكي على قدري.

من بين مبادراتك، قمت بإنشاء جمعية تثاقفية إيفوارية ومارتينيكية “أكوابا”، من أجل مدّ الجسور بين الثقافات. هل مازالت موجودة؟

نعم لكنها لم تعد تنشط بسبب نقص الموارد المالية. إلا أننا تمكّنا من كراء ثلاث طائرات من أجل رحلات مباشرة غير مكلّفة تربط مباشرة فور دو فرونس بأبيدجان. وهو أمر لا يستهان به.

منذ أن بدأت تشتغل على تاريخ الزنوج، هل يخالجك شعور بأنك ساهمت في تطوير الذهنيات؟

سأكون كاذبا لو أني أجبت بنعم. الجامعات الأمريكية قطعت شوطا مهما في هذا الأمر على عكس جامعاتنا. عندنا، هنالك شكل من أشكال مسح للذاكرة وتنكّر للذات. أردنا أن نمسح الماضي الكولونيالي فإذا بالعنف “العرقي” يُبرهنُ اليوم بأننا بصدد دفع ثمن فعلتنا هذه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

طارق وهاني رمضان

القصّة السّرية لآل رمضان

يان ماهل. ترجمة: سماعن جلال الدين في يوم 4 أوت 1995 توفيّ سعيد رمضان، والد …

على يمينه زوجته المغنية ري سول-جو، كيم جونغ-يان مع جمع من كوادر الجيش

كوريا الشمالية من الدّاخل: السرّ المكنون

جون – لوي غورود. ترجمة: سماعن جلال الدين في عددها الأخير، لشهر أكتوبر، نشرت مجلة …